إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

مثنى الضاري وهبة الشمري وحظي العاثر.. بقلم: علي الصراف

Daree(2)

لا أعرف كيف كان العالم يبدو في نظر نيلسون مانديلا عندما كان يُصنف من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، بوصفه "ارهابيا". ولا أعرف كيف يبدو العالم في نظره الآن.

ولكني أعرف ان "الإرهابي" ظل إرهابيا حتى بعد أن أصبح أول رئيس لجنوب أفريقيا الحرة. وأعرف ان "العالم" الذي تمثله حثالة المنطق في واشنطن ولندن، أعاد (من دون شعور بالخجل) تعريف مانديلا، ليقدمه كبطل، بل ونصب له التماثيل أيضا.
هذا العالم يبدو من دون ذاكرة أيضا. فعدا عن انه بلا حياء، فانه يطوي فضيحته الأخلاقية، ويستبدلها بموقف مختلف جذريا، ولكن من دون أن يقارن شيئا بشيء حيال الشخص نفسه. ومن دون أن يحوّل الدرسَ في المفارقة الى قيمة من قيم السلوك الإنساني حيال "إرهابيين" مثله.
وبطبيعة الحال، فإن من آخر الأشياء التي يمكن التعويل عليها، في المسافة بين سياسات الغرب وذاكرته، هي أن يكون لديه ضمير.
هذا الجزء من العالم يعيش، ويزدهر، فقط لانه من دون ضمير.
وهو لا يحاكم أخلاقياته إلا عندما تتغير الحقائق على الأرض حين لا يعود للمحاكمة أي معنى.
فالغرب انتهازي ليس في السياسة وحدها، ولكن ضمائره نفسها لا تعمل إلا عندما تخدم غرضا انتهازيا.
ضع أي تعريف للإرهاب، وستجد ان الغرب هو الإرهاب، ولا إرهاب سواه.
"قتل المدنيين لتحقيق أغراض سياسية". هذا واحد من اكثر التعريفات تداولا عن الإرهاب.
ولكن الغرب عندما يتحدث عن "المدنيين" فانه يقصد مدنييه هو، لا مدنيينا نحن. وعندما يتحدث عن "الأغراض السياسية" فانه يقصد إدانة أغراضنا (حتى ونحن في أوطاننا)، أما هو، فكأنه يتصرف (قتلاً، وغزواً، وتدميراً) من دون أغراض!
هل كانت مقاومةُ النازية الألمانية شرفاً أم إرهاباً؟
إسأل أي زعيم غربي. وتستطيع أن تقدّر الجواب.
إسأل: لماذا؟
وسيقال لك، لان النازية ارتكبت جرائم وفظائع لا حدود لها ضد الإنسانية. ولانها غزت دولا، في الصراع على المصالح والنفوذ، ولأنها خلفت وراءها من الآلام والعذابات ما لا يُوصف.
ولكن ماذا عن الجرائم والفظائع والآلام والعذابات التي خلفها غزو العراق؟ ماذا عن مئات الآلاف من القتلى، وملايين المشردين داخل وخارج وطنهم؟ ماذا عن الخراب والفقر الذي ورثه شعب لا جريرة له ولا ذنب؟ وماذا عن ملايين الأطفال الذين قذفت بهم آلة الدمار والوحشية الغربية ليكونوا متاعا لليتم والحرمان؟ وماذا عن مئات الآلاف من المعتقلين الذين ألقوا في غياهب السجون ليواجهوا أصنافا من أعمال التعذيب والاغتصاب لم يحلم بارتكابها النازيون أنفسهم؟
إذا كان الإرهابُ عملاً من أعمال "العنف ضد المدنيين"، فهل كان غزو العراق عملا من أعمال العطف عليهم؟ وهل تغييرُ الأنظمة بالقوة، بناء على أكاذيب ومبالغات وأباطيل، عملٌ من أعمال المحبة؟ وهل إقامة نظام لصوص وأفاقين يعيش على الفساد و"فرق الموت"، عملٌ من أعمال الخير؟
لم نُحص قتلانا بدقةٍ بعد. ولكننا نعرف انهم أكثر بكثير مما قتل النازيون في أي بلد اجتاحوه في أوروبا.
لم نُحص عدد الذين دخلوا السجون وتعرضوا لأعمال التعذيب بدقةٍ بعد، ولكننا نعرف أنهم اكثر بكثير من كل الذين اعتقلوا في السجون النازية.
ولم نُحص مشردينا بدقة بعد، ولكننا نعرف انهم اكثر بكثير مما شرد النازيون في أي بلد حكموه.
إذا كانت هذه هي النتيجة، وإذا كان هذا هو الواقعي والملموس من أعمال الغزاة وعملائهم، وإذا كان الخراب هو ما بقي حتى بعد سبع سنوات من إقامة نظام "جديد"، فقل لي كيف لا تكون إرهابيا؟ وكيف لا تقاوم؟ وكيف لا تعمل أي شيء من أجل رد الإعتبار للضحايا والمعذبين؟ وكيف تمنع نفسك من أن تؤازر أولئك الذين يحملون السلاح دفاعا عن شرف أمهاتهم وأخواتهم وشرف وطنهم نفسه؟
قل لي، كيف؟
كيف يمكن للإنسان أن يكون حجرا؟ كيف لضميره أن ينام؟ وكيف لا يهزّه ليحمل أي شيء، فيقاتل؟
الغرب بلا ضمير. الكل يعرف هذا. وهو انتهازي حتى في أخلاقياته المزيفة. ويفضل أن يكون بلا ذاكرة عندما يتعلق الأمر بمصالحه. ولكني أعرف انه بلا حياء أيضا. وهو من السفالة الأخلاقية بحيث لا يصح أن تؤخذ اتهاماته، وتقلباته، (وتماثيله) بأي إعتبار. انها آلة نفاق، عندما كانت تدين مانديلا بالإرهاب، وهي آلة نفاق عندما أصبحت تنظر اليه كرمز من رموز الحرية.
والرجل هو نفسه لم يتغير!
اليوم تسترجل وزارة الخارجية الاميركية على مثنى حارث الضاري لتتهمه بدعم الإرهاب.
واليوم تسترجل حكومة العملاء الطائفيين على هبة الشمري لتتهمها بدعم الإرهاب نفسه أيضا.
أما أنا، فأقول: أيا حظي العاثر!
لماذا، يا ربي، لم تكتب لي شرفا كهذا؟ ما الذي فعلت، يا ربي، لكي لا يعطف عليّ المجرمون والأنذال بوسام أحمله على صدري؟ وماذا سآخذ معي، يا ربي، إن لم آخذ ذكرى شرفٍ بين من يتذكرون؟ وماذا أفعل، يا ربي، لكي تلتفت اليّ إحدى وزارات الانحطاط الأخلاقي في بريطانيا أو اميركا فتضع إسمي على قائمة الشرف التي حملت إسم مانديلا؟ وكم غزوا نازيا سأعيش، يا ربي، لكي لا يكون لي نصيبٌ في الدفاع عن شرف أمي وأختي، وعن وطني وأهلي؟
تفٌ، على وزارة الداخلية.
تفٌ، على وزارة الخارجية.
تفٌ، على كل الموثقين الذين لم يلاحظوا ان مثنى أخي، وان هبة أختي، واني مثلهما أدعمُ إرهاب مانديلا ولا أجد بينهم من يسترجل عليّ!
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد