إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

محمد حسيب ستبقى ذكراك ما أقام عسيب

      mosa abu karsh                   

موسى أبو كرش

على غفلة منّا رحل شاعر الثورة ومنشدها وزجالها وحاديها ..رحل الشاعر الكبير محمد حسيب القاضي ــكما عاش ــ دون أن يشعر به أحد، أو أن يثقل على أحد..مات الشاعر محمد حسيب دون سفارة ترعاه، أو سفير يطيّب ثراه،أو حتى مجرد بيان يترحم على ذكراه،ولولا مكالمة هاتفية عابرة ليل الجمعة ،من نجله حسام  مع علي أبو خطاب، لما علم بموته أحد ، ولا دري بموته إنسان، مات أبو حسام بجلطة دماغية في القاهرة، لم تمهله طويلا ،بعد جلطة قلبية غزّية دفعتة لمغادرة غزة للقاهرة ،يجتر مرارة الحسرة والحرمان والجحود، غير آسف و لا نادم ،بعد أن عاش على الهامش، وفي الهامش ــ كما يعيش أيّ إنسان ـوهو من ملأ الدنيا شدّوا ونشيدا للثورة وبطولاتها ورجالها وشهدائها في كافة محطاتها ومعاركها… مات محمد حسيب، ولم تمت كلماته التي شبّ وشاب على وقعها
رجالات فلسطين وشبانها وشبابها :
يا شعبنا هز البارود يا شعبنا   سمّع الدنيّا هذا صوت رصاصنا
قسما ما نرمي سلاحنا من يدنا  إلا بعد ما نحررك يا أرضنا
الشعب سار شق الطريق بقوته   ولقوة في العالم بتوقف ثورته
الحل ما حدا علينا بفرضه وأي حل عن غير طريقنا بنرفضه

ومن منا لا يتذكر كلماته:
 ثوري ثوري يا جماهير الأرض المحتلة 
ثورتنا انطلقت قيدي من دمك الشعلة

وقوله : حنا ثوارك يا بلادي   واليد على الزناد 
واللّي يمسك ثورتنا           بنادقنا بالمرصاد
ألم يشعلنا ويطربنا قوله : هذا هو رد ثورتنا هذا هو الرد / بقنبلة تتفجر /وعصابة وخنجر/ وعبوة تنسف / ورصاصة تدوي/ والثورة طريقنا لكل الارض /هذا هو الرد

كان محمد حسيب يمتح من الشمس إشراقتها ومن البراكين نيرانها ، ومن الفضاء الطلق حريتنا، ويوقد شعلة الثورة في دمائنا بكلماته، التي لا تقل في قوتها وعصفها عن نيران بنادقنا ]يغني للثورة ويشعل همم الرجال ،أليس هو من قال :
 حين يصيح لبروجي ما فيه عوقي
كلأشنكوفي يسابقني طير من شوقي
والشوق يا يمه رصاص داوي
وايدين تشدّ من ليلي خيط شروقي
حين يصيح لبروجي    وتحين النزلة يا يمه
نتسابق انا ورفيقي   ونهيض وسلاحنا يا يمه
لو ميت دبابة قدامي     لو ميت طيارة من فوقي
اجعل درع من صدري      وأحمي رفيقي
والحق أن هذا الزجل الذي ألهب به أبو حسام أجيالا بكاملها، ودفعها للانضواء تحت لواء الثورة،وحمل رايتها، والسير في طريقها، قد دفع ثمنه شاعرنا من شاعريته المتقدة غاليا، إضافة إلى الجحود والتهميش الذي قوبل به  في حياته ، وعند مماته أيضا .
رغم أنه شاعر لا يقل شاعرية عن شعراء فلسطين الكبار أنفسهم
ترك لنا أبو حسام تسعة أعمال شعرية نذكر منها: السدى قطرة قطرة ، قمر العواء ، ثم رمادك في رقصة، إنه الصراخ  وأنا فيه ، أقبية الليل ، الرماد الصياح، مريم تأتي، وكلها دواوين تطفح شاعرية  ونضجا، إذ كتب محمد حسيب قصيدة التفعيلة، كما كتب قصيدة النثر، وكتب على الأبحر النثرية أيضا ما يجعله يعد واحدا من أهم شعراء قصيدة النثر في فلسطين،وفي المسرح ترك لنا أربعاء أيوب، وشمهورش والأخضر بن كنعان، بالإضافة إلى أغانيه وأهازيجه الثورية، التي جمعها في كتاب نشيد للبندقية و الرجل ، إضافة إلى العديد من المقالات التي جمعها ونقحها تحت عنوان : السباحة في حوض من الحبر الساخن علاوة على سيرة عطرة من العمل في الإعلام المقروء والمسموع ، فقد عمل شاعرنا الراحل في جريدة صوت فلسطين التي كانت تصدر في غزة ، كما عمل في في إذاعة صوت فلسطين التى كانت تبث من القاهرة ،وفي معظم إذاعات الثورة الفلسطينية .
لقد عرفت أبو حسام مؤخرا وكان يتردد علينا في مكتب جريدة الحياة الجديدة بغزة، و كنت أزوره تباعا في بيته مع صديقي الشاعر أكرم أبو سمرة، وكان ما يؤلمني أن هذه القامة الشعرية الفلسطينية العالية، لم تجد من يرد لها جميلها ويكرمّها كما ينبغي لها التكريم ،حتى من الجهاز الذي عمل فيه في أواخر حياته، وهو جهاز التوجيه الوطني والسياسي، الذي لم يجد ما يكرمه به سوى إعادة طباعة كتابه :" نشيد للبندقية والرجل " ويا له من تكريم!!!
كان ــ يرحمه الله ــ يجد العزاء في كلماتنا ، والمرارة في المشهد ،  في السكن المتواضع الذي أمضى  معظم حياته بين جدرانه في شارع الجلاء بغزة، والسيارات الفارهة التي يقودها من هم أقل منه شأنا  ، والمكاتب الفاخرة التي احتلها من هم أقل منه أثرا، فيقول بمرارة تقطر سخرية وألما : لو كتبت بضعة كلمات لراقصة أو مغنية من الدرجة العاشر ة، لكنت في حال أفضل كثير ا من الحال الذي أنا فيه!!! ومع كل هذه المرارة والحسرة لم يغب أبو حسام عن المشهد الشعري الغزي ، فكان دائم الحضور لكل ندوة أو أمسية يدعى إليها، وكان أبا حنونا للشعراء الشبان ،يحرص على متابعتهم، وقراءة نصوصهم،وتوجيههم وتصويب أخطائهم،في ووقت كان فيه شعراء آخرون يعيشون في شققهم متعالين أو معزولين.
آن الأوان لأن نلتفت إلي شاعرنا الكبير محمد حسيب القاضي ،وأن نعترف بفضلة وقيمته وجميلة،و ونكرّمه، بعد موته، كقامة سامقة من قاماتنا العالية في عالم الأدب، وكشاعر كبير يستحق منّا الشكر والتقدير و زد الجميل.والعرفان  بعد رحلة طويلة من التهميش ونكران الجميل .وآن الأوان لوزارة الثقافة أن تجمع كل تراثه وتعيد إصداره من جديد في طبعة كاملة فاخرة تليق بمقامه كشاعر للثورة والقضية والبندقية وكمرآة لفلسطين في فترة من أبهى نضالاتها الثورية والوطنية والإنسانية .
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد