إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

مستشفى الأمراض العقلية وعالم المجانين

      

د. نضال الصالح

فتح عينيه كالعادة على صوت الممرضة وهي تضع تحت إبطه ميزان الحرارة. هي تعرف أن حرارته غير مرتفعة ولكنه روتين المستشفى اليومي، على جميع المرضى أن يقيسوا درجة حرارتهم صباح كل يوم. ضغط على ميزان الحرارة تحت إبطه ونظر إلى الممرضة التي إبتسمت في وجهه وقالت: " اليوم يومك، سنخلي سبيلك وتذهب إلى البيت، أكيد أنت مسرور للتخلص منا والعودة للبيت." نظر إليها وهز رأسه وقال: " لا، أنا غير مسرور، ولو عاد الأمر لي لبقيت، لكن وما العمل."
بعد أن غادرت الممرضة الغرفة، سحب ميزان الحرارة من تحت إبطه ووضعه على الطاولة الصغيرة بجانب السرير ثم قام من سريره، دخل الحمام واغتسل وعاد إلى سريره من جديد ينتظر الإفطار ومن ثم زيارة الأطباء.

دخل الأطباء وعلى رأسهم صديقه، مدير القسم والطبيب المسؤول عنه. شرح مدير القسم لمجموعة الأطباء حالة المريض قائلا: " مريضنا تعرفوه، فلقد جاءنا قبل ستة أشهر بأعراض واضحة للبسيخوزا ولقد وصفنا له عدة أدوية، تجاوب المريض مع العلاج بشكل جيد ولم يعد لديه أي من ظواهر المرض، لذا  قررنا إخلاء سبيلة لتكملة العلاج في البيت." ثم توجه بالحديث إلى المريض قائلا: "مر عندي الساعة الحادية عشرة إلى المكتب، سأعطيك التقرير الطبي وبعض الوصفات لما تحتاجه من الأدوية، ويمكنك بعدها ترك المستشفى والذهاب إلى البيت!"

كانت الساعة قد دقت الثانية عشرة ظهرا عندما ترك مكتب الطبيب مسلحا بالتقرير الطبي الذي يشرح حالته منذ دخوله المستشفى والعلاجات التي أعطيت له وتجاوبه مع العلاج، بالإضافة إلى نصائح للمريض بأن يتجنب الصدمات العاطفية والنفسية وأن يستعمل أدويته بإنتظام وعليه مراجعة الطبيب المسؤول بعد شهر من خروجه من المستشفى. وقفت الممرضات ومجموعة من المرضى يودعونه، عانقوه وتمنوا له الصحة والعافية وهدوء البال. بعض المرضى بكى لفراقه ولم يخجل من دموعه المنهمرة على وجنتيه.

مستشفى الأمراض العقلية يتكون من قصر قديم كان ملكا لأحد البارونات النمساويين، يقع على طرف العاصمة و يحيط به حديقة جميلة تكثر فيها الأشجار والزهور ويتخللها طرق ضيقة من الإسمنت، ويحيط بالحديقة سور له بوابة عريضة في مدخلها غرفة الحارس. عرض صاحبنا على الحارس أوراق الخروج وودعه هذا بالتمنيات له بالصحة وفتح له البوابة وأغلقها خلفه.

مشى صاحبنا وفي يده حقيبة صغيرة فيها بعض الملابس وأدوات الحلاقة وتوجه نحو محطة الباص المتوجه إلى قريته، فهو يسكن في قرية تبعد عن العاصمة حوالي خمسة عشر كيلومترا. لم يأت أحد ليأخذه فزوجته تركته وراحت تعيش مع شاب أصغر منها عمرا وأكثر من زوجها مالا وجاها وأخذت معها طفلهم الوحيد.

وقف ينتظر الباص مع مجموعة من المسافرين الذين أخذوا يرمقونه بنظراتهم المتفحصة ثم أداروا له ظهورهم. تأخر الباص لأكثر من نصف ساعة، ووصل مليئا بالركاب نصفهم واقفين. فتح باب الباص واندفع الواقفون على المحطة إلى باب الباص وحشروا أنفسهم حشرا لدرجة أن السائق لم يتمكن من إغلاق باب الباص. حاول صاحبنا الدخول ولكنه لم يستطع، مع كل المحاولات، أن يجد لنفسه مكانا يحشر جسده المنهك فيه، فظل واقفا على المحطة يراقب الباص وهو يتركه وحيدا ويبتعد.

كان عليه أن ينتظر الباص التالي ولكنه كان منهكا ولم يعرف متى يأتي الباص التالي وإن كان سيجد له فيه مكانا، فقرر أن يوقف سيارة أجرة لتقله إلى بيته. مرت سيارات الأجرة ولوح لها لكي تقف ولكنها كانت محجوزة ومليئة بالركاب. بعد مدة من الإنتظار تخيل أنها دهرا إستطاع أن يوقف سيارة أجرة، دخلها وجلس في المقعد الخلفي ثم أعطى السائق العنوان. إندفعت السيارة بسرعة وقادها سائقها كأنه في سباق مونتيكارلو، وكان السائق ينظر بين الفينة والأخرى إلى صاحبنا من خلال المرآة العاكسة وأخيرا سأله:" أرى أنك تحمل حقيبة، هل أنت مسافر أم قادم من سفر؟" أجابه صاحبنا:" قادم من سفر. سأله السائق من أين؟ فرد عليه صاحبنا من العالم الآخر. هز السائق رأسه ونظر في المرآة نظرة متفحصة إنعطفت السيارة أثناءها عن مسارها وكادت أن تصدم عجوزا واقفا على الرصيف، وسأله أين يكون هذا العالم الآخر. رد عليه صاحبنا بحدة:" أرجوك، أنا متعب وأريد أن أذهب إلى بيتي وليس لدي أي رغبة في الحديث. أنظر إلى الطريق أمامك حتى لا تقتل أحدا وأوصلني إلى بيتي بسلام." ولكن عينا السائق لم تترك المرآة و تابع في أسئلته ولكنه لم ينتظر عليها جوابا فلقد كان يجيب عليها بنفسه. شعر صاحبنا أنه يختنق وبدأت كلمات السائق ترن في عقله مثل أزيز الدبابير وفكر أنه إذا لم يصمت السائق فإنه سيرمي بنفسه من السيارة. ولكن لحسن الحظ وصل بيته قبل أن يقوم بأي عمل قد يندم عليه. دفع الأجرة للسائق وخرج من السيارة مسرعا مغلقا باب السيارة خلفه بعنف، ولم يأبه لشتائم السائق وإشارته البذيئة بإصبع يده الأوسط. ركض مسرعا إلى بيته غير ملتفت إلى خلفه أو حوليه .

فتح باب البيت ودخل، فصدمته رائحة العفونة المعشقة بالغبار الكثيف. فتح النوافذ ولكنها لم تستطع تهوية البيت من العفن والغبار اللذان باتا جزءا من البيت. جلس في مقعده الجلدي وأغمض عينيه وتاه مع أفكاره. ماذا سيفعل وكيف سيقضي أيامه وهو في إجازة مرضية؟ أسئلة لم يستطع الإجابة عليها. بعد فترة شعر بالجوع فتذكر أنه لا يوجد في البيت شيء يؤكل، فقرر أن يذهب إلى الحانوت ليشتري بعض الخبز والجبن وغيرها من المأكولات.
خرج من البيت وذهب مشيا على الأقدام إلى أقرب حانوت، أخذ عربة ووضع فيها ما يحتاجه من الخبز والجبن والخضروات والفواكه وتوجه نحو المحاسبة. وقف في الصف حتى جاء دوره، وضع المشتريات أمام المرأة الجالسة خلف آلة المحاسبة وبدأت هذه بعملية الحساب ثم أخبرته بالمبلغ الإجمالي المطلوب دفعه. أعطاها كرت البنك، فلم يكن يملك ما يكفي من النقد، أدخلته في الآلة التي أمامها ثم طلبت منه أن يضع رقمه السري ففعل. إنتظرت الموظفة لحظات ثم نظرت إليه وقالت"" كرتك إنتهت مدته." أجابها بتعجب:" كيف هذا، أنظري إلى تاريخ الكرت إنه صالح لمدة عام على الأقل." سحبت الكرت ونظرت إليه ثم قالت: " جرب مرة أخرى، ربما أخطأت الرقم السري." جرب مرة ثانية وثالثة وكان الجواب في كل مرة،" انتهت صلاحية الكرت." نظرت الموظفة إليه وقالت بحدة: " أنا آسفة، إن لم يكن معك نقدي فلا أستطيع أن أعطيك المشتريات"، وأرجعت له الكرت.
ترك المشتريات وخرج من الحانوت ثم وقف حائرا. الكرت لسبب من الأسباب منتهي الصلاحية ولم يكن في حوزته أي نقود والبنك بعيد في المدينة، وعليه أن يذهب إليه بالباص أو بالسيارة، ولا يدري إن كانت سيارته صالحة أم لا، فلقد تركها واقفة في الساحة أمام البيت منذ ستة أشهر. صحيح أنه إحتاط وفك البطارية ولكنه لا يعرف ما ينتظره فستة أشهر مدة طويلة.
توجه نحو سيارته، فتح غطاء الموتور وشبك البطارية ثم جلس خلف المقود وأشعل الموتور. اهتزت السيارة قليلا ثم إشتغل الموتور. صاح صيحة فرح، حرك قضيب السرعات وضغط بقدمه على دعاسة البنزين. تحركت السيارة محدثة صوتا غريبا مزعجا، فأوقف السيارة ونزل منها ليكتشف سبب هذا الصوت الغريب. خرجت من فمه صرخة وشعر بتدفق الدم في عروقه وبدقات قلبه تتسارع، كانت عجلات السيارة الأربع مثقوبة بفعل سكين أو أداة حادة. وقف ينظر إلى هذه المذبحة مندهشا غاضبا تنطلق من فمه الشتائم الموجهة إلى هذا العالم المجنون. لم يكن أمامه من وسيلة للذهاب إلى البنك إلا الباص فتوجه نحو الموقف وانتظر قدوم الباص.

وصل البنك وكان الوقت قد داهمه وقربت ساعة الإغلاق. وقف أمام المصرف الآلي التابع للبنك وقرر أن يجرب حظه. أدخل الكرت فطلبت منه الآلة رقمه السري فوضعه. بعد لحظات من الإنتظار رجع الكرت وقرأ على شاشة الالة: الكرت منتهي الصلاحية. نظر إلى تاريخ صلاحية الكرت وتفحصه من جديد، لا يوجد مجال للشك بانه صالح لأكثر من عام. أدخله مرة ثانية وكتب رقمه السري بتمعن وتأني، ظنا منه أنه أخطأ في كتابته ولكن الآلة إبتلعت الكرت كما يبتلع سمك القرش الأسماك الصغيرة، وظهر على شاشة الآلة: "الكرت مصادر". ضرب الآلة بيده ثم ركلها بقدمه وصاح:" إرجعي كرتي يا بنت الكلب." ولكن الآلة لم تحفل به ولا بشتائمه وظل الكرت في بطنها.

دخل البنك وتوجه نحو نافذة الإستقبال والمعلومات ووقف أمام الموظفة الجالسة خلف النافذة، وأمامها مجلة نسائية تتصفحها، وشرح لها مشكلته مع الكرت. قالت بدون أن ترفع رأسها عن المجلة:" إذهب إلى النافذة رقم ستة" وتابعت تصفح المجلة. توجه نحو النافذة ذات الرقم ستة فوجد صفا طويلا فوقف في الصف ينتظر دوره. كانت حركة الصف بطيئة كالسلحفاة ومر وقت طويل إلى حين وصوله إلى النافذة. في اللحظة التي أراد فيها صاحبنا أن يشرح للموظف مشكلته مع الكرت، أغلق الموظف النافذة واضعا لوحة " مغلق" وقال له: " إنتهى وقتي، إذهب إلى النافذة رقم أربعة." حاول صاحبنا أن يحتج ولكنه لم يجد أمامه في النافذة غير الفراغ، فلقد ترك الموظف النافذة مغلقة وأدار ظهره ورحل.

وقف في الصف أمام النافذة رقم أربعة ينتظر دوره. بعد فترة وجد نفسه أمام النافذة تحملق فيه عينا الموظف. شرح له مشكلته مع الكرت، سأله الموظف عن الإسم ورقم الحساب فأخبره وانتظر. جاءه الجواب:" الكرت ألغي لعدم إستعماله لأكثر من ستة أشهر. شرح له أنه كان في المستشفى ولكن الموظف لم يبد تفهما وقال: يمكنك المطالبة بكرت جديد. إذهب إلى نافذة المعلومات، خذ الأوراق المطلوبة، إملأها وعد إلي." عمل كما أشار عليه الموظف وعاد إلى النافذة رقم أربعة فوجدها مغلقة. نظر حوله فوجد أن النوافذ قد أغلقت وأخذ الموظفون يحضرون أنفسهم للمغادرة. سأل أحد حراس البنك كيف يمكنه أن يحصل من حسابه على بعض النقود فأجابه الحارس: يمكنك إستعمال المصرف الآلي خارج البنك! صرخ بأعلى صوته: ولكنهم أوقفوا كرتي فماذا أعمل؟ قال الحارس: " سيدي عليك مغادرة البنك ويمكنك الحضور صباحا."

خرج من البنك وجلس على حافة الرصيف. كان القهر يغلي في دمائه وشعر بدموعه تسيل على خده. بحث في جيوبه لعله يجد ما يكفي لشراء تذكرة عودة إلى قريته فلم يجد. تسائل: " نقودي في البنك، والبنك يبعد عني مترين، ولا يوجد معي ثمن تذكرة الباص، فاي عالم مجنون هذا؟

ذهب إلى المحطة لعله يلتقي ببعض معارفه من القرية فيقرضوه ثمن التذكرة. قابل أحدهم وسأله أن يقرضه ثمن التذكرة، فأدار الرجل وجهه وصعد إلى الباص ولم يجبه. وقف صاحبنا حائرا محتارا. تكلم مع سائق الباص فأجابه هذا أنه بدون تذكرة لن يسمح له بركوب الباص. وجد أنه لا يوجد أمامه إلا المشي، فمشى خمسة عشر كيلومترا حتى وصل قريته. دخل البيت منهكا يسبح في عرقه، جائعا عطشا وحيدا وبدون نقود. فتح حنفية المغسلة ليشرب فسال منها ماء أحمر كريه الطعم والرائحة، من طيلة عدم الإستعمال.

جلس في مقعده الجلدي، إتصل بزوجته ليسألها عن إبنهما فأغلقت الهاتف في وجهه مرتين. أعاد الهاتف إلى موضعه وتمتم:" قحبة، مجنونة". فتح التلفزيون لعله يشاهد برنامجا يشغله عن وضعه المحرج. ظهر المذيع في بدلته الأنيقة وشعره اللامع من كثرة الزيوت قائلا: " إنفجرت سيارة مفخخة في بغداد فقتلت خمسين جلهم من النساء والأطفال"، وظهرت صور الجثث الممزقة في الشارع تهز البدن والنفس والروح. غير المحطة فظهرت مذيعة مطلية بالبودرة وأحمر الشفاه والخدود وبانت كأنها عاهرة من شارع العاهرات الليلي، أعلنت:" أطلقت قوات التحالف عدة صواريخ على قرية في أفغانستان فقتلت مجموعة من النساء والأطفال… وابتسمت المذيعة كأنما أذاعت خبرا سارا ومضحكا. غير المحطة، ظهرت مذيعة شبيهة بزميلتها ولكنها كانت أكثر تبرجا وكان ثدياها بارزان يكادان أن يقفزا من فتحة الفستان وأعلنت أن القوات الإسرائيلية قد قتلت بعض الإرهابيين الفلسطينيين في غزة ونابلس وجنين، وأضافت أن ساركوزي أعلن أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، سانده في ذلك معظم الزعماء الأوروبيين. أما أوباما فأعلن أن الولايات المتحدة تتكفل بالدفاع عن أمن إسرائيل المهددة من جيرانها.  قام صاحبنا وهو يشتم: " عالم مجانين" وأخذ يقلب في المحطات بحثا عن محطة الأفلام فوجدها. كان الفلم عن مصاصي الدماء وشاهد كيف يغرس مصاص الدماء أنيابه في رقبة إمرأة شابه وكيف يمتص دمها ثم يظهر للمشاهدين أسنانه التي تقطر بالدماء.

ركل صاحبنا شاشة التلفزيون بقدمه وهو يصيح" عالم مجانين، عالم مجانين، يلعن أبوكم يا ولاد الكلب، كلكم مجانين." وتابع في ركل التلفزيون حتى حطمه بالكامل وأخذ يحطم ما تقع يده عليه، حطم صورة زوجته، حطم صورته وحطم الصورة الأثرية التي ورثها عن أهله. رفع سماعة الهاتف واتصل بصديقه الدكتور وقال بهستيريا: " تعال خذني، أعدني إلى المستشفى، لا أستطيع أن أتحمل هذا العالم المجنون، أرجوك، أرجوك!" حاول الدكتور بكل الطرق أن يهدئ من حالته ولكنهه كان يكرر : " أرجوك، تعال وأعدني إلى المستشفى، فلقد كنت هناك مرتاحا." وأخذ يبكي حتى وعده الدكتور بالحضور مع سيارة إسعاف لإعادته إلى المستشفى."
جلس في سيارة الإسعاف بعد أن أعطاه الطبيب حقنة مهدئ وألقى برأسه إلى الوراء على مسند المقعد وأغمض عينيه وبدت إبتسامة الرضى تظهر على وجهه." أنا عائد إلى بيت السكون والراحة، وداعا يا عالم المجانين."

د. نضال الصالح/ فلسطين                               
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد