إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

حيرةُ عينين

omar hamash(2)

عمر حمّش

 

قصة قصيرة

رأت الكوخَ بهيمةً، وهو يغطسُ في ليلِ السواد، طيلة ليلةٍ دوّخها فيها الشخير، وفراشاتٌ سوداءُ ظلَّت ترّفُ لعينيها، وتشهقُ لها يائسة.

 

ولمّا الفجرُ تنفس؛ ارتفعتْ، ثمّ استقامت على ساقين مثل بوصتين، فثقل الرأسُ؛ وانطلق طاحونةً تجرشُ نارا.

 

عيونُ الصغار تفتحتْ، فخالتِ الرضيعةَ من لفافتها قد قفزت، فضربتْ بلا وعيٍ ثدييها، ولقد قال عقلها: جفَّ الكيسان.

 

وانحدر الدمعُ الساخنُ، وجلدُ الخدينِ الناشفُ اشتعل.

 

وعوت طائرةٌ في السماء، فأصغت؛ حتى صار العواءُ أنينا، ثمَّ انتحر، لكنَّها اهتزت فجأةً في زمجرةٍ، وفوقها الصفيحُ اهتاج، والأرضُ مادت، وبدايات النور المتسللة بكتْ!

 

وقفتْ في عتم الليلِ مثل شبح، حتى رأتْ فمَ الصغيرةِ قد عاد خاتما انغلق، فشرعت ترتدي ثوبَها، وحلقُ زوجها كان لم يزل يصفرُ معربدا، ورأتْ سطحَ الصفيحِ يفتلُ موجاتِ الشخير، ويلقي بها على الحيطان، فتلتفُّ؛ لتسقطَ  حشرجةً عائدة، ثمَّ تتقطعُ على حفرةِ الفمِ المزمجرة!

 

بالأمس كان كهلُها قد رنا، وقد قال: إيه ..شاخ الجمل!

 

وأسقط دمعتين على جلدٍ مثل ورقٍ انقبض!

 

ثم مدّها طويلةً ثانيةً: إيه ..

 

وانكفأ.

 

في فجرِ الكوخِ ألقت على النائمين آخر نظرةٍ، ثمَّ ولَّتْ تحملُ سلتها هاربة!

 

 

 

****

 

في الخارج كان الضبابُ يقفُ مثل ألواحِ حديد، وبصرُها كان يحملُ صوَرَ الصغار العالقة، وفي الشارِعِ رأتِ الشخيرَ يتنقلُ على ساقينِ، وخيوط الشمسِ تجاهدُ باهتةً، ومضتْ تدقُّ التراب، وتدفعُ بصدرها ألواح الغبار، إلى أن عبرتْ السوقَ القريب، فمشتْ بين بضائعه المصففة، وتوغلت بين الباعةِ في دربٍ طويل، وتفرستْ، فحمّلتْ بعينيها ما اشتهتْ، تخيرتْ للرضيعةِ حليبا، ثمّ ثيابا للصغار، ومن بسطة ألعابٍ غرفتْ عرائس ودببا، ولفّت كهلها – البعيدَ – بعباءةٍ؛ ورأته يقعدُ فيها؛ ويحدقُ من على عتبةِ الكوخِ، فانتشت في ثوبِها العتيق؛ وهي تمرُّ بالفساتينِ المعلقة!

 

ظلّت تمني النفس، حتى عربدت السماءُ من جديد، وشهق النهارُ؛ وقد شقَّه البرقُ، ثمَّ الرعدُ انفجر، فرماها في عفرِ الرماد على سلتها الفارغة، ثمَّ قامت تجري إلى الكوخ، إلى أن فوجئت بجمهرةٍ تصدُّها على باب الزقاقِ، فتعلقت بأكتافهم؛ وأخذت تصوِّبُ عينيها مترنحة؛ كانت حجارةُ  الكوخِ قد تناثرت، وكان عليها رجالٌ يتلقطون اللّحم، ويحومون بأكياس؛ فلم يسعفها الصراخُ؛ وهوت فوق سلّتها؛ وقد رأت عيني الرضيعةِ من على حجرٍ تقفزان؛ وترشقُانها بنظرةٍ حائرة!

 

 

 

                        

[email protected]

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد