إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

العم حسنين: بين الحكمة والقمامة

nidal alsaleh

د. نضال الصالح/ فلسطين       

لا أحد يعرف كم عمر العم حسنين ولا يمكن لأحد، حتى، أن يقدر ذلك تقديرا. تستطيع أن تقول أن عمره مئة عام أو خمسون وقد يكون ذالك أو ذاك أو غيره. يمكنك أن تجد على تضاريس وجهه خارطة مصر بكاملها، بسهولها وهضابها وجبالها، حتى الأهرام يمكنك أن تجدها مرسومة على تضاريس وجهه. إذا أردت أن تترك لمخيلتك العنان وتبحث في ثناياها عن صورة تمثل البؤس والفقر فلا تفعل، فالعم حسنين يريحك من هذا الجهد ويكفي أن تنظر إليه وتتمعن في ثنايا وخبايا وجهه حتى ترى خير صورة تجسد البؤس والفقر بكل معانيهما. ولكن البؤس والفقر الظاهرين على وجهه وجسده النحيل وملابسه الكالحة اللون والمرقعة وعمامته التي إختفى لونها والتي تخفي تحتها خصلات الشعر الباقية على رأسه، لم تستطع أن تقتل صفة الإنسانية فيه، فهو دائم الإبتسام، يحي المارة مبتسما، كاشفا عن بقايا أسنان أصبح لونها كلون رمال مصر الصحراوية.  

العم حسنين أصبح معلما من معالم شارع يوسف عفيفي في غردقة مصر. يقف على ناصية الشارع وأمامة سطل كبير من التنك موضوع على عربة ذات العجل الواحد، زودته بها بلدية الغردقة. العم حسنين يسميه أصحاب الحوانيت في ذلك الشارع، " بتاع الزبالة"، فهو يقوم بالتقاط الأوراق والعلب الفارغة وبعض الفضلات التي يتركها السواح أو اصحاب المحال التجارية ويضعها في السطل ثم يقف أمام عربته وينتظر واقفا حتى حلول الظلام، فيركب باص العمال الذي ينقله إلى بيته في أحد الأحياء الفقيرة في الغردقة القديمة أو الضهار. بيته يتكون من غرفة صغيرة من الصفيح يشاركه العيش فيها بعض زملاءه من أصحاب مهنته، لا يوجد فيه خزانة أو طاولة أو كراسي وإنما فرش على الأرض كفرش السجن.

في كل إجازة صيف أقضيها في الغردقة أذهب للبحث عن العم حسنين، فأجده واقفا في نفس المكان أمام عربته القديمة ذات السطل التنكي، كتمثال أحد خدم القادة المصريين من زمن الفراعنة. يلاقيني بإبتسامة وترحيب كأنما كان في إتظاري قائلا: " هالمرة طولت علينا الغيبة."
 بعد العشاء في الفندق كانت المضيفة الواقفة أمام باب المطعم تقدم لنا سلة من حبات الملبس كضيافة، كنت آخذ منها حبتين، أعطيها للعم حسنين حين كنت أمر عليه في موقعه المعهود، يضع حبة في فمه ويخبئ الأخرى في جيبه قائلا،" دي لصاحبي اللي ساكن معايا". كان يفرح بحبات الملبس كفرح طفل صغير، وكانت إبتسامته الفرحة تكشف عن بقايا الأسنان التي بقيت في فمه، تكاد هي الأخرى أن تسقط، وعن لثه مزرقة اللون من قلة الإعتناء ودلالة على فقر الدم. كنت أضع في يده بعض النقود فيأخذها بصمت ويضعها في جيب عبه ويشكرني ولكنه لا يظهر فرحا كفرحه بحبات الملبس  .
 لأربع سنين متتابعات، أصبحت زيارتي للعم حسنين كل مساء جزء من برنامجي اليومي طيلة إقامتي في الغردقة. في كل مرة كنت أقدم له حبتي الملبس وبعض النقود، وفي كل مرة تكون فرحته بحبات الملبس أكبر بكثير من فرحته بالنقود التي كنت أضعها في يده ولم تكن قليلة وخاصة بالنسبة لوضعه. في كل مرة كنت أتسائل، لماذا يا ترى تكون فرحته بحبات الملبس واضحة للعيان، تظهر على جميع أسارير وجهه، أما النقود فيأخذها بصمت ويهمس، كأنما خجلا، بكلمة الشكر، وكأنما قد أخذها على مضض. كنت أتسائل ولكنني لم أسأله عن السبب حتى لا يفهم عكس ما أقصد.

في مساء يوم من الأيام المعتادة في رحلتي الأخيرة للغردقة، حيث  يتكرر المشهد مع العم حسنين، فرحة عارمة بحبات الملبس وصمت عند إستقبال النقود، لم أستطع منع نفسي من سؤاله، فسألته:" أريد أن أسألك سؤالا يا عم حسنين وأرجوك أن لا تفهمني غلط. لماذا تستقبل حبات الملبس بسرور وفرح أما النقود فتستقبلها بفتور مع أني أعرف إنك في حاجة ماسة لها ؟" نظر إلي وابتسم كاشفا عن تلك الأسنان التي على وشك أن تسقط وتلحق بزميلاتها وقال:" عداك العيب يا دكتور، الملبس ضيافة، والضيافة محبة واحترام، أما الفلوس فهي حسنة، تدل على فقري وحاجتي وبؤسي. أنا محتاج ليها ولكنك لما تعطيني إياها تكشف عن عورتي، يعني فقري وحالي المعتر فيصيبني الغم ."
نظرت إليه وقلت: "الله، أنت طلعت حكيم و فيلسوف يا عم حسنين"، فرد قائلا:" لا فيلسوف ولا حاجة، دي الحياة علمتنا كده." ثم صمت لحظات وأضاف: " ما تدكدرش يا دكتور، إللى متلي متايل، دا إحنا ملايين."
تركته وانصرفت وأنا أتسائل: لو عرف الإنسان كم هو قليل ما يكفي لجلب السرور للاخرين، وتسائلت أيضا: " كم من الدرر مدفونة في بلادنا تحت أكوام القمامة، ندوس عليها ونحن لا نعلم ولا نحس بها؟! تذكرت ما قاله العم حسنين،" دول بالملايين."

     
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد