إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الحالة الفلسطينية ما بين السلطة والمعارضة

 

الحالة الفلسطينية ما بين السلطة والمعارضة/ سامي الأخرس

يصطدم الباحث في الشأن الفلسطيني بجملة من التناقضات، التي تضعه أمام حقيقة وضرورة ملحة في عملية انتقاء المصطلحات أو المسميات والتعابير الدقيقة في وصف تلك الحالة السياسية، بل والجغرافية، لكي لا يتم الخلط والمزج في تحديد المعاني، والوصف الفعلي للقائم على أرض الواقع.

من الصعوبة على المرء أن يكتب أو يبحث عن شيء معاش، لا زالت أحداثه تدور على ساحة الفعل اليومية، سواء على المستوى المحلي أو ألإقليمي أو الدولي، لأنه يتطلب قراءة نقدية عميقة، وقدرة على ربط الماضي بالحاضر، والتنبؤ بالمستقبل.

فمن البديهيات في البحث السياسي العودة للماضي، وقراءة الحاضر للتنبؤ في المستقبل. وحالتنا الفلسطينية الآنية تتطلب في البداية البحث عن العديد من المصطلحات السياسية والجغرافية التي يمكن تبنيها في عملية التحليل، والوصف بداية من الكنية التي يمكن إطلاقها جغرافيًا على الحالة السياسية أو الجغرافية القائمة، حيث لا معالم حدودية أو هوية جغرافية يمكن من خلالها الاستدلال عليها بالمصطلحات المتداولة دوليًا، أو تلك التي تعارفنا عليها في علم السياسة، وهو ما دفعني لتبني مصطلح الساحة الفلسطينية، استعارة من الكاتب الفلسطيني " فيصل حوراني" في خضم تحليلاته للحالة الفلسطينية.

فالساحة الفلسطينية اليوم تعيش حالة من التيه الكلي الذي رسمته تفاهمات أوسلو جغرافيًا، وسياسيًا، منطلقة من تحديد التكوين الجغرافي الفلسطيني بثلاثة مناطق أطلق عليها رموز( أ. ب. ج) تتفاوت في كل منها سلطات ونفوذ السلطة الفلسطينية، وازدادت حالة التبعثر الجغرافي تعقيدًا بعد أحداث 2007م، فتشابكت وتداخلت وتعاقدت التكوينات الجغرافية، والسياسية، ولم يعد لها ملامح، يمكن للباحث أو المحلل من لخالها وضع تصور واقعي وحقيقي ودقيق لمجريات الأمور.

فتعابير السلطة، والنظام السياسي والعناصر السياسية تعتبر من أكثر المصطلحات استعصاءً على الباحث في الشأن الفلسطيني، فحينما يتعلق الأمر بالسلطة والحكم، فهنا لن يستطيع الباحث أو الكاتب إخفاء إحباطه، وربما حيرته من اختيار المسمى أو المصطلح الأدق لوصف النموذج الفلسطيني القائم بتركيبته الحالية، حيث امتزجت السلطة بالمعارضة، وتبادلت الأدوار حسب البقعة الجغرافية السيادية، وهو ما يتطلب تحديد الموقع الجغرافي أولًا لكي تتمكن من تحديد معالم النظام السياسي الفلسطيني وعناصره، والدستور والتشريعات والقوانين التي يمكن الاسترشاد بها بعملية التفسير والتحليل المنطقي والسياسي لمعالم الحالة.

ففي السابق أي ما قبل أحداث 2005م الانتخابية، كان يمكن تحديد ملامح النظام وعناصره، وقراءة المفاصل السياسية، وتحديد معالم النظام وعناوينه العريضة، بكل تفصيلياته. واستخلاص العديد من الاستنتاجات التي ترتكز عليها كقواعد أساسية تنطلق منها في وضع العديد من الرؤى والتوصيات لعملية التحليل والتفسير.

النتيجة المنطقية للقراءة الحالية، أنه لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال صياغة رؤية أو قراءة للحالة الفلسطينية يمكن من خلالها رصد واستقصاء المستقبل بشقيه" السياسي والجغرافي"، حيث أصبح لدينا تزاوج مفاهيمي وخلط في بعض العناصر، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر حالة قوى المعارضة الأساسية التي تعتبر الطرف المعارض الثاني وليس الأساسي، وهو ليس نتاج حالة ضعف لهذه القوى، وإنما حالة من التعقيد التي تم وصفها سابقًا.

هنا لا بد من تحديد دقيق لعملية الاستقراء المنطقية في الموسوعة المفاهيمية السياسية للحالة الفلسطينية الآنية، بالعودة لترسيم المفاهيم حسب المواصفات المتعارف عليها، أو حسب الصياغات السياسية التي أنتجت مفهومين، لا ثالث لهما في العرف السياسي والدستوري للأنظمة السياسية، أو الكيانات المادية القائمة بذاتها ككيان" دولة". فالكيان السياسي يتكون من مجموعة من التشريعات والقوانين الناظمة لشتى المجالات والمستويات، وهو ما يطلق عليه بالدستور، المنظم لأنماط الحياة والجماعات في ذاك الكيان عبر مجموعة من العلاقات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والقانونية….الخ وهي ما تشكل العقد بين النظام والجماعة، وما يعتبر الحدود المعلومة لكل مكونات هذا الكيان.

فتنشأ العلاقات التي تفرز سلطة، ومعارضة، لكل منها رؤيته وبرامجه، وأهدافه، وهي نتاجات تخضع للمنظومة الشعبية في الاستحقاقات الانتخابية، وفق قرار هذه المنظومة تتحدد مكونات التنظيم الاجتماعي، ويحدد نمطية السلطة، ونمطية المعارضة.

إذن فالنظام بعناصره القائمة" سلطة ومعارضة" دون خيارات أخرى كما هو الحال مع حالتنا الفلسطينية التي تضعنا أمام نموذج جديد لم تعهده المنظومة الكونية منذ خلق الخليقة، حيث أن السلطة القائمة في بقعة جغرافية من نفس المساحة الكلية لهذا النظام تلعب بنفس الوقت دور المعارضة في بقعة اقتطعتها أدوات التنافس السلطوي، والمعارضة كذلك تلعب دور السلطة بعملية تبادلية للأدوار حسب مقاييس التصنيف الفلسطيني التي أباحت ممارسة السلطة والمعارضة لحزب واحد بذات الوقت.

ولتبسيط هذا المثال" فنأخذ اعتبارًا دور حركة حماس مثلًا في غزة، حيث تقوم بدور السلطة والحكومة ولها السيادة الجغرافية والسياسية، والقانونية بحكم أدوات السلطة التي تمتلكها، أما دورها في الضفة الغربية ينحاز للمعارضة فعليًا، وهو ما ينطبق على حركة فتح كذلك"

إذن فالحزب الواحد في الحالة الفلسطينية أصبح يمتلك في جعبته السياسية مقومات المعارضة والسلطة بآن واحد، بالرغم من بعض الثغرات التي لا زالت دون حسم، مثل الرئاسة في غزة، وافتقادها للشخصية الاعتبارية التي تستوفي اشتراطات النظام السياسي، من الناحية الاعتبارية فقط، حيث أن غزة بحكومتها أصبحت تمارس صلاحيات الرئاسة والرئيس دون شخصية اعتبارية وهو ما تجلى فعليًا في تنفيذ أحكام الإعدام بحق بعض المتعاونين مع الاحتلال دون مصادقة الرئيس الفلسطيني على قرار الإعدام رغم عدم إجازة القانون الأساسي لذلك، كما أن رام الله بحكومتها لا زالت تفتقد للمقوم التشريعي الأساسي الممثل بالمجلس التشريعي، ولكنها استعاضت عنه بمقوم آخر ممثل بالمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، أو بشخص الرئيس وما يباح له من صلاحيات" وهو ما يضعنا أمام استقلالية واقعية لكل إقليم من أقاليم الحالة الفلسطينية، التي لا زالت ترفض فكرة الانقسام نظريًا لكنها تطبقه عمليًا وواقعيًا.

في خضم هذه الحالة المزدوجة في اقتسام أو تقاسم الأدوار السياسية للسلطة، المتقمصة لدور المعارضة، هناك ملمح آخر يبرز في المشهد الفلسطيني بين الفينة والأخرى وهو المعارضة الحقيقة أو تلك القوى التي بمكوناتها السياسية، ووفق المفهوم للنظام السياسي ومكوناته تلعب دور المعارضة الحقيقية والأساسية، وهي القوى غير المشتركة في إحدى حكومات المشهد الفلسطيني، حيث ينتفي عنها مفهوم أو صفة السلطة، لتجد نفسها أمام متطلبات تنفيذ مهام المعارضة المزدوجة في الشقين، سلطة غزة، وسلطة رام معارضة، وهو ما وضعها في مأزق الازدواج، فعليها محاكاة سلطة غزة كسلطة في غزة، ومحاكاتها كمعارضة في رام الله، وكذلك محاكاة سلطة فتح في رام الله كسلطة، وكمعارضة في غزة، مما خلق حالة من الارتباك في التعامل مع هذه الحالة، هذا الإرباك نتاج واقعي لعدم التوازن في البرامج والأجندة السياسية والحزبية للحزبين الحاكمين، اللذان يمارسان عملية سياسية مزدوجة بين السلطة والمعارضة، ويحاولان اجتذاب قوى المعارضة الفعلية لنهجهما، وهنا أصبح على قوى المعارضة أن تكون ذيليه بالمفهوم الطبيعي لهاتين القوتين، الذيليه ليس ضعف ووهن من المعارضة بل تزاوج في رؤية " فتح وحماس" اللتان يريدان الثمرة والجمرة في آن واحد.

مجموعة من التحديات فرضت ذاتها على المعارضة، والتي بدورها اتخذت شقين أو مجريين في صياغة سياساتها للتعامل مع قطبي الثمرة والجمرة، والقدرة على التفاهم الجزئي مع هذه الأقطاب وفقًا للمعتقدات السياسية، مما خلق حالة من الضبابية لدى القوى المعارضة في المشهد المنقسم على نفسه، كما خلق حالة من الإرباك بين نفس قوى المعارضة ذاتها، وهو ما يتضح في آليات تعامل الجهاد الإسلامي مثلًا في المنطقتين، وكذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث أصبحت المعارضة في الكثير من الأحيان لا تستطيع رسم سياسة وشعار يُرضي قوى الثمرة والجمرة، في موضع المعارضة الذي يحتله تارة، وفي موضع السلطة الذي يمثله تارة أخرى.

إجمالًا فإن الخلاصة العامة للحالة الفلسطينية هي حالة صراع على مقاليد السلطة، أنتجت إقليمين لا معالم جغرافية لهما، من أهم سماتهما محاولة استقطاب وحشد شخصية سياسية دولية، تعتبر سلاح فاعل في فرض الذات، وتحقيق نصر حزبي في معركة صراع السلطة على الحزب الآخر، مما خلق أزمة ذاتية في النهج والتصرف، والسلوك الإجمالي العام، وانحرافًا في النظام السياسي الفلسطيني ومكوناته.

سامي الأخرس

[email protected]

16/5/2010م

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد