إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

مؤشرات التحول في الانتخابات البريطانية الأمريكية

saeed mousa

بقلم سعيد موسى

((مابين السطور))

بعد ان عكست الانتخابات الأمريكية حجم ونوعية منعطف تحول المزاج السياسي للناخب الأمريكي ، والتوجه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ثم الانحسار في موقع الوسط، والذي جاء للبيت الأبيض بالرجل الأسود مما شكل نقلة نوعية لكسر تقليدية منح الثقة لأفضل السيئ من الزعماء البيض ومن أصول غربية على مادونهم من أصول آسيوية وافريقية، بل لم يبالي الناخب الأمريكي بالحملة الخبيثة التي شنها منافسو الرئيس"اوباما" على انه من أصول إسلامية، فرغم ذلك حصل على ثقة الرأي العام الأمريكي، ولم يأتي هذا من فراغ بل نتيجة الأزمات السياسية والاقتصادية التي ألمت بالمجتمع والمواطن الأمريكي جراء سياسات متهورة انتهجتها الإدارات السابقة لإدارة"اوباما" خاصة إدارات "آل بوش" وما تخللها من توريط الولايات المتحدة الأمريكية في حروب متعددة كلفت المجتمع الأمريكي ثمنا باهظا من الخسائر البشرية والاقتصادية وزادت من انحدار السمعة الأمريكية التي انعكست على المواطن الأمريكي العادي، خاصة السياسة الخارجية والحربية الأمريكية الهوجاء، والتي جنا ثمار تلك الأزمات أقطاب تلك الإدارات السابقة وتحديدا "آل بوش" وحقبتهم الدموية والتسبب في  الهزة العنيفة للاقتصاد العالمي، لذا لم يتردد المواطن الأمريكي في كسر جليد التقليدية بالثقة فقط في الرجل ذو الأصول الغربية والبشرة البيضاء، ليجرب اختيار آخر يخلصه من أزماته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وهذا ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد بدأ الرئيس اوباما لتنفيذ أجندته الاقتصادية والسياسية التي وعد بها ناخبه وقد لامس المواطن بعض من رياح التغيير الى الأفضل ومصداقية الرجل الأسود بعيدا عن الذعر الذي حاول منافسيه بثه ليؤثر على اتجاهات ومسار الرأي العام الأمريكي فحدث المنعطف وشعر المواطن الأمريكي نسبيا ان اختياره كان اقرب الى الصواب مع عدم وجود العصا السحرية لدى"اوبام" ليصلح في مدة قصيرة ما أفسده عرابي الحروب ونهب الثروات لصالح شركاتهم وأجنداتهم الاقتصادية الخاصة، وهذا لايعني بأنه مازال هناك من يدفع باوباما صوب استمرار الانغماس في الحرب خاصة على الجبهة الأفغانية  ، وتلك الأصوات والمؤثرات بحد ذاتها ستخفض من رصيد الرئيس اوباما من حيث الثقة في سياسته ، لكن سياسته بشكل عام من حيث المواطن الأمريكي والسياسة الداخلية لقيت استحسانا وزادت الثقة في مصداقية الرجل من قبل المواطن الأمريكي.

 

 

ما دار في الانتخابات البريطانية، هو مرتبط ارتباط عضوي بالانقلاب أو التحول في مزاجية الناخب والمواطن البريطاني على غرار الناخب الامريكي، ليس فقط لانهيار أقطاب التبعية المطلقة خاصة السياسية للسياسة البريطانية حيال الزعامة الأمريكية، خاصة تلك التبعية الشبه مطلقة في عهد"توني بلير وآل بوش" مما عاد بالأزمات  السياسية والاقتصادية التي تسببت بها الزعامة الأمريكية للغرب والتبعية البريطانية المطلقة للإدارة الأمريكية أكثر من أي بلد أوروبي آخر،لدرجة وصف لندن"شوكة أمريكية في حلق الاتحاد الأوروبي"، تلك الأزمات السياسية والاقتصادية المتمخضة عن تلك التبعية الطوعية للسيد الأمريكي كان لها السبب الواضح للانسجام مع التغيير الحاصل في الولايات المتحدة الأمريكية من حيث التحول للذهاب يمينا ويسارا ووسطا، بعيدا عن التقليدية في الانطواء بالثقة العمياء للحزب القيادي التاريخي التقليدي وما يسببه هذا المزاج التقليدي من معاناة وأزمات  سياسية واقتصادية واجتماعية مست بالمواطن البريطاني، مما دفعه لكسر جمود جبل الجليد التقليدي ، وأنا أقول هنا لتغيير قواعد اللعبة القيادية، لكنها تجربة ليست بعيدة أو منفصلة عما حدث من تحول في الولايات المتحدة الأمريكية، بل هو مزاج ورأي عام  زحف من أقصى اليسار الى أقصى اليمين ثم الى ملاذ ميلاد حزب وسط للهروب من فشل هذا وذاك الحزب في معالجة بعض مايؤرق المواطن البريطاني، سواء أكان ذلك حيال السياسات البريطانية لخارجية والتورط في حروب ليس للمواطن البريطاني فيها أي مصلحة بل على العكس، أو سواء على مستوى القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وهنا لا اخصص هذه المقالة السطحية البسيطة لتسليط الضوء على العنصر العربي البريطاني وأثره في ذلك التحول، بقدر ما أردت تسليط الضوء على التحول الحادث نفسه وربما وضع بعض الرموز التي تفسر اتجاهات ذلك التحول سواء أكانت رموز سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وأهمها  التبعية  أو لنقل تقليد التجربة الأمريكية في التخلص من عقدة التقليدية في تأييد مطلق وأعمى لهذا الحزب أو ذاك رغم الأزمات المتتالية التي تنتجها تلك الثقة العمياء، فربما وجد المواطن البريطاني ضالته للتخلص من تلك التقليدية ، تلك التجربة أو المغامرة التي دعمها المواطن الأمريكي والتي أتت بالرئيس"اوباما" لسدة الحكم والثقة التي أولاها له الرأي العام الأمريكي المأزوم للخلاص من المستنقع الاقتصادي والعسكري الذي تسبب به ثقتهم العمياء بحزب ثبت فشله في معالجة قضاياهم .

 

وهنا جاء التغير الذي أسميته بالانقلاب الديمقراطي، والغير مسبوق في نتائج الانتخابات البريطانية، والتي تأتي بشكل عام فوز بأغلبية كبيرة لأحد الحزبين التاريخيين العملاقين الرئيسيين"حزب العمال وحزب المحافظين" وللمرة الأولى ومنذ خمسة وثلاثون عاما لم تكن نتيجة الانتخابات بهذا الشكل المتقارب النتائج، والذي لم يعطي لأي من الحزبين الكبيرين الأغلبية الحاسمة التي تمكنه من الانفراد بالسلطة، وحتما هذه النتيجة والإرباك الغير تقليدي الذي أحدثه هو المواطن البريطاني من تحول بالنقص أو الزيادة صوب هذا الحزب أو صوب ذاك، أو حتى عدم الثقة في أي من الحزبين والتوجه صوب حزب الوسط"الديمقراطيين الأحرار" هذا عزز مكانة الأقلية"الديمقراطيين الأحرار" وجعل أدوات الحسم في تشكيل أي حكومة سواء مع العمال أو المحافظين في يدهم وكرة الحسم كانت صنيعة تلك الانتفاضة الديمقراطية والرغبة في التغيير لدى المواطن البريطاني، والذي يأمل في هذا التغيير كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية الحليف التاريخي، بان  يتم الاهتمام بقضاياه الاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن خداع احد الحزبين الكبيرين والذي ثبت فشلهما في تحقيق ما يرضى عنه ذلك المواطن البريطاني.

 

 

حيث حصل حزب المحافظين أو ان صح تسميته باليمين وبقيادة زعيمه"ديفيد كاميرون" على 306 مقاعد بما يعني انتزاع الكثير من مقاعده في البرلمان  مقابل النتيجة المتهاوية التي ألمت بحزب العمال الحاكم أو ان جاز التعبير حزب اليسار بزعامة"جولدن براون"  وحصوله على نتيجة الصفعة 285 مقعدا بخسارة لأكثر من 90 مقعدا، وهذا لم يأتي من فراغ بل نتيجة مخاض الأزمات التي جلبها حزب العمال ومن قبله المحافظون على المواطن البريطاني، وهذا مفاده ان مزاج الرأي العام الديمقراطي البريطاني حطم قيود التقليدية والتبعية العمياء للحزب، لأنه يريد قيادة إصلاحية تخلصه من أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فحصول حزب الديمقراطيين الأحرار، بزعامة"نيك كلغ"، وان جاز التعبير اسميه"بحزب الوسط" أو الملاذ الذي تحاول كثير من الأصوات المأزومة دعمه كي يصل الى درجة  حزب الأقلية الأقوى من الأغلبية غير الحاسمة.

 

 

هذه النتائج والتي هي نتاج ذلك التحول في الرأي العام البريطاني كما التغير في الرأي  العام الأمريكي مع فارق الأغلبية وتشابه الرغبة في التغيير، إنما ترفع صوت المواطن البريطاني بالرغبة في كسر احتكار احد الحزبين للحكم وما يتبعه ذلك من مزيد من التفرد الذي أتى بالأزمات السياسية والاقتصادية على المواطن البريطاني، وهنا تصبح الكرة في ملعب حزب التغيير" الديمقراطيين الأحرار" حيث سيسعى جاهدا حزب الأغلبية الغير حاسمة"المحافظين" بالتوجه لحزب الديمقراطيين الأحرار لاغراءه واستقطابه كي يتم تشكيل حكومة شراكة  بمنحه بعض حقائب وزارية، ولست واثق هنا على غير قراءة بعض المراقبين بان "نيك كلغ" سيتسرع في قبول العروض السخية من المحافظين، وفي نفس الوقت لا يتوقع المراقبون بان يسعى حزب الأحرار الى التحالف مع الحزب الخاسر"العمال" ليشكل معه الحكومة، إذن تبقى الكرة في ملعب الأقلية القوية أو لنقل"المدللة" ، وفي حال حدوث ماهو غير متوقع فان الخيار الثالث والمستبعد هو ائتلاف حكومي بين"حزبي العمال والمحافظين" في حال فشل إرضاء العروضات الحزبية من الحزبين الكبيرين لحزب الديمقراطيين الأحرار.

 

 

ويبقى الوضع البرلماني المستحدث كمؤشر تغير على منعطف طرق، وما هو أكيد سواء شكل الحكومة العمال أو المحافظين مع حزب الديمقراطيين الأحرار، فان هذا التغير أو الانقلاب متوقع ان يواكبه تغير في النظام السياسي البريطاني حيال العديد من القضايا السياسية والاقتصادية، على غير التواتر في السياسات السابقة والتي زادت من حجم الأزمات السياسية والاقتصادية، ولكن السؤال بعد هذا التغير والنتائج الغير متوقعة، هل يحدث وفق الاحتمالات المتعددة، ائتلاف بين المحافظين والديمقراطيين، أم حكومة بتحالف بين العمال والديمقراطيين، أم الاحتمال المستبعد في حال الرغبة الجامحة لسياسة "الدلال" أو الابتزاز السياسي الذي سينتهجه  حزب الحسم"الديمقراطيين الأحرار" بان يضطر المحافظين والعمال الى تقاسم السلطة، في خطوة تاريخية غير مسبوقة، إنما قد تنسجم مع حجم الإرباك في التفويض الغير محسوم والذي تسبب به الناخب البريطاني كمؤشر على رغبته في صناعة قيادة بتوليفة سياسية غير متفردة قد تنجح بشكل جماعي لإصلاح نظامه السياسي والاقتصادي، هذا ما ستثبته الأيام القادمة، ولكن المؤشر الديمقراطي هو ثورة على التقليدية ورغبة في الشراكة من اجل الإصلاح، وما الى ذلك من أثر بالغ سينعكس على السياسة الخارجية البريطانية وكذلك على السياسات الاقتصادية المرجوة.

[email protected]

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد