إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الواقع المزري للحركة العمالية

 khaled mansour

بقلم : خالد منصور

   في العام الماضي– وكما في كل عام– تجمع الآلاف من العمال الفلسطينيين من كل محافظات الضفة الغربية في مدينة رام الله، وساروا بمسيرة عارمة عبر شوارع المدينة التي يسكنها ويعمل فيها القادة وصناع القرار، يحملون اللافتات العملاقة والأعلام الفلسطينية، ويرتدون البلايز والطواقي التي تحمل شارات الاتحاد، وسرت أنا في مقدمتهم والى جانبي الأمين العام للنقابات وأعضاء الهيئة التنفيذية، وصرخت بأعلى صوت هاتفا لمجد العمال موجها التحية للزنود السمر ومستذكرا همومهم ومعاناتهم، محرضا ضد الحرمية الهباشين ونظام الخصخصة، داعيا إلى العدل والإنصاف، والى سن القوانين التي تحسن ظروف العمال، والى تطبيق ما وجد منها، مطالبا الحكومة بالتحرك الجاد لتوفير فرص عمل لآلاف العاطلين عن العمل، وبالعمل من اجل بناء نظام للضمانات الاجتماعية..

    وفي هذا العام قررت أن لا أشارك في الاحتفالات الرسمية للنقابات بعيد العمال، وان اقصر مشاركتي فقط على الفعاليات الكفاحية، التي سينظمها العمال على حواجز الاحتلال، وعلى معابر الإذلال الموصلة إلى سوق العمل الإسرائيلي، قررت ذلك لأنني اكتشفت أنني كنت أشارك لسنوات في زفات تقيمها قيادات النقابات، وترصد لأجلها عشرات الآلاف من الدولارات– لتثبت وجودها أمام صناع القرار،( ولتضحك ) على العمال وتوهمهم بأنها تناضل من اجل حقوقهم، وتستمر في تضليلهم لتحافظ على بقائها على سدة التحكم بحركتهم.. قررت هذا العام التوقف عن المشاركة باحتفالات من اعتقد أنهم يرتكبون اكبر جريمة بحق الطبقة الأكثر تعرضا للظلم والقهر والإهمال والاستغلال.. ويقومون بدور المدجن لهذه الطبقة والمخدر لها، والمغلق الأبواب بوجوده على رأسها أمام تحركها لتحسين ظروف حياتها وخدمة مصالحها، والذي يحول دون تطورها وتحولها إلى قوة تفرض وجودها على خريطة العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد.

    بعد انتهاء مسيرة العمال بعيدهم في العام الماضي أقيم حفل كبير خطابي وفني كبير، سمعت فيه شعارات لطالما سمعتها منذ عشرين عاما عن وحدة الاتحادات العمالية، وعن النضالات النقابية وتحقيق الانجازات… وها هو عام يمر كما مر قبله عقدين من الزمن، ولم تتوحد النقابات العمالية، ولم المس أو اسمع بحركة عمالية مطلبية جادة، ولم تغير النقابات شيئا في سلوكها وطريقة تعاملها مع هموم واحتياجات العمال، بل بقيت اقرب إلى أصحاب العمل من العمال، وواصلت مغازلة الحكومة ومسايرتها على حساب مصالح العمال، ولم تخض يوما في حياتها منذ تأسست نضالا نقابيا شاملا على صعيد الوطن  من اجل قضية من قضايا العمال وما أكثرها كالجوع والفقر والبطالة والغلاء وتطبيق القوانين العمالية وتسريع النظر بالقضايا العمالية المرفوعة للمحاكم ( إضراب وطني عام ).

    في ذلك اليوم وبعد الاستماع إلى بعض الفرق الفنية التي قدمت وصلات غنائية– كان البعض منها هابط المستوى وسخيف الكلمات.. هناك التقيت ببعض العمال الذين جلسوا في الحديقة، ولم يدخلوا القاعة تعبيرا عن عدم اكتراثهم بخطابات المسئولين، وقمت بسؤالهم عن شعورهم في هذا اليوم.. فأجابني احدهم ( وهو عامل من منطقة طولكرم ) : لقد جئت اليوم لأنني وجدتها فرصة للوصول إلى رام الله دون أن ادفع أجرة المواصلات، وهي المدينة التي لا أصلها إلا في مثل هكذا مناسبات وعلى حساب المنظمين.. واغتنمتها فرصة كي أغير من روتين حياتي– أي لأرى الناس وبعض أصدقائي، وكما ترى ها هم أطفالي معي وكأننا في رحلة– فشكرا للنقابات التي تقيم مثل هذا الحفل كل عام.. وأضاف : طوال العام تنقطع النقابات عن أمثالي من العاملين في إسرائيل، المتسللين إلى سوق العمل حاملين دمهم على كفهم.. فلا نعرف النقابات ولا يعرفنا النقابيون، وفقط تربطنا بهم علاقة أننا مجبرين على الانتساب للنقابات ودفع الرسوم السنوية، كي نتقدم إلى دوائر الارتباط بطلبات الحصول على تصاريح عمل للدخول إلى إسرائيل.. وأحيانا– وهذا يحدث كل عام– يثير بعض النقابيين إشاعة أن هناك مساعدات بدل بطالة، فيهجم العمال ويسددوا اشتراكاتهم للنقابات، أملا في الحصول على تلك المبالغ الهزيلة– التي غالبا لا تصل إلينا ويبلغنا النقابيون فيما بعد أنها إما ألغيت أو أنها ستأتي فيما بعد.

    وللحقيقة فان هذا الوضع المزري لحركتنا العمالية النقابية لا تتحمله جهة واحدة– رغم أن هناك من يطبق بخناق النقابات ويسيطر على قرارها.. لكن الآخرين من مكونات الحركة النقابية يتحملون هم ايضا مسئولية– تتفاوت بحجمها من طرف لآخر.. ومسئولية هذه المكونات والكتل النقابية تكمن في أنها قبلت بالتهميش والتذيل حفاظا على وجودها، وتهرب دوما من مسئولياتها التي تمليها عليها منابعها الفكرية، وتحجم عن اتخاذ القرارات الجذرية الثورية المطلوبة، وأهمها الموقف ممن يعيق وحدة الحركة النقابية، وممن يمتطي النقابات ليخوض من على ظهرها صراعات مع منافسيه.. وكان الأولى والأجدر بهذه الكتل أن ترفض استمرار الأمر الواقع، وتهدد بإعادة النظر باستمرار وجودها في الاتحادات– إذا لم تتوحد، وإذا لم تمارس الديمقراطية في حياتها الداخلية من خلال انتخابات حقيقية، وإذا لم يعاد النظر بمفهوم الشراكة القائم– والذي لا يمكن وصفه إلا شكل من الإلحاق والتبعية عبر نظام الكوتا الفصائلية القديم الجديد.

 

مخيم الفارعة – 25/4/2010

 

 


خالد منصور
مخيم الفارعة – نابلس – فلسطين
[email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد