إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أمريكا وإسرائيل والمهمة المستحيلة

أمريكا وإسرائيل والمهمة المستحيلة

بقلم: زياد ابوشاويش

الدبلوماسية الأمريكية النشطة في المنطقة العربية وخاصة ما يتعلق بالمعضلة الفلسطينية وتواصل زيارات السيد ميتشل للمنطقة رغم الفشل المتكرر في اختراق جدي يعيد الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات ويحقق ولو خطوة للأمام في خطة خارطة الطريق، هذه الدبلوماسية توحي بجدية الإدارة الأمريكية لمعالجة هذا الملف الشائك أو تبريده قدر المستطاع من أجل هدف آخر يرتبط بعزل سورية وحلفائها، مع حشد أوسع جبهة لتطويق إيران وإنهاء المشروع النووي الإيراني كما تريد الدولة العبرية.

من الصعب فهم المبادرات الأمريكية والضغوط التي تمارسها لتحريك الملف الفلسطيني بمعزل عن هذين الهدفين خاصة بعد الاتهامات والتهديدات الإسرائيلية لسورية والتناغم الأمريكي اللافت معها.

قبل عامين سجل العديد من المراقبين توقعاتهم باحتمال قوي لوقوع حرب أمريكية إسرائيلية ضد طهران على خلفية وصول المأزق الأمريكي في العراق وأفغانستان إلى ذروته وفي ظل الضجيج العالي لقرع طبول الحرب من الدولتين، كما سجل غيرهم توقعات مخالفة لذلك على خلفية يتعلق قسم منها بذات السبب الوارد آنفاً حول المأزق في العراق وأفغانستان باعتبار فتح جبهة جديدة للحرب من جانب أمريكا مهمة عسيرة للغاية، ومن الناحية الأخرى عدم اتضاح مآلات هذه الحرب في حال نشوبها وقدرة الولايات المتحدة على ضبط الأمور في المنطقة وإمكانية إغلاق طريق النفط بشكل كامل في حال نشوب الحرب.

ومن جهة أخرى كانت المعلومات الاستخبارية تقول بأن إيران لن تصل لتصنيع قنبلة نووية قبل عدة سنوات ربما تصل إلى عشرة.

اليوم تجد أمريكا وإسرائيل نفسيهما في مأزق كبير نتيجة العجز عن وقف التغيرات الإقليمية والدولية في غير صالح الدولة العبرية حيال موقفها من عملية السلام، وكذلك التغير المستمر في ميزان القوى لصالح المقاومة بكل تجلياتها داخل الأرض المحتلة وفي دول الطوق وكذلك تعزز موقف دول الممانعة وخاصة سورية المتهمة بتزويد حزب الله بأسلحة متطورة والإخلال بالتوازن في المنطقة على حد زعم إسرائيل.

الكلمات المتبادلة بين المبعوث الأمريكي جورج ميتشل ورئيس وزراء الكيان الإسرائيلي، وكذلك الكلمات الواردة في رسالة رئيس الإدارة الأمريكية باراك أوباما بمناسبة قيام دولة إسرائيل حول الحلف الاستراتيجي بين الدولتين ورسوخه كما الحرص على أمن إسرائيل في مطلق الأحوال لا يترك مجالاً للشك في أن الولايات المتحدة الأمريكية قبلت بالمنطق الإسرائيلي فيما يخص القدس كعاصمة موحدة للكيان الصهيوني وباستمرار بناء المستوطنات فيها رغم الاعتراضات الفلسطينية ومخالفة ذلك للقرارات الدولية والشرعية الدولية، ورغم معرفة أمريكا بأن الموقف الإسرائيلي هذا قد يقضي على كل فرص السلام.

إذن لماذا لا تمارس أمريكا ضغوطها على إسرائيل وتجبرها على قبول شروط الرباعية على الأقل؟

لا يوجد سبب وجيه لذلك سوى حاجة الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل في معالجة الأمرين اللذين أشرنا لهما في البداية والمرتبطان بعزل سورية وقوى المقاومة، ومن ثم تطويق إيران وإفشال مشروعها النووي. والتفرغ لهاتين المهمتين يتطلب إنهاء الخلافات التي ظهرت بين الحليفين الاستراتيجيين إزاء الملف الفلسطيني وعقدة الاستيطان في القدس والأرض المحتلة.

وعلى ما تقدم كيف يمكن تحريك الملف الفلسطيني في ظل الرفض الفلسطيني على خلفية الاستيطان؟

إن استمرار التشبث الفلسطيني بموقفه الرافض لا يضعف مصداقية الولايات المتحدة ودورها المفترض كراعية للسلام فقط، بل كذلك يضع عراقيل جدية أمام حشد أكبر حلف عربي وغربي لتطويق إيران والضغط عليها وصولاً لشن عدوان مسلح إن لم تنجح الضغوط والعقوبات الأمريكية.

هذا التصور ينطبق بشكل ربما أخف فيما يخص عزل سورية وقوى المقاومة حيث الملف النووي الإيراني وكل الدور الإيراني في المنطقة يحظى بأولوية لدى الدوائر الغربية وإسرائيل.

المعلومات التي تتناقلها وكالات الأنباء العالمية تؤكد ما أشرنا إليه حول دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لزيارة واشنطن الشهر القادم والتي تسبقها زيارة وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك لواشنطن خلال الأيام القليلة القادمة.

زيارة عباس ستكون مناسبة لتقوم الولايات المتحدة بممارسة الضغوط عليه لإرغامه على العودة لطاولة المفاوضات مع تقديم بعض الضمانات الأمريكية لتسهيلات في الضفة والتأكيد على تمسك أمريكا برؤية الدولتين خلال عامين كإطار زمني وضعه الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

ستلجأ أمريكا للتهديد كوسيلة للضغط على الجانب الفلسطيني وفي ذات الوقت تقدم للفلسطينيين بعض المغريات المالية وتسهيلات متفق عليها مع حكومة نتنياهو على أن تؤجل قضية القدس والاستيطان لمرحلة لاحقة، وغني عن القول هنا أن تساوق السلطة الفلسطينية مع الرغبة الأمريكية في العودة للمفاوضات دون وقف الاستيطان وتهويد القدس سيعني المشاركة في تحقيق الهدفين اللذين تسعى لهما الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية.

هناك احتمال أن تنجح الضغوط في إعادة الطرف الفلسطيني لطاولة المفاوضات لكن ذلك لن يقدم لعملية السلام أي خدمة حقيقية أو إمكانية لقبول الفلسطينيين بأقل مما هو وارد في برنامج الإجماع الوطني القائل بدولة مستقلة على كامل الأرض المحتلة عام 1967 والقدس عاصمتها مع ضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين على أساس قرارات الأمم المتحدة.

إن استخدام الورقة الفلسطينية في مواجهة الأطراف الراعية للمقاومة كسورية وإيران لن تنجح لسبب بسيط وواضح وهو أن إسرائيل ليست في وارد تقديم أية تنازلات فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية وعلى الأخص القدس والانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران 67، وهذا سيجعل مهمة وهدف أمريكا وإسرائيل من وراء المناورات والألاعيب السياسية والتحركات الدبلوماسية النشطة صعبة للغاية إن لم تكن مستحيلة.

[email protected]

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد