إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

للاديمقراطية الغربية

mahmood akoosh

بقلم : محمود كعوش*

"إنها الديمقراطية التي تتلوّن وفقاً لمتطلبات الظروف وضرورات السياسة الاستعمارية – الاستيطانية التوسعية الجديدة في العالم. وهي الديمقراطية التي تأخذ تارةً لغة الدفاع عن حقوق الإنسان كما هو الحال مع الصين ، وتأخذ تارة أخرى لغة مكافحة الإرهاب والدفاع عن حقوق المرأة كما هو الحال مع أفغانستان ، وتأخذ تارة ثالثة لغة مصادرة أسلحة الدمار الشامل المزعومة لتدميرها لخطرها على السلم والاستقرار والأمن في العالم كما هو الحال مع العراق ، وتأخذ تارة رابعة لغة الدعوة إلى تطوير الأنظمة وتغيير بنيتها لتنتج ثقافة التسامح بدلاً من إنتاج ثقافة أصولية تشكل تربة خصبة للإرهاب كما هو الحال مع المملكة العربية السعودية" 

حكاية العربي مع ديمقراطية الغرب المزعومة…يا لها من حكاية !!
 
 

إن الخوض في مسألة الديمقراطية الغربية المزعومة وبالأخص الأميركية على خلفية تطويعها لازدواجية المعايير عندما يتعلق الأمر بالمسلمين والعرب لا يعني في حال من الأحوال التنكر لأهمية الديمقراطية وضرورة إرساء قواعدها في العالم الإسلامي والوطن العربي . فالمسلمون والعرب كانوا ولا زالوا يناضلون من أجل ردم الهوة بينهم وبين حكامهم ، وتمهيد الأرضية الصالحة لإرساء الديمقراطية وإشاعتها في بلدانهم . لكنهم يسعون وراء ديمقراطية تتواءم مع واقع حالهم وتعاليم دياناتهم وعاداتهم وتقاليدهم لا وراء ديمقراطية مستوردة من الغرب لم تعد هي بالأصل موجودة فيه أو ديمقراطية تُفرض عليهم فرضاً وتكون وفق المقاييس الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص ، ووفق ما تفترضه الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية المشتركة . وعلى مدار حوالي تسعة أعوام تقريباً أعقبت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 ، تواترت التصريحات الشفهية والخطية وما تزال تتواتر في وسائل الإعلام الغربية المرئية والمسموعة والمكتوبة حول إصرار وعزم الولايات المتحدة الأميركية على فَرْض "ديمقراطيتها" على المسلمين بشكل عام والعرب بشكل خاص . وأستذكر في هذا المقام ما جاء في مقال لوزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول نشرته له صحيفة "نيويورك تايمز" في عددها الذي استقبلت به الفاتح من العام الميلادي 2004 ، لأن ما جاء في المقال صور ذلك الوضع بشكل واضح لا لبس فيه .
يومها قال باول : "إن جهودنا في أفغانستان ستستمر لأننا عقدنا العزم على تحويل هدف الرئيس – جورج دبليو بوش – الخاص بشرق أوسط حر وديمقراطي إلى حقيقة واقعة . سنقوم بتوسيع مبادرة الشراكة الأميركية – الشرق أوسطية لتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي في جميع أنحاء المنطقة ، كما أننا سنقف إلى جانب الشعب الإيراني وغيره من الشعوب التي تعيش في ظل أنظمة مستبدة أثناء نضالها في سبيل الحرية". وأضاف باول: "لقد شعرت إيران بضغطنا وضغط حلفائنا المتواصل عليها للكشف تماماً عن برنامج أسلحتها النووي ، وقد بدأت القيام بذلك . كما نبذت ليبيا الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل بفضل استراتيجية الرئيس بوش القوية في مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل". لكن وزير الخارجية الأميركي الأسبق لم يُشر آنذاك إلى أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية بالطبع، مثله مثل جميع السياسيين الأميركيين الآخرين كباراً وصغاراً. وكان هذا غيض من فيض ما جاء في مقال كولن باول في ذلك الوقت . لكن ما تبعها من مقالات خطها باول بقلمه حول الديمقراطية الأميركية "الموعودة" وما أعقبها من مقالات خطها قلم خليفته كونداليزا رايس ويخطها اليوم قلم هيلاري كلينتون   هو أدهى وأمر !! ومن سخرية القدر، لا بل من المضحك المبكي، أن عام 2004 قد توارى، ثم توارت أعوام أربعة بعده وبتنا في الربع الأول من عام 2010 ولم يتحقق شيء من "ديمقراطية" الولايات المتحدة "الموعودة" !!
منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 والحديث المندفع بعصبية وتوتر عن "الأصولية الإسلامية والإرهاب العربي" يتوازى مع الحديث عن "محاسن ومزايا" الديمقراطية الغربية وضرورة إرساء دعائمها في الشرق الأوسط عامة والوطن العربي خاصة ، إن لم يكن بالترغيب فبالترهيب . ويوماً بعد آخر نرى وتيرة هذا الحديث تتصاعد أكثر فأكثر . ومنذ ذلك التاريخ ، تحوّلت الديمقراطية إلى سلاح تُشهره الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص وبلدان الغرب بشكل عام في وجه أي بلدٍ إسلامي أو عربي لا ينصاع للإرادة الأميركية ـ الغربية المشتركة ، ولا يستجيب لمتطلبات الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية ومشروعها الاستعماري – الاستيطاني التوسعي في منطقة الشرق الأوسط ، بما في ذلك الوطن العربي بالطبع . والحقيقة أن هذه الديمقراطية قد تجاوزها الزمن وأصبحت أثراً بعد عين ، أكان ذلك في الولايات المتحدة الأميركية أو في معظم بلدان الغرب. وهنا لربما يجوز لي استثناء اسكندنافيا بشكل عام وفرنسا بشكل نسبي . وهذه الديمقراطية لم تعد سوى شعارٍ أو يافطة للمشروع الاستعماري – الاستيطاني التوسعي ، لإعطائه "المشروعية" وإضفاء الصبغة الواقعية عليه ، وبالأخص فيما يتعلق منه بمنطقة الشرق الأوسط ، وعلى أخص الخصوص الوطن العربي . وكما أن السياسة الأميركية خاصة والغربية عامة تكيل بمكيالين عندما يتصل الأمر بالشرق الأوسط وبالأخص الوطن العربي ، فإن الحال هو كذلك مع الديمقراطية التي أصبحت ظرفية وتتلوّن وفق الظروف والأهواء والمصالح ومتطلبات السياسة .
غُيبت الديمقراطية كليةً مع تغييب الدور الحقيقي للأمم المتحدة ومجلس أمنها بغية تمرير العدوان الأميركي – البريطاني على العراق في عام 2003 ، لا بل غُيبت قبل ذلك بكثير ولربما مع سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي في نهاية عقد الثمانينات وبداية عقد التسعينات في القرن الماضي . ولم يتبق من هذه الديمقراطية إلا الشعار واليافطة كما أسلفت الذكر لرفعهما بين الحين والآخر خدمة لمصلحة المشروع الأميركي – الإسرائيلي الاستعماري التوسعي. نعم غُيبت الديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية والعديد من بلدان الغرب وأدخلت غرفة العناية الفائقة "الإنعاش" مع تحول العالم إلى أحادية القطبية . غُيبت قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001 ، فكيف الحال مع هذه الديمقراطية بعد ذلك التاريخ ؟ فالحرب على العراق التي شُنّت في عام 1991 وبعدها حرب البوسنة والهرسك "سراييفو" وحرب يوغسلافيا ومن ثم حرب أفغانستان واحتلالها وحرب العراق واحتلاله أخيراً مثلت شواهد حية للديمقراطية الغربية قبل وبعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 . أما ما يجري من استهداف للمسلمين والعرب في الولايات المتحدة بصورة خاصة والعالم بما فيه الغرب بصورة عامة ، وهو ما اعترف وأقر به الأمين العام للمنظمة الأممية المُغيبة كوفي أنان ، لهو شاهد آخر على الديمقراطية الغربية "وفضائلها ومحاسنها وحسناتها" !! ولعلّ ما هو حاصل من صَمتٍ مُطبقٍ تجاه التقتيل والحصار والتجويع والإذلال للإنسان والفتك بالشجر والحجر في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق ما هو إلا شاهد الشواهد على هذه الديمقراطية المزيفة . ولا ننسى الديمقراطية الغربية المطبقة في معكسر غوانتانامو منذ احتلال أفغانستان عام 2002 . إنها الديمقراطية الغربية عامة والأميركية خاصة التي يريدون تصديرها إلى العالم الإسلامي والوطن العربي… لا بل هي الديمقراطية التي يريدون فرضها عليهما قصراً بالعصا بدون جزرة وبالترهيب بلا ترغيب . ولا شك أن "الديمقراطية" الإسرائيلية المولودة أصلاً من ضلع الديمقراطية الغربية ، لا تقل عنها “سذاجة وسخافة” من حيث “الفضائل والمحاسن والحسنات” !
قبل تسعة عشر عاماً قُدِرَ لصديقٍ عزيز جداً أن يتذوق "كرابيج" الديمقراطية الغربية لثمان وأربعين ساعة كاملة ، ولا يزال طعمها تحت أسنانه ، لا بل ما زال يدفع ثمن تلك الكرابيج حتى يومنا هذا . وهي إذا ما قيست بـ"كرابيج" الديمقراطية الغربية التي تذوقها مسلمون وعرب آخرون لا تُحصى أعدادهم منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 حتى اليوم ، فلا تشكل "إبرة في كومة من قش" حسب تعبير لوزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد استعمله مراراً وتكراراً قبل أن تتمكن قوات الاحتلال الأميركية من أسر الرئيس الشهيد صدام حسين في ديسمبر/ كانون الأول 2003 . نعم ، تذوقها صديقي قبل ذلك بكثير … تذوّقها قبل تسعة عشر عاماً كما أسلفت الذكر . وكان ذلك في واحدة من أكبر "ديمقراطيات" الغرب ، لا بل في أُم الديمقراطيات الغربية كما يحلو للغربيين عامة والإغريق خاصة أن يطلقوا عليها . كانت ديمقراطية أبعد ما تكون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواثيق والاتفاقيات والمعاهدات الخاصة بها وفي مقدمها اتفاقية جنيف "حسنة الصيت والسمعة !!" … تلك الاتفاقية التي لربّما تُطبق على الجميع ما عدا العرب .
كان ذلك في يناير/ كانون الثاني 1991 ، وتحديداً في الثامن عشر منه بعد ساعات قليلة من قيام جيش الرئيس الشهيد صدام حسين بتوجيه صواريخه إلى تل أبيب رداً على بدء العدوان الثلاثيني بقيادة الولايات المتحدة الأميركية على العراق ، ذلك العدوان الذي حلا لواشنطن أن تُطلق عليه تسمية "عاصفة الصحراء" والذي وقع بذريعة "احتلال الكويت وضرورة تحريرها" على حد زعم الولايات المتحدة وشركائها في العدوان . في ذلك الوقت كان صديقي واحداً ممن راعهم ما حدث لألف اعتبار واعتبار ، أبرزها خوفه على العراق في الإطار القطري والوطن العربي في الإطار القومي الأوسع والاشمل . لقد كانت الكويت هي الذريعة والمبرر ، ولو لم تكن لأوجدت الولايات المتحدة وحلفاؤها ألف ذريعة وذريعة وألف مبرر ومبرر !! كان صديقي في حينه يكتب لإحدى الصحف العربية الكبرى ، وكانت الصحيفة من أبرز الصحف المعارضة للاحتلال وصدام حسين مع أنها أطلقت على الأخير لقب "فارس العرب" إبان حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران .
خمسة أشهر وبضعة أيام كانت قد مرّت على ضم الكويت للعراق باعتبار أنها الفرع الذي عاد للأصل ، قضاها صديقي في تدوين أرقام لوحات سيارات جهاز المخابرات في ذلك البلد الغربي "الديمقراطي" التي كانت تتابعه أربعاً وعشرين ساعة في الأربع وعشرين ساعة ، ومحاولة التملّص من رجال الاستخبارات الدوليين الذين ظهروا علي سطح الأحداث فجأة ومن دون إنذار مبكر ونشطوا تحت أسماء ومسمياتٍ مختلفة ومزيفة . فمنهم من كان يقدم نفسه ككاتب أو باحث يسعى وراء دراسة تختص بمنطقة الشرق الأوسط أو الوطن العربي ، وآخر كان يقدم نفسه على أنه صحافي جديد يسعى وراء المساعدة ، وثالث كان يدعي أنه رجل أعمال وافد يسعى وراء الإعلان لأعماله ومشاريعه في الصحيفة التي كان صديقي يعمل بها. رجال مخابرات البلد الغربي "الديمقراطي" كانوا يطاردون صديقي متجنبين الاحتكاك المباشر به . كان جل اهتمامهم أن يضعوه تحت ضغط نفسي ثقيل ومكثف فقط . هكذا كانت الأوامر والتعليمات إليهم . والوافدون الجدد من رجال الاستخبارات الدوليين ذو المهن المتعددة والمزيفة كانوا يبالغون ويفرطون في دعواتهم لصديقي ، ربما ليظل تحت عيونهم وأبصارهم . في حينه تأكد لصديقي أنه مقبل على ما لا تُحمد عقباه "ولربما على أيام سوداء وأسود من كحل العين" ، إذا ما "وقعت الواقعة" وشنت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الحرب على العراق ، لا لأنه كان متعاطفاً مع العراق ومؤيداً له ، ولا لأن البلد الغربي "الديمقراطي" كان يملك من المبررات ما يعطيه حق اعتقاله أو ترحيله ، إنما لأن إحدى السفارات العربية التي كانت ممثلة في غرفة العمليات الأمنية التي تشكلت في عاصمة ذلك البلد على غرار مثيلاتها في العواصم الغربية الأخرى بذريعة مواجهة "الأخطار المحدقة" كانت قد خاطبت وزارة الأمن في تلك العاصمة بشكل رسمي وطلبت منها ملاحقة ومتابعة صديقي، وإذا اقتضى الحال ترحيله على أول طائرة "بغض النظر عن الجهة التي يرّحل إليها" . المخاطبة تمت عبِرَ كتاب دبلوماسي . لكن صديقي وإن أخذ الأمر على محمل الجد وتهيأ لتبعاته سلفاً ، إلا أنه ظل كغيره يراهن حتى اللحظة الأخيرة على حكمة القيادة العراقية واحتمال انسحاب الجيش العراقي من الكويت طوعاً وسحب الذرائع من أيدي الولايات المتحدة الأميركية وجميع البلدان الغربية المتربصة شراً بالعراق خاصةً وبالأمة العربية عامة … وهنا لا أستثنى تربص إسرائيل بالطبع . لكن حتى ذلك لم يفد ، لأن الولايات المتحدة ومن حالفها من البلدان كانوا قد اتخذوا قرار العدوان من قبل .
البلد الغربي في بيت القصيد هنا كانت اليونان ، وقد سبق أن ألمحت إليهاً في سياق الإشارة إلى الإغريق وأم الديمقراطيات الغربية . نعم كانت اليونان حيث كان صديقي يقيم مع عائلته في عاصمتها ، وكان يعمل في الحقل الإعلامي كما ذكرت سابقاً . وكانت الصحيفة العربية التي سبق لي أن أشرت إليها من بين وسائل الإعلام التي كان يراسلها ، وهي كانت وما زالت تتخذ من عاصمة الضباب وصاحبة الجلالة مقراً لها . كان صديقي في حينه يعتبر اليونان واحدة من بلدان العالم الثالث عشر لما للديمقراطية فيها من "قدسية !!" ندر مثيلها في بلدان ديمقراطية حقيقية مثل البلدان الاسكندنافية !! وقد عبّر عن ذلك في عديد مقالاته. كانت الحكومة اليونانية منزعجة من صديقي لأنه لطالما عَبّرَ عن اهتمامٍ إعلامي خاص بشؤون المسلمين في منطقة "تراقيا" شمال اليونان بمحاذاة الحدود مع تركيا . وعبّر عن ذلك في مقالاته أيضاَ ، كما وأقام علاقات وصلات طيبة مع تلك الأقلية اليونانية ومع ممثليها في البرلمان  وكانوا لا حول لهم ولا قوة لأن الإعلام المحلي والدولي اعتاد على تجاهلهم وتجاهل أقليتهم ، وكذلك الدبلوماسيون المسلمون والعرب. وكان رأس الدبلوماسية في السفارة العربية المقصودة منزعجاً من صديقي أيضاً مثله مثل الحكومة اليونانية ، لكن لسبب أو أسباب أخرى أقلها أنه كان يبدي حضوراً ديناميكيا في الندوات السياسية العامة والخاصة التي اعتاد حضورها كبار السياسيين اليونانيين بمن فيهم رئيس الحكومة لم يكن يتوفر لرأس الدبلوماسية المقصود وأقرانه من الدبلوماسيين وبالأخص العرب منهم . فقد امتاز صديقي بجرأة وطنية وقومية كانوا يفتقدونها ، وكانت تخوله مماحكة أولئك السياسيين ورؤساء حكوماتهم ومحاورتهم بحدة وحتى انتقادهم شفهياً وفي مقالاته لأن اليونان في ذلك الوقت كانت قد شرعت في مغازلة إسرائيل وبدأت تتخلى تدريجياً عن موقعها ودورها كجسر للعلاقات الطيبة بين الغرب والعرب . في حينه كان اليمين اليوناني "حزب الديمقراطية الجديدة" بزعامة قسطنطين ميتسوتاكيس قد وصل إلى السلطة بعد هزيمة انتخابية أنزلها باليسار الاشتراكي "حزب الباسوك" وزعيمه التاريخي أندرياس باباندريو ، وانحرف بالسياسة اليونانية الخارجية "180 درجة" معاكسة للنهج الباسوكي الداعم للعرب والقضية الفلسطينية . وفي حينه اعترف اليمين اليوناني بإسرائيل لأول مرة منذ عام 1948. وكانت الحكومة اليونانية منزعجة من مواقف صديقي بهذا الخصوص أيضاً . الحكومة اليونانية لم تستطيع ترحيله وإن تمكنت من ملاحقته ومتابعته. لم تستطع ترحيله لأن حصانته الصحفية كانت تمنعها من ذلك ، ورأس الدبلوماسية لم يستطع هو الآخر أن يُحقق مطلبه لأن صديقي كان يتمتّع بحصانة لا تقل قوة عن حصانته.
تجدر الإشارة إلى أنه وعلى ضوء احتلال الكويت وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين اليونان وإسرائيل انعقد في أثينا مؤتمر دولي سري تحت عنوان "مواجهة الأصولية القادمة من الشمال" ، رعته وكالة الاستخبارات الأميركية "السي آي إيه" وأشرف عليه رئيس مجلس إدارة إحدى محطات التلفزة اليونانية. ورأس المؤتمر وسيط السلام الأميركي اللبناني الأصل الراحل فيليب حبيب . صديقي كان الصحافي الشرق أوسطي الوحيد المشارك في ذلك المؤتمر بحكم علاقاته مع أحد كبار العاملين في محطة التلفزة المذكورة ، وكان الشاهد العربي الوحيد على مشاركة عدد من السياسيين الدوليين والعرب والإسرائيليين السابقين في ذلك المؤتمر . وكان رأس الدبلوماسية في السفارة العربية المقصودة نجماً من نجوم ذلك المؤتمر. وقد تصدر الطاولة الرئيسية أثناء العشاء الختامي للمؤتمر إلى جانب فيليب حبيب والسفير الأميركي في أثينا والوفد الإسرائيلي المشارك في المؤتمر . وكان صديقي أيضاً شاهداً على جلسته "الشاعرية" التي لم يحسده عليها أحد من الدبلوماسيين العرب والمسلمين الذين لبّوا دعوة العشاء ، وهو ما زاد في انزعاج سعادته من صديقي أكثر فأكثر. ذلك المؤتمر مثّل بالطبع وجهاً من وجوه "الديمقراطية الغربية" لأنه شكل حلقة من حلقات التآمر على المسلمين والعرب في العالم وبالأخص في بلدان الغرب !!
مع اتخاذ الرئيس الأميركي في حينه جورج بوش الأب قرار العدوان على العراق وتحديد ساعة الصفر ، أعلنت حالة الطوارئ القصوى في الولايات المتحدة الأميركية وبلدان الغرب عامة، بما في ذلك اليونان طبعاً . ومع اتخاذ القرار وتحديد ساعة الصفر ، سقطت الديمقراطية الغربية ، بل غُيبت ، وسقطت وغُيبت معها جميع حقوق الإنسان وبالذات الإنسان العربي ، واتفاقيات هذه الحقوق بما فيها اتفاقية جنيف . ولم يعد هناك من قيمةٍ تُذكر لجميع الحصانات ، الصحفية منها والدبلوماسية . نعم سقطت الحصانات جميعها. وكما كان مفترضاً أن يدفع العراق ورئيسه ونظامه ثمن التمرّد على الإرادة الغربية عامة والأميركية خاصة وكذلك الإرادة الإسرائيلية ، أصبح من واجب كل بلد أن يصفي حساباته مع خصومه السياسيين الذين تجرأوا على توجيه الانتقاد والنقد له ولسياسته ، وكانت "الديمقراطية" الغربية بالطبع هي الشعار واليافطة . والتقط ممثلو البلدان في غرفة العمليات الأمنية في أثينا كغيرهم في الغرف المماثلة في العواصم الغربية الأخرى الفرصة للانتقام من خصومهم كذلك . ومع قرار العدوان وتحديد ساعة الصفر أُطلق العنان لـ"الديمقراطية" الغربية لتصول وتجول . كانت الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وإسرائيل وبلدان عربية إضافة إلى البلد المُضيف ممثلين في غرفة العمليات الأمنية "سيئة الصيت والسمعة" تلك . ومع القرار وساعة الصفر انتشر رجال مخابرات تلك البلدان على عجلٍ سعياً وراء "خصومهم" من الشبان العرب لاصطيادهم والحصول على أوسمة رفيعة من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وترقيات من بلدانهم . وكل ذلك جرى في ظل "الديمقراطية" الغربية التي لطالما تغنت بها بلدان الغرب وسعى الرئيس جورج بوش الأب وراء تطبيقها بل فرضها على الوطن العربي ، كما سعى إبنه من بعده وكما يسعى الرئيس باراك اوباما الآن . فأيام جورج بوش الأب كان العالم ثنائي القطبية أما في ظل الإبن وأوباما فالقطبية واحدة ومحصورة بالولايات المتحدة .
مع فجر 17 يناير/ كانون الثاني 1991 بدأ العدوان وألقت الطائرات الأميركية والغربية حِممها وجميع أنواع قنابلها فوق العراق وفوق المنطقة الحدودية مع الكويت ، كما وجهت البوارج جميع أنواع صواريخها باتجاه العراق والمنطقة الحدودية أيضاً ، وتحوّلت منطقة الخليج إلى جحيم حقيقي أتى على الأخضر واليابس والبشر والشجر والحجر. القنابل والصواريخ الأمريكية والغربية أتت على كل ما كان يتحرك في العراق وعلى حدوده من الأهداف البشرية والآلية ، بكل ما امتلك واختزن أصحابها من حقد على العراق والوطن العربي . أصبح العراق والمنطقة الحدودية مقبرة مفتوحة للجثث المحترقة ، كما أن الآليات العسكرية والمدنية تحولت إلى ركام من المعادن المُحطمة والمحترقة . ومع بدء العدوان في فجر ذلك اليوم ، استُنفرت غرفة العمليات الأمنية في أثينا كما استُنفرت جميع غرف العمليات الأمنية في بلدان الغرب "الديمقراطية"… استنفرت بشراسة ما بعدها شراسة . ومع قصف تل أبيب بالصواريخ العراقية مع صبيحة اليوم التالي ، رفعت غرفة العمليات في أثينا مثلها مثل غرف العمليات في العواصم الغربية الأخرى من درجة استنفارها إلى الحد الأقصى ، وشرع رجال المخابرات في استدعاء… بل القبض على كل من أشَّرَ إليه أركان تلك الغرفة ، وبالأخص العرب . كان صديقي يتناول الغداء مع واحدٍ من رجال استخبارات البلد العربي المُمثل في غرفة العمليات كان قد قَدَم نفسه له كرجل أعمال قادم من الولايات المتحدة الأميركية ويريد الإعلان عن مشاريعه في الصحيفة العربية "المذكورة" التي كان صديقي يراسلها . كان صديقي يتناول الغداء مع "رجل الأعمال" الاستخباراتي بناءً لدعوة مبكرة وعاجلة على ما بدا حتى يكون تحت عين الغرفة الأمنية وفي متناول أيدي الممثلين فيها. اتصل أبناء صديقي به على عجل وأبلغوه بضرورة الحضور إلى البيت لأمر عاجل وتعليمات من رجال المخابرات. اعتذر من مُضيفه الاستخباراتي ليستقبله رجال المخابرات على الباب ويطلبوا منه مرافقتهم مصحوباً بإقامته وجواز سفره بذريعة أن وزير الأمن ينتظره في الوزارة لأمرٍ هام . كانت الوزارة تعُجُ بالعرب، وبالأخص الفلسطينيين، ممن أوقفتهم أجهزة الأمن والطوارئ . قيلَ لصديقي أنه مهدد بالاغتيال وأن الوزارة مضطرة لحمايته والحفاظ على سلامته . استضافوه في غرفة صغيرة مزودة بهاتف لإجراء اتصالاته الهاتفية ومفتوحة على بهو يمتلئ بالموقوفين العرب وبالأخص الفلسطينيين ممن كانوا يقيمون في اليونان بحكم أعمالهم ودراساتهم الجامعية . أجواء ملتهبة من "الديمقراطية" المتناهية كانت تُخيم على وزارة الأمن في ذلك اليوم الذي أعلن فيه رئيس الوزراء اليوناني في حينه قسطنطين ميتسوتاكيس أنه "سيكنّس أثينا من العرب وينظفها منهم بشكل نهائي"… وهذا تعبير غربي "ديمقراطي" أيضاً !! ومع هزيع الساعات الأخيرة من الليل ساقوا صديقي إلى زنزانة مليئة بالموقوفين العرب معظمهم من الفلسطينيين ، فأيقن عندها أنه سيكون ضيفاً ثقيلاً على ديمقراطية اليونان وأن الآتي سيكون أعظم وأخطر . في حينه كانت وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية تبث خبر اعتقال صديقي وقرار الحكومة القاضي بترحيله ، وفق ما علم فيما بعد . ظهر اليوم التالي وبدل أن يتمَ الإفراج عنه حسبما قيل له ، اقتادوه إلى سيارة تحمل لوحة من اللوحات التي كان قد دونها إبانَ فترة متابعته بعد احتلال الكويت توجهت به إلى المطار مصحوبة بآلية مصفحة تابعة للأمن اليوناني . أدخلوه مُدرج المطار عِبرَ بوابة جانبية لتحاشي الحشد الإعلامي الذي كان ينتظره في بهو المطار . أدخلوه المدرج باتجاه طائرة كانت وجهتها ليبيا التي لم يسبق له أن زارها برغم عديد الدعوات التي كانت توجه إليه أثناء احتفالات الفاتح من سبتمبر/أيلول والتي لم يُلبِ واحدة منها . حاول التمنع وطلب تسفيرهُ إلى لبنان أو الأردن أو يوغوسلافيا ، فكان الرفض وتخييره بين الطائرة المتوجهة إلى ليبيا أو طائرة "العال" الإسرائيلية التي كانت متوقفة على مسافة ليست ببعيدة . كانوا يعنون ما قالوه له … لم يكن ذلك من باب التهديد والتخويف . في النهاية دفعوا به دفعا بكل ما تحمله الديمقراطية الغربية من وحشية داخل الطائرة . نعم كان ذلك الدفع من "آليات الديمقراطية" الغربية !! لم يُسمح لصديقي أن يودع عائلته أو أن يمرّ على بيته للتزود ببعض الملابس والنقود وكتابة توكيل لزوجته للتصرف في ضرورات المنزل والعائلة "النقدية" . دخل الطائرة بالملابس التي كان يرتديها وفي جيبه بضعة آلاف من الدراخمات "العملة اليونانية التي سبقت التحول لليورو" والتي لم يكن لها قيمة خارج اليونان لتعذر استبدالها بعملات أخرى . هي "الديمقراطية" الغربية بعينها التي يريدون تصديرها للوطن العربي أو فرضها بقوة الترهيب … "ديمقراطية إذلال الكرامة والإرادة والروح عند الإنسان العربي" … نصف ساعة أو أكثر قضاها صديقي في الطائرة وحيداً قبل أن يتدافع الدبلوماسيون العراقيون وعائلاتهم إلى داخلها مرحلين أيضاً ، تنفيذاً لقرار دولي شمل جميع البعثات الدبلوماسية العراقية في العالم قضى بتخفيضها إلى الحد الأدنى . وهال صديقي أن يعرف منهم أن اسمه كان مدرجاً أيضاً على القائمة الدبلوماسية التي سلمها وزير الخارجية اليوناني للسفير العراقي … قائمة الدبلوماسيين غير المرغوب ببقائهم فوق الأراضي اليونانية ، علماً أن صديقي لم يكن في يوم من الأيام دبلوماسياً.. لا عراقياً ولا فلسطينيا ً. لكنها الديمقراطية اليونانية التي تمثّل وجهاً من وجوه الديمقراطية الغربية التي تعمل على وضع العربي في القالب الذي تريد وتهوى.. المهم أن يتشكل ذلك ويتواءم مع آليات ومتطلبات تلك الديمقراطية البائسة . وصل صديقي إلى لبيبا مع انفراط عقد مظاهرة المليون التي تصدرها في 19 يناير/ كانون الثاني 1991 في طرابلس العقيد معمر القذافي تأييداً للعراق ورفضاً للحرب ضده . وصل وأحسنت وفادته وضيافته . أيام قلائل بعدها انتقل إلى تونس للالتحاق بأبناء جلدته الذين كانوا ما يزالون في تونس كواحدة من المنافي الفلسطينية . هناك عرف أن مئات بل آلاف العرب جُلهم من الفلسطينيين ممن حملوا الفكر القومي العربي قد سبقوه مُرحلين إليها من اليونان وبلدان غربية "ديمقراطية" أخرى كثيرة ، لا لسببٍ إلا لأن الفكر القومي العربي يتعارض بل ويتصادم مع متطلبات الديمقراطية الغربية ذات "المحاسن والمزايا المتعددة" التي يريدون تصديرها للوطن العربي ، بل فرضها عليه بمنطق القوة .
حكاية صديقي مع "الديمقراطية" الغربية التي ما تزال تؤرق جفونه وتقض مضاجعه وتُنغص أحلامه حتى أحلام اليقظة منها ، والتي ما يزال طعمها تحت أضراسه حتى اليوم ، هي حكاية عشرات ألوف بل مئات ألوف العرب عامة والفلسطينيين خاصة قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001 . أما حكايات بل مآسي عشرات ألوف بل مئات ألوف العرب عامة والفلسطينيين خاصة بعد ذلك التاريخ مع تلك الديمقراطية ، فهي أدهى وأمر وأكثر إيلاماً . وإذا كانت الكرامة والإرادة والروح العربية قد تعرضت للإذلال والمهانة قبل ذلك التاريخ ، فهي معرضة الآن للقتل والفتك والسحل والإبادة . هذا إذا قُدّر لإسرائيل أن تحافظ على استئثارها أو تستأثر أكثر فأكثر بملف السياسة الغربية وبالأخص الأميركية في الوطن العربي . وكذا الحال مع الديمقراطية الغربية وبالأخص الأميركية ، وهي بيت قصيدنا الآن . فهذه الديمقراطية التي كانت مضرب مثل في العقود الأخيرة من القرن الماضي ومغناطيساً يجذب الناس وبالأخص في العالم الثالث إليها ، فقدت بريقها مع بداية العقد الأخير من ذلك القرن وأصبحت بلا جاذبية تُذكر. فهي بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 تحوّلت إلى "حرباء" تتلوّن وفقاً لمتطلبات الظروف وضرورات السياسة الاستعمارية – الاستيطانية التوسعية الجديدة. إنها الديمقراطية التي "تأخذ تارةً لغة الدفاع عن حقوق الإنسان كما هو الحال مع الصين ، وتأخذ تارة أخرى لغة مكافحة الإرهاب والدفاع عن حقوق المرأة كما هو الحال مع أفغانستان ، وتأخذ تارة ثالثة لغة مصادرة أسلحة الدمار الشامل المزعومة لتدميرها لخطرها على السلم والاستقرار والأمن في العالم كما هو الحال مع العراق ، وتأخذ تارة رابعة لغة الدعوة إلى تطوير الأنظمة وتغيير بنيتها لتنتج ثقافة التسامح بدلاً من إنتاج ثقافة أصولية تشكل تربة خصبة للإرهاب كما هو الحال مع المملكة العربية السعودية" كما يزعم الغرب وفي مقدمه الولايات المتحدة طبعاً . وقبل هذه مجتمعة "لا ننسى وجه هذه الديمقراطية" المكشر عن أنيابه باستمرار في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي لبنان والسودان وأقطار عربية أخرى عديدة . ترى إلى متى سيستمر العرب على ما هم عليه من استسلام وإذلال مُهينين أمام هجمة اللاديمقراطية الغربية وبالأخص اللاديمقراطية الأميركية ؟

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم بالدانمارك
كوبنهاجن 2010

 
[email protected]
[email protected]
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد