إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

قبل ان تتحول أحلام العرب الى كوابيس .. بقلم: د. مضاوي الرشيد

A7lam(1)

 تنشط الفضائيات الممولة سعوديا في تخصيص حلقات متتالية لتفسير احلام نساء ورجال الوطن العربي حيث تستضيف شخصيات سعودية عادة يطلق عليها لقب الشيخ الذي يتصدر الحلقة ويتلقى سلسلة من الاحلام عبر مكالمات هاتفية متواصلة تحمل اصواتا متباينة اللهجات واللكنات فتتواتر مضامين الاحلام التي تستحضر الافاعي والثياب المثقوبة والشعر الملتف الذي يكاد يخنق الحالم واحلام العطش والسقوط من اعالي الجبال وكلها من الصور التي تقلق النائم ليلا لينتظر فرصة البوح بحلمه المزعج على خط الهاتف ويطلب فك طلاسم هذه الاحلام من شيخنا السعودي فيجود هذا العالم بخبايا الليل وتتحول الافعى الى امرأة والثقوب الى غيبة ونميمة والعطش الى آمال معلقة والشعر الملتف الى هواجس الزوجة وخوفها من ضرة تنافسها على قلب زوجها.
ويستطرد الشيخ في بيع اوهام جديدة اشبه ما تكون باحلام اليقظة وينصت المستمع الى حكمة الشيخ وكيف لا وهو ابن من ابناء بلاد الحرمين وله قدرة خارقة على تفسير هذه الاحلام. فحلوله الشفهية تفرج أزمة الحالم الذي ينصرف شاكرا ومقدرا لجهود الشيخ الجليل وما هي الا ايام قليلة تعود الاحلام الليلية لتراود ابناء الوطن العربي الكبير فينتظر هؤلاء حلقة جديدة من مسلسل تفسير الاحلام الصغيرة. وان كان مشروع الوحدة العربية قد تعثر في السابق الا ان جهود الفضائيات السعودية قد اصلت لوحدة جديدة مبنية على تفسير الاحلام يجتمع كورس المتصلين على وحدة جديدة ليس التراث المشترك والدين والتاريخ والمصلحة الجمعية للامة قوامها بل خلفيتها الثقافية احلام صغيرة مشتركة يفسرها الشيخ السعودي القدير.
فحلم عائشة المغربية وفاطمة الجزائرية قصص ليلية تلقى صدى عند عمشة السعودية ولينا اللبنانية. كلهن ينسجن خيوط القصص التي يفرزها العقل الباطن العربي اما محمد وعلي وعبدالله فيذوبون في متاهات احلامهم الصغيرة المشتركة والتي وجدوا فيها الوحدة الجديدة التي يواجهون فيها مأزقهم في القرن الواحد والعشرين.
في حلقة تفسير الاحلام تنصهر الاختلافات وتتلاشى البيئات وثقافاتها وتصبح القصص الليلية قرابين تقدم على الهواء مباشرة يفصلها ويشرحها المفسر السعودي الذي بحكمته وقدرته يحولها الى نصوص مستقبلية تريح نفسية الحالم ورغبته في الاستفسار عن خبايا عقله الباطني ومخيلته الخصبة. لقد وفر مردود النفط هذه الخدمة الجليلة فوحد احلام العرب في منظومة اعلامية وصهرهم في بوتقة جديدة ومنحهم فرصة التلاقي والتواصل من اجل فك طلاسم احلامهم.
وهذا ما لم توفره لهم دولهم وانظمتهم من قبل حيث ظلت الاحلام تراودهم دون ان تجد من يفسرها بهذه الطريقة العلمية الرصينة المتلفزة. ومن هذا المنطلق اليس على العرب الحالمين ان يشكروا المشروع السعودي الاعلامي هذا وخاصة انهم المنتفعون من خدماته التي تريحهم من التساؤلات عن معاني احلامهم الصغيرة. وان لم تتسن لهم فرصة الاتصال المباشر فما عليهم الا ان يلجأوا الى زوايا معارض الكتاب التي تعج بكتيبات تفسير الاحلام وفك طلاسمها فيقرأون فيها بانوراما تفسير الاحلام لشيخ التلفاز نفسه او غيره ممن انعم الله عليه بنعمة تفسير احلام الليل. لقد تحول العرب الى امة مهووسة بتفسير احلامها الليلية وبما ان واقعها النهاري معروف قد فسره الكثير من الباحثين والمراقبين المحليين والعالميين نجدهم اليوم ينغمسون في احلام الليل والتي هي تحتاج الى دراسة علمية جديدة. وان كان العقل الجمعي العربي قد شغل العقلاء والمفكرين من جيل بدأ يندثر نرى ان العقل الباطني هو اليوم اولى بالتمحيص والدراسة وخاصة انه في مرحلة الانصهار تحت مظلة الاعلام السعودي الحديث.
ان استمرت مسلسلات تفسير الاحلام العربية ومن الارجح انها ستستمر خاصة وانها تدر مداخيل اعلامية كبيرة عن طريق شركات الاتصال الهاتفية فنحن في صدد وحدة عربية جديدة مبنية على الحلم وتفسيره وليس على الواقع ومأزقه. يهرب العرب اليوم هروبا جماعيا من هذا الواقع ويستنجدون بالشيخ السعودي علّه يفسر لهم هواجسهم الليلية وما اكثر الشيوخ المؤهلين لتفسير الاحلام الذين يبيعون خبراتهم ومهاراتهم المكتسبة وروحانيتهم المزعومة على الجماهير الحالمة حيث تحول هؤلاء الى مرجعيات معروفة تحج اليها اصوات الحالمين بتفسير حلم. وبدلا من سوق اقتصادية مشتركة أو سياسة قومية مدروسة يجد العربي نفسه امام سوق احلام مشتركة وان كان الجيل السابق يعلل النفس بقدرة النفط على تثبيت اقتصاد او سياسة مشتركة الا انه وجد نفسه أمام قدرة نفطية هائلة تتعاطى مع احلامه المشتركة وتنذر طاقاتها من أجل تفسيرها. ففي الاحلام تتلاشى الحدود وجوازات السفر وتنصهر النفسيات وخباياها. ومشروع تفسير الاحلام مشروع كبير يستوعب الكل ويصهرهم في بوتقة الوهم والخرافة تحت مظلة السعودية واعلامها. وان كانت تكلفة العلاج النفسي باهظة فهذه الخدمة المجانية الجليلة لا تكلف سوى مكالمة هاتفية تأتي بالحل والراحة النفسية. وما اجمل أن يسخر النفط في خدمة أحلام العرب وتفسيرها فتتصدر بعدها الشخصيات الممولة لمشاريع الاعلام الجديدة قائمة الناجحين في عصر العولمة والمجددين في فنون الاستثمار ويبنون ثروات باهظة على اكتاف الحالمين الكثر ويصبحون من رجالات الاعمال وصناعة الرأي في الوطن العربي.
لقد صنع هذا الاعلام الجديد الحلم ولم يفسره. يومياً هم يبيعون بضاعة وهمية ويستغلون ضعف النفس البشرية ليروجوا برامجهم الترفيهية التي تمتص الفراغ وتحول المشاهد الى متقاعد قبل ان يبلغ سن التقاعد. فيهرب الكثيرون من نهارهم الشاق ومشاكلهم المعقدة الى ليلهم الحالم ومن ثم يستفيقون وكلهم أمل ان يجدوا تفسيراً ولو سطحياً لاحلامهم.
اولا: ظاهرة مسلسلات تفسير الاحلام تعكس استهلاكية الاعلام الممول سعوديا الذي يزيد من حالة الانغماس في الوهم والهروب من الواقع. ثانياً: تساهم هذه المسلسلات في تبلور فكر الحلول السطحية لمشاكل ربما تكون نفسية ذات جذور عميقة وثالثاً: تكرس فرص تفسير الاحلام المتلفزة منطق اللهو والعبث بخبايا النفس البشرية ومخاوفها التي تظهر في الاحلام عادة.
وبما أن شيوخ تفسير الاحلام هم دوماً من الذكور نجد ان تفسيراتهم تعكس صورة نمطية عن المرأة خاصة عندما يتبرعون بتفسيراتهم الذكورية فما معنى ان الحية في الحلم هي امرأة في الواقع تماما كما فسر احد هؤلاء الشيوخ حلماً تقدمت به امرأة متصلة بحلقته الحالمة. مثل هذه الصور النمطية الراسخة تباع اليوم على الهواء مباشرة وتساهم في تخلف العرب وعودتهم الى الوراء خاصة وان الصور تباع مباشرة على الجمهور المتعطش لتفسير أحلامه الليلية وباسعار بسيطة. وطالما ظلت هذه المسلسلات رائجة لن يستفيق العرب من الحلم بل سيظلون يحلمون ليلياً علهم بذلك يهربون من مرارة الواقع الذي يعيشونه واحلام هؤلاء ستظل مستهلكة في برامج العبث السعودي الذي يعتقد انه يقدم خدمات جليلة للأمة جمعاء بينما هو لا يخدم الا مصالحه المالية التي توفرها الاعلانات المتتالية والتي تقطع المسلسلات لتبث آخر صرعات السوق الاستهلاكية والتي بمعظمها تفوق القدرة الشرائية لمشاهدي برامجها الترفيهية.
اكثر من اي وقت مضى يحتاج العالم العربي الى هزة فكرية تخرجه من متاهات الاحلام وتعيده الى الواقع. هذه الهزة ترتبط باعلام يبعده عن الوهم والخرافة ويعود به الى قدرته العقلية على تشخيص ليس فقط احلامه بل معطيات الواقع بما فيها من فرص ومتاهات. عندها فقط يضمن العربي ان احلامه الليلية لن تتحول الى كوابيس يصعب على الشيخ السعودي حلها أو تفسيرها بل يضطر عندها ان يستنجد ان استطاع بسلسلة من الجلسات النفسية والتي ربما لا يكون باستطاعته دفع تكاليفها حتى يتخلص من حلم تحول الى كابوس.
وان استطاع الاعلام السعودي ان يوحد العرب في وهم تفسير الاحلام الا انه لن ينتشلهم من مأزقهم النفسي ساعة الكوابيس.
 
‘ كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد