إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

السودان: سيناريوهات ما بعد الانتخابات

  زيد يحيى المحبشي

صحيح أن الانتخابات في عرف الديمقراطية الدولية تصب في خانة تكريس شرعية الحكم لكنها في الحالة السودانية تبدو مختلفة كلية كونها تنطوي على تكريس شرعية الإنفصال وما بين الشرعيتين معركة فاصلة تنتظر السودان في قابل الأيام. ولذا لم يعد مهماً الحديث عن شرعية الانتخابات وشرعية نتائجها من عدمه, بل عن الاستحقاقات والتداعيات المترتبة عليها, خصوصاً وأنها تُعد الفرصة الأخيرة للإبقاء على هذا البلد موحداً, بما ينطوي عليه ذلك من آمال في دفع نتائجها نحو إحداث تحول ديمقراطي آمن, يخرجه من أزماته المعقدة والشائكة, كما أنه على ضوءها ستكون هناك نقطة اختبار أخرى أكثر صعوبة وهي استفتاء تقرير مصير الجنوب في كانون الثاني 2011, وما ينطوي عليه من إشكاليات وتداخلات كل واحد منها كفيلٌ بإشعال حرب أهلية مدمرة, وسط حالة الإنقسام التي يعانيها شريكي الحكم وتصاعد المخاوف من نشوء معارك جديدة حول نتائج الانتخابات.

 المعطيات المصاحبة للانتخابات تشي بأنها لن تكون مخرجاً أمناً بقدر ما هي أداة لإشعال المرارات المتراكمة وتحريك الاحتجاجات المتعاظمة، وصولاً إلى ضياع فرص الوحدة والاستقرار وتحويل الحلم الانتخابي الذي انتظره الشعب السوداني بفارغ الصبر إلى كابوس مدمر.

صورة قاتمة تنتظر السودان إذاً تجعل من محاولات الوقوف عندها بغية رصد ما قبلها أو ما بعدها أو تحليل تداعياتها أمراً في غاية الصعوبة, بدءاً بتعثر مشروع الدولة ومروراً بالأزمات والمشاكل المطاردة هذا البلد من كافة الاتجاهات، وانتهاءً بالمشاريع والأجندة الداخلية والخارجية الطامعة والطامحة إلى تفكيكه, وهو ما يجعلنا أمام سؤال محوري ومفصلي هو: هل ستكون انتخابات 2010 هي الأخيرة بين سودان الغابة والصحراء؟, وبمعنى أدق: هل سيتغير وجه السودان بعدها وفي أي اتجاه سيصب هذا التغير؟.

جير ليجن في تقريره الصادر مؤخراً عن المعهد الهولندي للعلاقات الدولية بلاهاي بدا أكثر تشاؤماً من المرحلة المقبلة راسماً صورة قاتمة لمستقبل السودان وآخذاً على الأطراف المهتمة بتنفيذ اتفاقية نيفاشا 2005 وإجراء الانتخابات والاستفتاء, عدم التفكير الاستراتيجي لما تحمله مرحلة ما بعد 2011 وغياب أدنى تفكير لما سيحدث في العام 2012 وخالصاً إلى وجود أربعة سيناريوهات برزت كنتيجة حتمية لسؤالين محوريين هما:"هل ستكون هناك حرب جديدة بين الشمال والجنوب أم لن تكون هناك حرب؟". وكون الإجابة غير معلومة حتى الآن فإن مستقبل السودان على ما يبدو متوقفٌ على أربعة احتمالات هي:

– عودة الحرب الأهلية (الحرب مع وحدة البلاد).

– حرب الحدود بين الشمال والجنوب ( حرب الانفصال).

– الإذعان لاتفاقية السلام الشامل( حالة لا حرب مع وحدة البلاد ).

– وضع أشبه بالحالة الصومالية ( لا حرب, ولكن انفصال ).

لكن الأكثر ترجيحاً هو الدفع باتجاه تسهيل الطلاق بين الشمال والجنوب بعد زواج كله مشاكل وخصومات باستثناء فترة العسل التي سبقت رحيل زعيم الحركة الشعبية جون قرنق, رغم مراهنة الخرطوم على الاستفادة من المرحلة المقبلة لترسيخ فكرة الوحدة الجاذبة, وهو رهان يبدو أنه غير مجدي كون اتفاقية نيفاشا قد قسمت الأمور قسمين بين جوبا والخرطوم وهي دلالة إستباقية على أن الانفصال المنظور إليه في جوبا كحق مقدس لم يعد قابلاً للمساومة بل وبات وشيكاً وإن تباينت القراءات حول طبيعة وآلية فك الارتباط.

                               

    معضلة التحول الديمقراطي

عوامل عديدة حالت دون اكتمال مشروع الدولة حتى الآن سواء كانت داخلية أم خارجية:

داخلياً: اتسم المشهد بوجود أحزاب تجاوز التاريخ منطلقاتها وأطروحاتها المعتمدة أساساً على مرجعيات شخصية وشرعيات تاريخية لا تمت للديمقراطية بصلة, وهي واحدة من الطلائع التي تركها الاستعمار لتواصل مسيرتها في تأخير مسيرة التقدم الطبيعي الذي يطمح إليه الشعب إلى جانب كاريزما القبيلة والتي مثلت العامل الرئيسي لكل الأزمات والنزاعات والصراعات في بلد لا أحد يستطيع فيه الوقوف أمام القبيلة وسيطرتها الحديدية على الأفكار والاتجاهات.

في حين مثلت معضلة الإسلام السياسي المدماك الثاني للتشظي الداخلي وسط غياب رؤية واضحة لعلاقة الدين بالدولة والمفضي بدوره إلى تهميش القوى الفاعلة في الداخل وإعاقة إدارة ملف التنمية وبروز العديد من القواسم المشتركة بين قوى الداخل المنتقدة لنظام البشير الإسلامي نتيجة ما لحقها من إقصاء وتهميش بعد ثورة الإنقاذ وبين المشاريع الخارجية وما انبثق عنها من ضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية وعزلة دولية, وضعت النظام مباشرة أمام أزمات فرضت نفسها بقوة في شكل أحزاب وقوى داخلية ضاغطة ومنتقدة لتعامله مع ملفات الشمال أو لتوجهه نحو فرض الشريعة على الجنوب ذي الغالبية المسيحية الإحيائية معززة بالعزلة الدولية, وانعدام الأمن واستمرار التوترات العرقية والسياسية وتفاقم الوضع الإنساني الطاغي بقوة نتيجة استفراد المؤتمر الوطني بالحكم في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب وانعدام الثقة بينهما, وطغيان حسابات الربح والخسارة وسياسة حافة الهاوية وانعدام الثقة بين المؤتمر وأحزاب المعارضة الشمالية وبين الحركة وأحزاب المعارضة الجنوبية وتبادل الاتهامات حول تغذية المعارضة والصراعات الناشئة في جناح كل منهما.

هذه الأمور مجتمعه ألقت بظلالها على الانتخابات الأخيرة والمتوقع عدم إحداثها تغييراً جذرياً في موازين القوى السياسية, وبالتالي ترشيح معضلة التحول الديمقراطي إلى دورة جديدة من الصراع بين مكوناتها الهشة, نظراً لغياب الإدراك الجمعي بحقيقة أن ما لم يتحقق كله الآن سيتحقق بالتدريج مستقبلاً  وهو الأقرب إلى النجاح والثبات والاستيعاب عكس الطفرات المعرضة على الدوام للفشل والانكماش كما هو حال التجارب السابقة التي مر بها السودان.

 

خارجياً: لم يكن العامل الخارجي بعيداً عن المشهد السياسي السوداني طيلة العقدين الأخيرين خصوصاً فيما يتعلق بتغذية عوامل التنازع و التحكم في مفردات المعادلة السياسية وما ترتب على ذلك من تداعيات بدت بصماتها واضحة في استفحال النزاعات والصراعات الداخلية وتعميق أزمة الثقة وروح التنازع والتصادم وإرباك النظام الحاكم وإعاقة أي إصلاحات تُؤمن التوزيع العادل للثروة والشراكة الحقيقية في السلطة وعرقلة إنفاذ المصالحات واتفاقات السلام.

وسنكتفي هنا بالإشارة  إلى اتفاقية نيفاشا الموقعة في 9 كانون الثاني /يناير 2005 وما تضمنته من تأطيرات ومبادئ لإحلال السلام بعد حرب أهلية مدمرة بين الشمال والجنوب, خلال المرحلة الانتقالية المحددة بـ 10 سنوات وهو ما جعلها مهيمنة على شكل الدستور الانتقالي وقانون الانتخابات والاستفتاء الحاسم لأخطر الجدليات إثارة في تاريخ السودان الحديث, وهي: الوحدة أو الانفصال.

 ومعلومٌ أنه لا تزال هناك الكثير من النقاط المعلقة, رغم مرور خمس سنوات على توقيعها, إلا أن الثابت لعب الدول الضامنة وأهما أميركا وبريطانيا والنرويج دوراً محورياً في تحويلها إلى خنجر مسموم في خاصرة الوحدة السودانية ما نجد دلالته في تزايد الضغوط خلال العامين الأخيرين على نظام البشير وسط هالة من التباينات والافتراقات والمحاولات المتكررة لإسقاطه أو تشويه سمعته, كما هو حال مذكرة التوقيف بحقه, وتقدم أميركا صفوف المتحمسين لاعتقاله وعندما فشلت كل المحاولات لم يكن أمامها سوى إعلان سلاح الرفض لمبدأ استمرار المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في السلطة لـ 10 سنوات دون تفويض شعبي عبر الضغط بإجراء الانتخابات على أمل دفع نتائجها نحو إضعاف نظام البشير وتقليص هيمنته على مقاليد الأمور.

 وهنا تأتي أهمية مقاطعة الحركة الشعبية وبعض أحزاب المعارضة بالشمال والتي أرادة أميركا منها رغم عدم معارضتها استمرار البشير لولاية ثانية إعطاء الحركة الشعبية حجه سياسية وقانونية لفصل الجنوب وإتاحة المجال أمام المعارضة الشمالية للعب دور محوري في إضعاف شرعيه الحكومة المنبثقة عن هذه الانتخابات ومواصلة اتهامها بأنها وصلت إلى السلطة على ظهر الدبابات, الأمر الذي سيشوش المناخ السياسي الملغوم أصلاً ويخلق حالة من التوترات والاستقطابات الحادة سيما وأن هذه الحكومة ستكون معنية بوضع دستور دائم للبلاد وتهيئة الأجواء العامة لإجراء الاستفتاء ووضع الترتيبات الأمنية والسياسية والاقتصادية لمرحلة ما بعد الاستفتاء وإيجاد حل شامل ونهائي لملف دارفور.

إذن فنحن أمام عشق وتلاقي غريب من نوعه بين الغرب والخرطوم لا علاقة له بشعارات حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي بل بالأهداف المعلنة والمضمرة لانجاز الاستفتاء وفق الآلية الدستورية والقانونية المقرة في نيفاشا والمتطلبة إجرائه في ظل حكومة منتخبة ومن دون ذلك سيكون من حق الخرطوم تأجيله إلى ما لا نهاية.

 وليس اقدر على ذلك سوى البشير خصوصاً وأنه قد اثبت في السنوات الخمس الأخيرة نجاحاً كبيراً في إدارة الصراع مع الجنوب والحيلولة دون خروج الأمور عن السيطرة في وقت تقتضي فيه سلسلة المصالح السياسية الغربية تخفيف الضغط على الخرطوم لاستكمال الفترة الانتقالية بسلام وتهيئة الرأي العام السوداني لتقبُّل نتائج الاستفتاء ولكن مع استمرار رهانات الإطاحة بالبشير والأمل هنا في الاستفادة من السنوات الأربع المقبلة لإعادة تنظيم وتأهيل معارضة الشمال بما يمكنها في الانتخابات المقبلة من معاودة  تصدر المشهد السياسي والحكم وتشكيل حكومة موالية للغرب .

وفي المحصلة يمكن النظر للموقف الغربي من زاويتين الأولى "ايجابية": ترى أن مصالح الغرب تقتضي بقاء السودان موحداً لاعتبارات عديدة أهمها: أن الحركة الشعبية وقوى المعارضة الشمالية لو وصلت إلى الحكم بعد أربع سنوات ستكون متوافقة مع الغرب وهذا بدوره يقتضي مواصلة الضغط على البشير من أجل فك قبضته قليلاً من خلال القبول بفكرة حكومة الوحدة الوطنية التوافقية لإثبات مرونته والاهتمام بكل ما ورد في برامج الأحزاب من نقاط تنموية وسياسية من أجل الوحدة الوطنية وتحسين صورة السودان ورتق نسيجه الاجتماعي في دارفور والمصالحة الوطنية مع الجنوب وقوى الشمال على أمل دفع الانتخابات الأخيرة نحو التئام الأحزاب المنشقة والحركات المسلحة المنشطرة والمتشظية.

الثانية "سلبية": ترى أن تجربة الخرطوم وجوبا السابقة غير مشجعة على الاستمرار في الشراكة في وقت بدت المواقف الأميركية تصب في خانة فصل الجنوب رغماً عن الإرادة الإفريقية ورغماً عن التداعيات المترتبة على هذه الخطوة وفي مقدمتها تهديد مصالح الجوار العربي الحيوية ومما يعزز ذلك أيضاً تعاظم السلوك الاستقلالي لجوبا لكن دون اعتماد سياسة تجعل من الوحدة عامل جذب, وهذا من شأنه تعزيز فرص نجاح أميركا وهو الأهم في الانفراد بنفط الجنوب الذي يشكل 80 بالمائة من نفط السودان وهو هدف استراتيجي ثابت في السياسة الأميركية إلى جانب اتخاذ الجنوب كقاعدة انطلاق لمحاصرة أو احتواء أو خلخلة النظام الإسلامي بالشمال تحت ذريعة التباس العلاقة بين الدين والدولة والتي شكلت شعرة معاوية بالنسبة للسيناريو الغربي تجاه جنوب السودان والدافعية الحقيقية للضغط باتجاه اتفاق نيفاشا.

 وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة وليس أفضل من البشير لتوفير شروطها الايجابية – الوحدة الجاذبة –  والسلبية – التقيد بنتائج الاستفتاء- والمكونة في إطارها العام عامل قوة بالنسبة للبشير في مواجهته معارضة الشمال وليس فيما يرفعونه من شعارات واتهامات مع احتمال اشتداد المنازلة بين البشير ومعارضة الشمال فيما يتعلق بمعالجة استحقاقات ومقتضيات ما بعد فصل الجنوب بالتوازي مع رفع المجتمع الدولي والأمم المتحدة والحركة الشعبية ودول الجوار لدرجة الاستنفار القصوى.

 

الخيارات والتداعيات المحتملة

فشل نظام الإنقاذ في معالجة المشاكل العالقة والأزمات المتراكمة ترك بصماته مباشرة على المرحلة المقبلة والمتطلبة أكثر من أي وقت مضى إرادة سياسية فولاذية وحكومة توافقية يشارك فيها الجميع لأنها ستكون معنية برسم مستقبل هذا البلد في مرحلة هي من أخطر المراحل التاريخية وأكثرها سخونة, لم يعد فيها ممكناً القبول بأنصاف الحلول, بل صار المشهد السوداني مفتوحاً على كافة الاحتمالات بما يترتب عليها من تداعيات كارثية باتت تهدده بالتفكك والانهيار, في وقت لازالت الأجواء محاطة بالكثير من الضبابية, رغم انتهاء صخب الانتخابات, وسط تصاعد أسهم بازار الخيارات والسيناريوهات الدائرة حول: الوحدة الجاذبة والوحدة بالقوة والانفصال السلمي والانفصال التصادمي وجدلية الهوية السياسية وغيرها من المعطيات القاتمة.

 

 

أولاً : خيارات الوحدة الجاذبة

الانتخابات الأخيرة تشكل فرصة ذهبية للعودة إلى المسار الطبيعي, من خلال استفادة المؤتمر الوطني من تجديد شرعيته للأربع السنوات المقبلة لصالح تعميق مفهوم الوحدة الجاذبة باعتبارها آخر أشواق الإبقاء على وحدة الكيان, ولكنها في ذات الوقت متوقفة على إتجاهين:

الاتجاه الأول: تشكيل حكومة توافقية: يُبدي من خلالها المؤتمر الوطني قابلية الاحتواء لكل الأطياف بما يضمن جماعية العمل للحفاظ على وحدة البلاد بعيداً عن خيار الانفصال وتأمينها من التمزق والاحتراب والتوجه الجدي للاهتمام بالتنمية والعدالة والرفاهية والتي تمثل الأساس لبناء الأشياء الأخرى, خصوصاً تجاه دارفور والجنوب, وما يتطلبه ذلك من إيجاد صيغة جديدة للحكم تكون أكثر توازناً وعدالة, من بوابة الإنزال الآمن للحكومة المقبلة وما يقتضيه ذلك من رسم إستراتيجية محدودة وذات سقف زمني محدد لانجاز مهام محددة للخروج من المأزق الانفصالي, يتلمس فيه الجميع أهمية الوحدة.

 وهذا بدوره يتوقف على إبداء الحركة الشعبية بعض التفهم لقوى الشمال التي تقف معها في الكثير من المواقف وبإمكان كافة القوى مضاعفة الجهد لإقناع سكان الجنوب بأن مصلحتهم الحقيقية في الوحدة بالاستفادة من الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها الجنوب حالياً والمستدعية تضافر جهود شريكي الحكم لاحتوائها ومن المؤكد أن الجوعى لن يستطيعوا حتى مجرد الوصول إلى صناديق الاستفتاء العام المقبل, وإن وصلوا فسيكون رد فعلهم سيئاً تجاه شريكي الحكم معاً ما يربك الموقف ويزيده تعقيداً.

ومما يعزز الوحدة الجاذبة أيضاً استمرار التوتر والاشتباكات في الجنوب في ظل عدم تمتع قواته بالموارد الكافية وانعدام الثقة بين قواه السياسية والقبلية بما ينذر بولادة دولة عاجزة وغير قابلة للحياة في حال قرروا الانفصال وتزايد الضغوط داخل الجنوب نفسه لصالح الوحدة ناهيك عن الانقسام والتباين بين جناحي الحركة الشعبية في الشمال والجنوب معززاً بسياسة الحركة القائمة على التصادم القبلي والميليشاوي المنذر بدورة جديدة من الصراعات ذات الأطماع السياسية وخلق بؤر جديدة للتوتر المحلي نتيجة الوضع الذي خلقته سياسة الحركة القائمة على الإقصاء والتهميش والمحسوبية واختلال الأمن والقبلية وكلها عوامل لا صله للشمال بها.

وإجمالاً يشير تقرير صادر مؤخراً عن المعهد الأميركي للسلام كتبه "ألن شوارتز" إلى أنه في ظل عدم التغير في الأوضاع الحالية فإنه من الصعب جداً اجتناب العنف السياسي مرجحاً إخفاق حكومة الجنوب في بسط سلطتها على الجنوب كون غالبية المناطق تُدار من قبل زعماء القبائل وقادة المليشيات السابقة والفشل في حل القضايا العالقة مع الشمال لتسهيل عملية الاستفتاء ومكمن الخطورة هنا إشارته إلى أن تزايد إنفاق حكومة الجنوب على الآلة الحربية قد أسهم بصورة مباشرة في خلق فجوة كبيرة في توفير الخدمات الاجتماعية وهو ما سيكون له تداعيات كارثية على اتفاق السلام في حين تتذرع الحركة بالمقولة الشهيرة "إذا كنت ترغب في السلام فعليك بالاستعداد للحرب".

الاتجاه الثاني: تعزيز الحكومة التوافقية: بالتوجه نحو اعتماد الكونفدرالية باعتبارها الحل الأمثل لإشكالية الصراع على السلطة والثروة والضامنة الوحيدة لحصول الجنوب على حكومة تنفيذية كاملة الصلاحيات تدفعها إلى التوافق مع الأحزاب المعارضة بالجنوب لتشكيلها وتؤهلها لإعمار الجنوب كما سيمكن إقليم دارفور من حكم أنفسهم وتعويض المتضررين من الحرب وإقامة نظام مصالحة قومية لكل ما اُرتكب من الجرائم لمسح الآلام والأحزان والضغائن.

 

ثانيا: خيارات الانفصال

يتمحور الحديث هنا عن نوعين هما الانفصال السلمي والانفصال التصادمي وكلاهما له تبعاته لكن الأهم من هذا هل سيكون نظام الشمال مستعداً للتعايش مع جنوب مستقل يضم 80 بالمائة من احتياطي نفط البلاد؟ وماذا عن الأحزاب الشمالية الأكثر قومية وميلاً نحو الإسلامية التي قد تكتسب نفوذاً بعد الانفصال؟ وهل سيكون الانفصال بصورة سلسة وقانونية تسمح بالتعايش وحسن الجوار أم العكس؟.

1- الانفصال السلمي: وهو الأكثر واقعية وترجيحاً لأنه يظل أفضل بكثير من تكاليف انهيار نيفاشا خصوصاً في هذه المرحلة المقتضية من نظام البشر تحديداً تطبيع علاقاته مع الغرب إن أمكن لكن دون هذا متطلبات يجب توافرها قبل اقتراب موعد الاستفتاء.

أ- المتطلبات والشروط: يذهب المؤتمر الوطني إلى انه قد أنجز 95 بالمائة من اتفاق نيفاشا بما فيها التوصل في العام الماضي إلى اتفاق حول مشروعات قوانين الاستفتاء والمناطق المتنازع عليها- أبيي والمشورة الشعبية- بالتوازي مع بروز العديد من المعطيات في العامين الأخيرين كلها تصب في خانة وجود تهيئة إستباقية لدى الخرطوم والعديد من دول المنطقة للتعايش السلمي مع الجنوب ولو بحذر, بل هذا ما تتوقعه وبالتالي استبعاد تجدد الحرب الأهلية.

وهذا بطبيعته يحتاج إلى استغلال المرحلة المقبلة لتكثيف جولات التسوية والتوافقات حول المسائل المعلقة فيما يتعلق بما بعد الانفصال من قبيل: النفط، ترسيم الحدود بما فيها حدود أبيي وفقاً لقرار محكمة التحكيم الدولية بلاهاي (تموز/ يوليو 2009), ومياه النيل, والنيل الأزرق, وجبال النوبة وجنوب كردفان، ونظام الاستفتاء ولوائح من يحق لهم المشاركة فيه وحسم الجنسية والتبعية للدولة الناشئة والتعويضات المالية الإدارية للعاملين بالوزارات والجيش والشرطة – العمل والقوات المدمجة – ورجوعهم للجنوب، والرعي وأصول الحكومة وديونها وعلاقة الدولتين والاتفاقيات والمعاهدات الدولية وغيرها.

وهنا تأتي أهمية الدور الأميركي على وجه التحديد سواء للضغط على حكومة الجنوب لتسهيل هذا الواقع عبر التوصل إلى تسوية تحافظ على وجود شكل من تقاسم عائدات النفط كون معامل التكرير وأنابيب التصدير في الشمال واحتياطي النفط الرئيسي في الجنوب وذلك من اجل تخفيف التداعيات الاقتصادية المترتبة على فك الارتباط وكذا الضغط باتجاه حسم الخلاف حول المناطق المتنازع عليها إذا ما كانت حكومة الجنوب ترغب في الحصول على الاعتراف الدولي إلى جانب منح الخرطوم الضمانات اللازمة بأن الانفصال لن يكون على حسابها اقتصادياً أو دبلوماسياً تشمل نزع العقوبات وتطبيع العلاقات.

وكلها ستسهم في خلق علاقة حسن جوار مدعومة بترميم العلاقة مع دول الجوار والمجتمع الدولي خاصة مع تشاد واريتريا وأوغندا.

ب- التداعيات المحتملة: من غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت الدولة الجديدة ستكون قابلة للحياة أم ستكون مجرد منطقة موضوعة تحت الحماية الدولية؟ كما هو السؤال عن قابليتها للتعايش السلمي من عدمه مع الشمال؟.

صحيح أن السلام شرط مسبق كي تكون الدولة الجديدة قابلة للحياة لكنه ليس ضمانة أكيدة في ظل الحكم الذاتي السيئ الصيت بالجنوب وغياب التنمية ما يلقي على الدول المانحة عبئ دفع الفواتير اللازمة للحيلولة دون سقوط الدولة الجديدة, والمتطلبة ضخ مليارات الدولارات سنوياً وبالتالي ذهاب التوقعات إلى أنها ستولد مع كل خصائص الدول الأكثر هشاشة في العالم.

ولذا لم يخفي حلفاء جوبا- أميركا والاتحاد الأوربي وكينيا وأثيوبيا وأوغندا- خشيتهم من أن تصبح دولة الجنوب الدولة العاجزة التالية بعد الصومال كما هو الخوف من تحولها إلى مصدر إلهام للحركات الانفصالية في شمال السودان وأفريقيا عموما وداخل الجنوب نفسه حيث التنافس المستعر على الموارد النادرة والمؤلبة للمتحدات والمجموعات العرقية بعضها على بعض ما يعني أن التحذيرات في العام 2012 لن تكون من تجدد الحرب مع الشمال بل من خيبة أمل متفاقمة وخصومات متزايد بالجنوب المتصدع اجتماعياً حتى النخاع.

كما هو التساؤل عن مصير الكوادر الشمالية داخل الجنوب والكوادر الجنوبية داخل الشمال وما يترتب على ذلك من نزوح كارثي قد يفوق ما جرى في دارفور وتبقى الحدود خاتمة الأثافي  وخط النار الأكثر سخونة بدءاً بجبال النوبة ومروراً بالنيل الأزرق وأبيي وجنوب كردفان وانتهاءً بشرق وغرب السودان وكلها أوراق تراهن عليها جوبا مستقبلاً لإشعال البيدر الشمالي.

 

2- الانفصال التصادمي: ويتوقف أساساً على إرجاء الاستفتاء إلى ما لا نهاية بما يؤدي إلى استحالة التعايش وتجدد الحرب الأهلية كردة فعل على موقف الخرطوم وقد يكون نتيجة إلغاء الاستفتاء والاستعاضة  عنه بكونفدرالية تعطي الجنوب الحق في إقامة دولة كاملة الصلاحيات وتربطها بالشمال علاقة رأسية أو التوجه إلى إعمال القوة للإبقاء على الوحدة وأخفها وطأة التوجه إلى تمديد الفترة بين نتائج الاستفتاء في حال كانت لصالح الانفصال وبين تأسيس الدولتين تحت دواعي حسم نقاط الجدل وكلها تنذر باستشعار مبكر لقنابل المشاكل المعلقة وما تحمله للسودان من كوارث في قابل الأيام خصوصاً إذا ما قرر الجنوب فك الارتباط من جانب واحد.

 

التداعيات المحتملة

1- تجدد الحرب الأهلية نتيجة الاختلاف على ترسيم الحدود في أبيي والمشورة الشعبية وجنوب كردفان والنيل الأزرق وغيرها من حدود 1956التي لم تحسم بعد أو تنفيذ الاستفتاء حول تبعيتها أو عدم الاتفاق بما يحمله من أبعاد نفطية وأيديولوجية وقبلية من شأنها خلق تمردات جديدة بدعم من الحركة الشعبية خاصة في حال كان الانفصال متوتراً قد تتجاوز نقاط التماس إلى دارفور.

2- احتمال نشوء عنف قبلي في الجنوب أكثر مما هو عليه حالياً واستمرار تحميل الحركة الشعبية للخرطوم المسؤولية كما هي عادتها سابقا لتبرير دعمها للتمردات التي قد تنشأ في الشمال.

3- تزايد الاضطرابات السياسية في أقاليم الشمال المطالبة بالمزيد من الحكم اللا مركزي واقتسام الثروة مع المركز معززاً بسيل من الاحتجاجات على معالجة الحكومة لاتفاقات السلام وتوجه بعض الجماعات للمطالبة بحق تقرير المصير أو الانفصال الكلي عن السودان.

4- زيادة الاستقطاب السياسي بين الحكومة والمعارضة بالشمال وتحميل المعارضة الخرطوم مسؤولية انفصال الجنوب وما يترتب على ذلك من إرباك وتفكك وانشقاقات قد تُمهد لاندلاع انتفاضة شعبية تقودها المعارضة لإسقاط نظام البشير مدعومة بزيادة وتيرة الضغوط الدولية في مجال التعامل مع المحكمة الدولية ورعاية حقوق الإنسان وتحقيق بنود اتفاقات السلام.

5- ويبقى العامل الاقتصادي الأكثر سوداوية خصوصاً وأن حكومة الخرطوم ستفقد نصيبها من عائدات النفط الجنوبي المشكل 80 بالمائة من كل عائدات البترول السوداني البالغة 60 بالمائة من موازنة الحكومة الاتحادية وما يترتب على ذلك من مشاكل اقتصادية غير محمودة العواقب وسط سريان الحديث في أوساط الحكومة الجنوبية للتوجه نحو تشييد خط نفطي جديد يربطها بميناء ممبسه الكيني وبناء مصفاة تكرير بالجنوب حتى لا تعتمد على الشمال غير المؤتمن بنظرها.

 

المصادر

– فيليب دو بونتيه، السودان يقف حائراً عند مفترق الانتخابات، معهد كارنيجي الأميركي، 3 نيسان/ ابريل 2010.

– منصف السليمي، انتخابات السودان تغرق في مزيد من الانقسام والعزلة، موقع دوتيشه فيله، 2 نيسان/ ابريل 2010.

– د.الطيب زين العابدين، تداعيات انفصال الجنوب، وله أيضاً: تحديات وتداعيات الانتخابات السودانية، مركز الجزيرة للدراسات، 27 كانون الأول/ ديسمبر 2009، 21 شباط/ فبراير 2010.

– أسماء الحسيني، الانتخابات السودانية هل تتحول من حلم إلى كابوس، حركة العدل والمساواة السودانية، 5 نيسان/ ابريل 2010.

– أسامة علي عبدالحليم، تأملات حول الانتخابات السودانية، صحيفة الحوار المتمدن، 4 نيسان/ ابريل 2010.

– السودان ما بعد الانتخابات، ندوة علمية نظمها حزب الغد المصري بالقاهرة، 23 آذار/ مارس 2010.

– السودان بين مواجهة التدخلات الخارجية وانجاز الاستحقاقات الصعبة، النور السودانية، 3 شباط/ فبراير 2010.

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد