إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

سيناريوهات العراق الجديد

 

سيناريوهات العراق الجديد

زيد يحيى المحبشي

سجلت الانتخابات التشريعية العراقية الأخيرة, منعطفاً مهماً في تاريخ هذا البلد وبارقة أمل لبدء التعافي, سواء لجهة المشاركة السياسية الواسعة لكل المكونات, أو لجهة التراجع النسبي للتأثير الإيراني والتأثير الطائفي, مقارنة بانتخابات 2005, حيث ارتفع عدد النواب اللا طائفيين من 30 إلى 180 نائباً في البرلمان الجديد, ما يشي بأننا أمام عراق جديد هو أقرب إلى العلمانية, وسط رغبة جامحة لدى الناخب العراقي للانتقال من مرحلة المحاصصة والطائفية والتهميش والإقصاء إلى مرحلة المساواة والوطنية والتداول السلمي للسلطة والشراكة وبناء الدولة القوية.

 غير أن هذا التحول الإيجابي لا تزال دونه عقبات كثيرة, على خلفية عدم إسفار نتائج الانتخابات عن فائز صريح وبالتالي جعل كل الكتل الأربع الرئيسية فائزة, وهو ما يحول دون إنفراد أي منها بتشكيل حكومة الأغلبية ما لم يدخل في تحالفات أخرى, وهي إشكالية وإن كانت في ظاهرها إيجابية لجهة فشل الرهانات الأميركية والإيرانية بالإنفراد ببلورة هوية المرحلة المقبلة, سيما وأنها ستكون أمام الانسحابات الجزئية والكلية لقوات الاحتلال, ورسم معالم مرحلة ما بعد الاحتلال, لكنها أيضاً تستبطن الكثير من الألغام سواء كان مردها الدستور العراقي أو الاتفاقية الأمنية العراقية الأميركية أو الأجواء والمصالح الإقليمية أو القوى والكيانات الفائزة بالانتخابات ذاتها, وما أفرزته مجتمعة من تداعيات باتت تهدد بنسف الاستحقاق الانتخابي برمته وإعادة العراق إلى المربع الأول.

 

إشكاليات على الطريق

داخلياً: أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز 9 كتل أهمها:الكتلة العراقية بزعامة علاوي 91 مقعداً (76 سنة و15شيعة) لتصير 90 مقعداً بعد قرار هيئة المسائلة بإلغاء نتائج 52 مرشحاً, دولة القانون بزعامة المالكي 89 مقعداً وهو شيعي خالص, الائتلاف الوطني الشيعي 70 (40 مقعداً للتيار الصدري والبقية للحكيم والجلبي والجعفري), التحالف الكردستاني 43 مقعداً, وبالتالي استئثار الكتل الأربع بـ 293 مقعداً من أصل 325 مقعدا,ً ما يعني أن تشكيل الحكومة من نصيب الائتلاف الأكبر عدداً حسب الخيار الانتخابي, وهو ما تصر عليه الكتلة العراقية, في حين ترى دولة القانون أن الخيار الانتخابي شيء والخيار الحكومي شيء آخر, كون المادة 76 من دستور 2005 قد جعلت تشكيل الحكومة مربوطاً بالكتلة النيابية الأكبر عدداً التي تنشأ داخل البرلمان سواء عبر الاندماجات أو التحالفات الجديدة التي تعقد بعد الانتخابات.

وهنا تكمن الإشكالية الكامنة أساساً في غياب الفائز الصريح, وغياب إمكانية تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر عدداً, وسط تصاعد لغة المطالب القصوى, وغياب الاستعداد لإذابة جليد التباينات, وتهديم الأسوار والحواجز بين المكونات الرئيسية, تمهيداً لدخول باحة البيت العراقي الواحد, إذ الواضح حتى الآن تأهب الجميع خلف ساتر أصواته وإدعاء أحقيته بتشكيل الحكومة والأخطر من هذا وذاك الاندفاع خارج الحدود طلباً للحلول بعد العجز عن صنع حاضرهم في الداخل, حيث أظهرت الرحلات المكوكية لقادة العراق عقب الانتخابات أن حوارهم مع الخارج أكثر من حوارهم مع بعضهم البعض في الداخل, الأمر الذي يعيد إنتاج سيناريو 2005 عندما احتاجت الكتل إلى أشهر, قبل إخراج الحكومة إلى حيز الوجود.

يشهد العراق اليوم سباق محموم للفوز بالكتلة النيابية, في حين أن نتائج الانتخابات لم تُقر رسمياً بعد, من قبل المحكمة الاتحادية, المكونة هي الأخرى جزءاً من المشكلة على خلفية سماحها بإعادة الفرز اليدوي في مدينة بغداد, وهي مسألة لن تغير من المشهد القائم شيئا, كون الفرز الإلكتروني تحت قبضة الاحتلال في بلد لا يزال كل شيء فيه من الناحية العملية تحت الاحتلال, وهو ما يعني إتاحة الفرصة لنسف الانتخابات برمتها, على خلفية إيقاعات الهزات الأمنية المتنامية على حساب تراجع الاستقرار السياسي.

 لهذا تظل لغة الشراكة المخرج الوحيد والبديل الأقل كارثية من بقاء العراق دون حكومة أو إخراج حكومة أغلبية موالية لأميركا أو إيران, لما لذلك من تبعات على المشهد الأمني وإعادة تفجير الحرب الأهلية وعدم استقرار الحكومة نفسها بفعل الضغوط والتجاذبات السياسية وتزايد الخلافات داخل الحكومة والبرلمان وتزايد الارتباطات الخارجية, عكس الائتلاف الوطني الواسع أو ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية المحتوية لكل الأطياف.

هشاشة الائتلافات الانتخابية وضعفها وتفاقم الخلافات داخل مكوناتها الرئيسية  ومع بعضها البعض, كل هذا يحول دون الظفر بالكتلة النيابية الأكثر عدداً داخل البرلمان الجديد, وبالتالي قناعة الجميع بأهمية إخراج صفقة توافقيه واحده للمناصب السيادية الثلاثة – رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان والتشكيلة الحكومية – مدعومة بتوافق إقليمي ودولي, لعدة مبررات أهمها: أن الجميع يرفض خيار المعارضة القوية والحكومة القوية, ناهيك عن وجود شبه توافق على رفض التهميش لأي مكون أساسي, ورغبة الجميع في نيل نصيبه من الكعكة العراقية – السلطة والثروة – هذا من ناحية.

 ومن ناحية ثانية أن الدستور وإن كان قد نص على مراحل زمنية تحول دون إخراج الصفقة بالتزامن لكن اشتراطاته لجهة اختيار رئيس البرلمان بالأغلبية المطلقة (50 زائد واحد) أي 163 صوتاً ورئيس الجمهورية بأغلبية الثلثين (216 صوتاً) ورئيس الحكومة بالأغلبية المطلقة ومنح الثقة للحكومة الجديدة (82 -163 صوتاً) كل هذا يحتم التوافق, لا سيما في بلد يعتنق النظام البرلماني الجاعل من تشكيل الحكومة, رهناً بتوازن القوى داخل البرلمان وبالتدخلات الخارجية, التي لا زالت حاضرة بقوة وما يترتب على ذلك من تفتيت للتفاعلات السياسية، وتسهيل إنتاج دكتاتورية أغلبية برلمانية, وصولاً إلى تعميق الصراعات بدلاً من حلها, وبالتالي تحويل هذا النظام إلى نقمة على الجميع بدلاً من الاستفادة من ميزته النسبية في تمثيل كل الأطياف, ولذا تظل التوافقات المخرج الوحيد والبديل الأكثر أمناً من الأغلبية البرلمانية الدكتاتورية والأكثر جدية لإنقاذ العراق.

خارجياً: هناك رهانات قوية لتحويل القوة العنفية في المنطقة السنية إلى قوة رسمية وقانونية, حتى لو كانت قوة غير رسمية وغير قانونية بالنسبة لدولة القانون, وسط تساؤل واشنطن عن قدرة دولة القانون والكتلة العراقية في تشكيل الحكومة واحتواء كل الأطياف فيها, بالتوازي مع تراجع الاهتمام الأميركي من وقف النفوذ الإيراني إلى الاكتفاء بمحاولة إضعافه, ناهيك عن فشل إيران في إعادة دمج الائتلاف الوطني مع دولة القانون وبالتالي إقرار الأطراف الخارجية مجتمعة بأهمية الشراكة في العراق الجديد بين أطيافه الداخلية, وأهمية نسج علاقات جيدة مع جواره, وسط تنامي الحديث عن اقتراب تقاطع صفقة أميركية إيرانية سورية سعودية لإخراج حكومة عراقية على الطريقة اللبنانية يلعب فيها علاوي الدور الأساسي إذا لم تسعفه الظروف للعودة إلى رئاستها.

 

الخيارات والحلول

– خيار المعارضة والحكومة: يفترض وجود حكومة قوية ومعارضة قوية بما له من إيجابيات على الحراك السياسي وعلى نوعية وكفاءة الأداء الحكومي وهناك عدة سيناريوهات لترجمة هذا الخيار منطلقها أن كل الكتل الفائزة علمانية في الأداء وإن كان بعضها إسلامي في الطرح والأهم عدم وجود أي إشارة لإقامة دولة دينية في برامجها الانتخابية ولذا نجده يركز على: إيجاد حكومة ومعارضة ذات استقطاب ديني- علماني تقوم من خلاله القوى الدينية بتشكيل الحكومة والعلمانية بتشكيل المعارضة أو العكس، إيجاد حكومة ومعارضة ذات استقطاب محافظ – ليبرالي وبنفس الكيفية السابقة, تشكيل دولة القانون والائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني الحكومة وتوجه العراقية وجبهة التوافق نحو المعارضة, تشكيل الائتلاف الوطني والعراقية والكردستاني الحكومة ودفع دولة القانون نحو المعارضة, والخيار الأخير تشكيل دولة القانون والعراقية للحكومة ودفع التيارات الأخرى إلى المعارضة.

 لكن المشكلة في جميع هذه الخيارات أن كل طرف لديه حساباته فيما يتعلق بتكلفه دخول الصفقة أو الخروج منها أو لجهة الانطلاق من هذه الصفقة كحد أدنى للمطالبة بما هو أكثر, ما يجعل من السنوات الأربع المقبلة مفاوضات شاقة داخل مؤسسات السلطة بين المتنافسين بحثاً عن المزيد من المكاسب وبالتالي استمرار الصراع.

– خيار الكتلة البرلمانية الثالثة: يقوم على سلخ الأطراف الرافضة لوجود الاحتلال داخل البرلمان من كافة الكتل لتشكيل كتلة ثالثة ذات أكثرية عددية تسمح بتشكيل حكومة ائتلافية وهو خيار ممكن وسيلقى استجابة خصوصاً وأنه يرمي إلى تشكيل كتلة وطنية غير مقيدة بالانقسامات الطائفية أو الإثنية.

– خيار الشراكة الوطنية الواسعة: يقوم على أساس إنتاج حكومة الأمر الواقع التي "لا رابح مطلق فيها ولا مهزوم مطلق" وهو توجه يحظى بدعم عربي وغربي وداخلي لا سيما وأن كل القوى العراقية ليست في وارد القبول بخيار المعارضة والحكومة لإصرار الجميع على لعب دور في الحكومة المقبلة, سيما وأن العراق لا يزال في طور بناء كيانه السياسي وترصين دعائم دولته وتحديد هويتها وموقعها في جيوبوليتك المنطقة, ناهيك عن أنه ما يزال يستمد بقائه وقدرته على الحياة من موارده النفطية التي تتراكم في خزينة المركز ليوزعها على الأطراف, وهذه بحد ذاتها سلطة هائلة تجعل الجميع راغبين في السيطرة على الموارد وتحديد جهتها, أولاً: لضمان الحصول على نصيب كل مكون من الكعكة العراقية, وثانياً: لضمان عدم تكرار سيناريو التهميش والإقصاء.

لكن دون هذا التوجه عوائق كثيرة منها كثرة الرموز والشخصيات في الكتل الفائزة, وبعضها يقف على مسافة واحده من حيث القدرة والنفوذ والرغبة في الوصول إلى رئاسة الحكومة, كما أنه سبق وأن جربه العراق في السابق وكان محل انتقاد الجميع, والأهم من ذلك كله إنتاجه حكومة ضعيفة وغير متماسكة,  ومع ذلك يظل الخيار الوحيد في غياب البدائل الأخرى والسهل الممتنع, مع وجود إمكانية لتلافي سلبياته لكنها تحتاج إلى إرادة وطنية قوية مدعومة بقرارات كبرى إقليمية ودولية وتوافقات داخلية مشفوعة بالتنازلات المتبادلة لصالح الوطن وبالتالي التوافق على:

– توزيع المناصب على أن تكون حكومة تكنوقراطية في الأداء.

– العمل كفريق واحد في تنفيذ المهام وتحمل المسؤوليات وهذا يتطلب من الكتل اختيار أكفئ أفرادها في تولي المسؤوليات الحكومية بعيداً عن الانتماءات الحزبية والطائفية والتأثيرات الشخصية.

– جعل المسؤولية الحكومية أمام رئيس الحكومة مباشرة وليس أمام الكتل لتجاوز حالة الشلل الحكومي.

– حصول تفاهم عربي إيراني تركي على صيغة العراق الجديد.

وتبقى الإشكالية الأهم المتعلقة باختيار رئيس الحكومة, لكنها كما يرى الدكتور وحيد عبدالمجيد ليست من الخطورة كما يصورها الإعلام, لافتاً إلى أهمية الاستفتاء الذي أجراه التيار الصدري حول مرشحه المفضل لرئاسة الحكومة, في حل هذه المعضلة, وهي لا تحتاج إلا إلى تعديل دستوري بسيط يتضمن "الفصل بين انتخاب البرلمان واختيار رئيس الحكومة" لتلافي سلبيات النظام البرلماني, بحيث يتم إخضاع منصب رئيس الحكومة للانتخاب المباشر من الشعب, وهذا من شأنه إعلاء الهوية الوطنية فوق الهويات الإثنية والطائفية, وتدعيم دور رئيس الوزراء, وتحريره نسبياً من ضغوط ومناورات الأحزاب المؤتلفة مع حزبه, وتحقيق درجة أعلى من الاستقرار والتماسك الحكومي, وقطع الطريق على التدخلات الخارجية.

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد