إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الأبنودى يتبرع بجسمه

abnodi

 د/ نصار عبدالله
حين تفارق الروح الجسد ( مع أمنياتى بالعمر الطويل لكل القراء بلا استثناء)، وحين يوارى الجثمان فى التراب، فما هى إلا أيام معدودة ، حتى تكون جيوش الدود قد أتت على  الجسد بأكمله فلا يبقى منه  بعد ذلك إلا العظام!!. .. ليس هذا بالطبع سرا من الأسرار، ولا هى معلومة غريبة خافية على أحد، فتلك هى النهاية المتوقعة لكل جسد بشرى ،  بغض النظر عمن عساه يكون صاحبه ، سيان فى ذلك أن يكون كبيرا أو صغيرا، عبقريا أو غبيا ، امبراطورا أو صعلوكا ، رئيسا لدولة كبرى أو غفيرا فى عزبة،  تقيا ورعا أو فاجرا زنديقا ، …النهاية الطبيعية المتوقعة فى أغلب الحالات إن لم يكن فى جميعها  لكل إنسان هى أن الدود آكله لا محالة، ورغم أن هذه كما أسلفنا  حقيقة معلومة للكافة فإن الكثيرين لا يفكرون فيها  ولا يحاولون أن يتساءلوا ماهى الطريقة المثلى التى ينبغى أن نتعامل بها مع البدن بعد أن تفارقه الروح ، أما الذين يطرحون على نفسهم هذا السؤال فإنهم ينقسمون عادة إلى فريقين: فريق يرى أن تكريم الميت دفنه، وأنه لا يجوز المساس بأجسادهم بعد موتهم بأى شكل من الأشكال، ويرون أنه من الخير كل الخير أن تدفن أجسادهم بنفس حالتها لحظة مفارقتها للحياة، فإذا ما أكلها الدود بعد ذلك ، فإن هذا أفضل من أن تعبث بها أيد بشرية قبل دفنها بأية حجة من الحجج أو بأية ذريعة من الذرائع . أما الفريق الثانى فيرى أن من دواعى تكريم الجسد البشرى أن يتحول ما هو صالح منه إلى طاقة من النور والأمل يطل منها إنسان آخر إلى الحياة. ولكلا الفريقين أسانيده وحججه، غير أن أهم حجج الفريق الأول هى التى تقول أن جسد الإنسان ملك لله، وهو مودع لدى صاحبه على سبيل الأمانة، وبالتالى فإنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بما لا يملكه فى حقيقة الأمر، سواء حال حياته أو بعد موته، وهذه الحجة مردود عليها من جانب أنصار الفريق الثانى ، بأن كل شىء فى هذه الدنيا ملك لله لأنه خالق كل شىء، ولو كان تبرع الإنسان بأية نعمة لا يملكها على سبيل الحقيقة، لوكان هذا غير جائز شرعا، لما جاز التبرع بأى شىء على الإطلاق، ولأصبحت جميع التبرعات بكل أنواعها باطلة شرعا!! ، وهذا ما لم يقل به أحد، أضف إلى ذلك أن هناك فارقا كبيرا بين جسم الإنسان حال حياة صاحبه حيث يكون الإنسان مكلفا بألا يلحق به أى نوع من الأذى، وحيث  لا يقوى الدود نفسه ـ بمقتضى حكة الله ـ  لا يقوى على أن يهاجمه ويلتهمه بالكامل مثلما يفعل  هذا بعد الموت ، فارق كبيربين ذلك  الجسم ذاته وبينه  بعد أن تفارقه الروح ، حيث يتحول عندئذ إلى متعلق من المتعلقات الخاصة بذلك الذى رحل، صحيح أنه متعلق خاص جدا لأنه يذكرنا بذلك الذى كان، لكن تكريم ذلك المتعلق لا يكمن فى أن نحرم غيرنا من عباد الله من الإنتفاع بما يمكن الإنتفاع به منه ، وأن نقصر حق الإنتفاع بذلك المتعلق ـ أى بالجسم البشرى ـ على الدود وحده . لقد طافت برأسى هذه الأفكار عندما شاهدت الحلقة التى أجراها الإعلامى المعروف محمود سعد مع شاعرنا الكبير عبدالرحمن الأبنودى الذى اجتاز فى الفترة الأخيرة عددا من الأزمات الصحية المتلاحقة ، فقد أعلن الأبنودى فى نهاية حلقة يوم الأحد الماضى من برنامج "البيت بيتك " ، أنه يتبرع بكل ما يمكن الإنتفاع به من أعضاء جسده إلى أى إنسان يمكن أن يستفيد منها بعد رحيله، وأضاف قائلا : " إن الكليتين ما زالتا سليمتين ، والكبد لابأس بها ، وقرنية العين صالحة ، أما الرئتان فقد أتلفهما فيما مضى التدخين إتلافا ، وليس فيهما نفع لأحد. ..ويا خال عبدالرحمن: أطال الله عمرك وأبقاك لنا ولأسرتك ولبنتيك : آية ونور، ولكل محبيك ،  ياخال لا تردد على مسامعنا هذا الكلام مرة أخرى فإنه، وإن يكن نبيلا، لكنه مؤلم .
[email protected]
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد