إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أصحابي.. أصحاب العكاكيز … وحزب معارضة “العواجيز” ..

 

 جلال / عقاب يحيى

    رغم اعتقادي أنني من طبيعة تأملية، ورغم نوبات الجموح الأدبي التي تسيطر عليّ أحياناً كثيرة، ولعلها تنسيني، أو تعوّضني هموم الواقع العربي، وتبخّر الأحلام والتضحيات.. وفتوة العمر والذهن، واليأس من الكتابة السياسية التي لا أدري كم عدد من يقرأ، ناهيك عن الأثر والفائدة.. والجدوى..

فإنني، وككثير الأشياء التي نمرّ عليها "مرور الكرام"، لم يلفت نظري، مثلاً، أصحاب العكاكيز الذين يلجأون إليها لتسندهم وتساعدهم.. إلا بعد أن صرّت واحداً منهم . بعدها دخل وعييّ، وتأملي عالماً جديداً يسرق انتباهي واهتمامي  تجاوز مرحلتي الأولى في مراقبة أنواع وأشكال العكاكيز والتعرّف عليها من، إلى الإمعان في أصحابها وما هم فيه وعليه، فأراقب هيئاتهم،
ولباسهم، وعمرهم، ونوع إعاقتهم، وذلك الارتباط شبه الوثيق بين نوعية العكاز وواقع حامله(الطبقي)، وربما الزواجي . أكثر من ذلك يمكن إصدار ما يشبه الحكم القطعي على ما في رؤوس هؤلاء من أفكار، وعلى طينتهم، ونوعية وعيهم، وموقعهم في السلّم الاجتماعي لمجرد فحص العكاز الذي يستخدمون، والذي، غالباً، ما يتناسب ولباسهم، وأخاديد الزمن المحفورة في وجوههم وأجسادهم.. حتى خلت نفسي عالم اجتماع يرتاد بحراً زاخراً بالجديد، فيكتشف خوارقاً يضيفها إلى عديد خوارقنا التي نمنا عليها عقوداً، واعتبرناها مكتشفاتنا التي نضيفها إلى خصوصيتنا الفريدة . أكثر
من ذلك، شيئاً فشيئاً نما نوع من التعاطف بيننا، وباتت تحية بعضنا ب(السلام عليكم) ذات نغمة خاصة تتجاوز التقليد إلى ما يمكنني اعتباره نوعاً من الانحياز، أو نوعاً من الانتماء الذي يربطنا حتى وإن لم نعرف بعضنا نهائياً وكأننا أبناء عشيرة أو طائفة أو جهة واحدة، ويمكن القول أنه انتماء جديد يزاحم كومة انتماءاتنا المتعددة، فيدوخ الانتماء ويدخل عولمة العواكيز من بابه الارتكازي ـ التغييري .

كنت، إلى زمن قصير، أعتبر نفسي فتياً، وأنني ما زلت في عمرٍ ذهنيٍ حيوي، وأن بيني وبين التعكّز مسافة عمرية لا بأس بها، وطالما فاخرت(بعقلي الجدلي)، وبانتمائي إلى النخبة، وإلى مرحلة الشباب، (للمناسبة تعبير الشباب ما زال سارياً في تخاطبنا مع بعضنا حتى وإن وصلنا من العمر عتيّاً) خصوصاً وأن كثير الحوارات واللقاءات التي جرت مع الغير، من القوى الأخرى، وفي أعوام
خلت، كانت الكهولة من بين بوارز الظواهر التي تعبّر عن مداليل مختلفة، ليس أقلها الانقطاع بين الأجيال، وأنها أحد أسباب أزمة المعارضة، وترهلها، وإصابتها بالشيخوخة، وتصلّب الشرايين والعقول، والاحتباس وغير ذلك من أفكارنا التي طالما كتبنا فيها، وكررناها عن الأزمة ومفاعلاتها.. وكأنك في دوامة دائرية لا تعرف فيها رأس الخيط، ولا طريق الخروج . المهم أنني، فجأة أصبحت من عالم هؤلاء، وإذ بنوع من الصحوبية غير المباشرة تربطني بهم، وإذ بي أعيرهم انتباهاً لم يكن بي، فأقف متأملاً، وقد أتطاول بسؤال بعضهم عن قصته وحاله، وحكايته مع العكاز.. فنفتح
جروحنا في مندبة أشد من مندبة الوضع العربي على قبور الراحلين من الآمال والتضحيات واللوات والرغبات، وإذ بأكوام اليأس والعتب والندم وتقيّؤ الذي كان، والتحسّر على الأمس، وعلى ما لم يتحقق هو القاسم المشترك، وكأنّ هذه الأمة من مشرقها إلى مغربها قانطة، بائسة، يائسة من حاضرها ومستقبلها، ولا تجد سوى الأمس، والماضي تعويضاً، واتكاء، وبكائية مفتوحة، ملوّنة بأغاني الأمنيات، فينهال التحسّر طوفاناً يزوّق(الزمان الغابر) كأنه كان شيئاً مختلفاً كل ما فيه خير ومحبة وتسامح ورحمة، وفخر، ونبالة، وانتصارات تناطح انتصارات فتنفتح أمامي أخاديد
الزمن، والحاضر.. وإذ صحاباً لي لا يربطني بهم سوى العكاز والعطب يدخلون عالمي أنا الذي عشت في بحيرة مغلقة لم أقبل الخروج من مياهها، حتى بعد أن أسنت وفاحت روائح جثث الآمال والأهداف التي دفنت فيها، فأخاف الوقوف على حدّ الماضي لولوجه والرقاد الهنيء، الطويل فيه، ودعس الحاضر بأقدام الانفعال الحاقدة على كلّ ما فيه، ومسح المستقبل تماماً من الذهن والأحلام والتهيّؤات، ثم بناء قصور الاسترجاع الواسعة، الفسيحة، وضربها نومة أبدية على رخام مرمر تبدو في بهوه الواسع أخيلة(حوريات) أميرات، وأمَات من كل بقاع الدنيا، ودنيا غير الدنيا التي عشنا
..

أصحابي الجدد في أغلبيتهم من العجائز الذين تجاوزوا الستين والسبعين من عمرهم، والذين أجبرهم السنّ، والمرض، وإهمال التخلف عن المعالجة المبكرة، فكثرت العلل والأعطاب، وناخ الظهر بما حمل ، ولم تعد الأرجل قادرة على الاستقلالية فاضطرّت للعكاز، بينما هناك بعض فئات شابّة متعكّزة لأنها إما ولدت معاقة، أو أصيبت بحادث ما(من حوادث العصر الكثيرة)، وبين هؤلاء
وهؤلاء يأتي صنف المبتورين الذين لكلّ منهم حكاية تروي بعض فصول واقعنا، والمكرّسحين الذين يشحطون أجسادهم مثلما تفعل المخابرات ب(أعداء الوطن)، أو عبر تلك (الكراسي) التي أكل الدهر عليها وشرب كؤوس زمن غابر ..( لم آت على ذكر النساء لأن حضورهن العكازي في الطرق قليل، من جهة، ولأن معظم أصحابي هؤلاء يرفضون الحديث عنهن لأنهن حرمة، وبعضهم يغالي فيعتبر مجرد ذكرهنّ عورة، وبعضهم ناقم، حاقد كأنّ مصائب الدنيا بسببهن، فكنت أبلع ريقي، وأماشيهم ولو على مضض ثوري ـ تقدمي، خاصة وأني علمت أن تبرّم النساء من رجالهن العجائز يكون سبب خروجهم الإجباري من
البيوت واستخدام الحجارة، أو قطع الكرتون  للجلوس عليها في زوايا الطريق، وليس التريّض و"تغيير" جوّ البيت ..) .

والحق أن تعاطفي، ولا أدري السبب، ينصبّ أكثر على فئة العجائز، وقد صار لي منهم بعض الصحاب الذين ينشرحون وهم يتحدثون عن ماضيهم، وعمّا كانوا، كأنّ بهم احتباساً تاريخياً للكلام والفضفضة، أو كأنهم خرجوا اللحظة من مغائر الماضي الموغل حتى أنك ترى بقايا غبار الزمن على وجوههم، ولباسهم وعقولهم، وشيئاً من حماس حرب التحرير، وحروب الفتوح، وحروب الاختلاف، وحروب
الكلام، وحروب الحروب.. في بحر التضحيات والجروح، كأنهم لا يصدقون أن أحداً في هذا الكون ما زال مستعداً أن يستمع إليهم، أو يقضي بعض الوقت معهم، لذلك يفيضون ويستفيضون فيما كان وكانوا، فيختلط الدمع بالتحسّر باللعنات بالغضب الناقم على الذي صار، وعلى من سرق الأماني، واغتصب الأهداف والإيمان وبعثرها نثاراً يملأ كون الحاضر، فتكثر مظاهر الحرام المسروق، وتنتصب بنايات النهب، وسيارات الرشوة، وثروات خيانة الأوطان، والكلّ يغرف من الحرام فمات الحياء، وضعف الإيمان(رغم الانتشار الكاسح لمظاهر التديّن في إطلاق اللحى، وفي عدد من يرتاد الصلاة،
ولباس الجلابية الأفغانية، والخليجية، والنقاب الأسود). لاحظت قاسماً مشتركاً بين الأغلبية : انشداد لماض غائم عاشوه، أو حلموا به فامتزجت رغباتهم بما آلوا إليه، ويأس وقنوط من الحاضر إلى درجة القرف تلخصه عبارة على أفواه الأغلبية(الله يرحم أيام زمان ويستر من القادم) كأنهم في تنظيم موحّد لقّنهم تلك العبارة وطلب منهم تردادها على طول الأربع والعشرين ساعة، تماماً كشعارات أنظمتنا عن الانتصارات والإنجازات والخوارق التي تقوم بها، بينما لا أثر للمستقبل عندهم، لأن المستقبل كحلي يلفه سواد فعل الواقع، ولذا فهو لا يعني سوى الموت والنهاية
المحتومة، وربما يكون الأمل الوحيد لمحاسبة هؤلاء اللصوص على ما فعلوا، وتعويض أصحابي شيئاً من أحلامهم المغدورة …

أصحابي هؤلاء، أو الذين التقيت بهم لا يعملون بالسياسة لأنهم تقاعدوا من زمن عن ممارسة أي شيء له علاقة بالشأن العام، إلا حالات نادرة ما زالت معششة في موقع المسؤولية، وفي بعض الأحزاب(والتي تتصنّع رفع الصدر والأنف والرأس كإشارة على أنهم ما زالوا منتصبين..)، وهذا خلاف عديد أحزابنا، ومعارضاتنا التي بلغت من العمر الشيخوخة وما زالت في موقع المسؤولية الرئيسة،
وبعضهم، ورغم أنه يملأ الفضاءات كلها انتقاداً للاستبداد، والدكتاتورية، والأحادية، ويرغي ويزبد انفعالاً بالكلام عن التعددية، والتداول على السلطة، وعن التغيير الديمقراطي الواجب والمخرج.. إلا أنه متمسّك بموقعه حتى الموت . موت حزبه، وموته جسدياً، رافضاً أي تداول في (بيته الحزبي)، أو في مجموعته الصغيرة لأنه يعتقد أنه قدرها، أو (أن الرفاق متمسّكون به) .. بينما التراجع هو السمة العامة، والظاهرة الفاقعة في عموم المعارضات العربية !!! …

                                                       ****

ولأن السياسة جرثومة تنخر عظامي وخلايايّ تناوبتني أفكار(خلاّقة) عن تحويل حالة الانتماء هذا إلى شيء فعال، فراحت تتزاحم المشاريع في رأسي بين إنشاء جمعية لنا نحن المبعثرين ـ المتعكّزين، أو نقابة الماضويين القانطين من الحاضر، اليائسين من المستقبل، لكن(دودة) الأحزاب والعمل السياسي راحت تنغل رأسي طاردة غيرها، خصوصاً وأن أكواماً من الانتقادات(الواقعية)
انهالت لتجريح وثقب تلك الأفكار والمشاريع ما قبل حزبية، إذ جرت عاداتنا العربية الرائدة أن تكون ملحقات بالأحزاب وتابعة لها وليس بديلها، وأن جميع الجمعيات، ومعها كل النقابات لم تعد سوى أندية لتكرار التكرار، وانتظار نتف من عظمة يرميها السلطان وأتباعه، وأن وزنها اللفظي والمدلولي ضعيف.. بينما كلمة حزب ترجّ في الأذن والعقل، وتملأ الفم بكلمات كبيرة، خصوصاً وأنني أزداد قناعة بأن جميع أحزابنا الرسمية وشبه الرسمية . الجبهوية والتحالفية . المحظورة والممنوعة والمسموح لها، والبين بين لم تعد لازمة كثيراً، ولا مقنعة حتى لمن بقي فيها من
عواجيز ومنتفعين ومتشقلبين وبرّاقين وبواقين، وانتظاريين وسلفيين، وما فوق مسقبليين ..وأن مسؤوليتي تحتّم عليّ المحاولة، خصوصاً وأنني أحمل في حنايايّ أكداساً من الخبرات والحصائل والدروس الفائضة المستفيضة عن النقص والخلل وعوامل الضعف والهامشية، وأزمة النظرية والنهج، والتجديد والتشبيب، والديمقراطية والحرية.. وأن كل ذلك يفرض الانتقال من التلاشي إلى الشيء، فعزمت وتوكلت، وقررت مفاتحة بعض من صار بيني وبينهم بعض الدردشات العامة.. ليكونوا النواة والبداية .

ولأن العطالة ملعونة، ولأن نساء كثير أصحابي يضطهدونهم، ويستغلون ضعفهم، ولا يقبلون مكوثهم في البيت(لكثرة النقار والتدخل في كل شأن تفصيلي)، ولأن بعضهم يشعر أنه قدر الأمة الذي كان لولا .. ولأنني أملك قدرة تزيين الفكرة المطروحة وما ستحمله من خيرات وفعل، وتعويض عن التهميش والتطفيش(التطفيش من البيوت .. فقط).. لاحظت تغييراً سريعاً عند معظم من فاتحتهم بفكرتي،
وعندما تعمّقنا أكثر في الخيارات والأسس والشروط الأولى، كان الإصرار وحيداً أحادياً على فكرة الحزب لا غير، لأن الجمعيات والنقابات لا قيمة لها ولا وزن، ومنافعها قليلة، أما الأحزاب فحتى لو كانت اسماً بلا مسمى فهي ذات قيمة، وفيها هيبة ورهبة للأعداء والخصوم(لم نك قد حددناهم بعد)، وهي سياسة، والسياسة حنكة، والحنكة تحتاج (الشيوخ) لما اكتسبوه من تجارب غنية في مدارس الحياة .. وأمور كثيرة فاض وباض بها أصحابي .. فأنهوا ترددي.. وقررنا ..

 لم يكن ببالي أن نضع محظورات وممنوعات على القبول وشروطه، وبذهني أن حزبنا هذا مفتوح على جميع حملة العكاكيز، حتى من كان يحمله بهورة ومَظهرة ونوعاً من عادة كانت ماشية قبل قرون وعقود، وأننا أقرب إلى التيار منه(حقيقة) إلى الحزب العقائدي ـ الأديولوجي، بل، إن أردنا الكلام بالسياسة لقلنا أنه يمثل جبهة عكازية حقيقية بكل المعاني والمقاييس، باعتباره يضمّ
ألواناً ومشارب وطبقات وفئات مختلفة تكاد تعكس تركيبة المجتمع(خاصة الطبقة الوسطى التي كانت، والمحرومين والمهمّشين، ويتامى الأحلام والقضايا).. فنكون بذلك قد ضربنا مجموعة عصافير بحجر حزبنا العكازي هذا ..

ـ لكن مجموعة من الاشتراطات الاستباقية ألحّت عليها غالبية(النواة)، وتركّزت بما يشبه(الفيتو) الذي لا رادّ له حول نقطتين تأسيسيتين : الأولى تمنع منعاً باتّاً قبول النساء العكازيات بكل صنوفهن، وأعمارهن، وأنواع عكاكيزهن، وإعاقتهن . والثانية وهي أشدّ غرابة : تحرّم قبول الشباب أيّاً كانت طبيعة الإعاقة، وأسباب استخدام العكّاز لديهم .

ـ عقلي الحداثي ـ التقدمي الذي يرفض التفريق بين الجنسين، والذي أُتخم صراخاً على مرّ العقود بواجب وشعارات تحرير المرأة ومساواتها بالرجل.. كان يمكن أن يتفهّم أسباب المنع العائدة في معظمها إلى(تداخل الذاتي بالعام)، حيث أن أغلبية (النواة) معقّدة من النساء لأنها مُضطهدة منهن، ومصابة بردود الفعل على(ردّ فعل النساء على الرجال بعد تقاعدهم وكهولتهم وما فعلن بهم
من نقار وشحّار وطرد من البيت، وتأفف من تلك العيشة معهم ..)، لذلك كنت أقرب إلى إظهار القبول بهذا الشرط ونفسي تحدثني على الالتفاف عليه لاحقاً بطريقة من طرق الالتفاف التي نتقنها، وباستخدام تكتيكات تدوّخ جدّ جدّ أصحابي هؤلاء .  أما التحريم الثاني فقد وقفت ضده بكل انفعال، بل ألقيت خطبة عصماء فجّرت فيها نقمتي على أخطاء الأحزاب(القديمة) التي تخلّت عن الشباب فاكتهلت قبل الأوان، وتأرشفت، وتحنّطت، ثم نامت في توابيت الاعتياد.. وكثير من الكلام الكبير الذي قذف به لسان منفعل . غير أن بعض المتحمسين من الرأي الآخر (ولم نك بعد قد حددنا قبولنا
بالرأي والرأي الآخر داخل حزبنا العتيد المنشود، وحقه بالوجود وعدم الفصل، وما هو أكثر من الفصل) تقدّموا بوجهة نظر بدت شديدة المعقولية والانسجام، فالجيل الجديد لا أمان له، ولا تربية ولا قيم، ولا أخلاق، ولا قضية له سوى ذاته ومصالحه الخاصة، وهو لا يؤمن بشيء مما نؤمن به، وفوق ذلك ليست لديه أية دراية بالسياسة والأحزاب، والتاريخ والتضحيات، والالتزام والانضباط والواجب والخضوع للقيادة ومن هو أعلى، والزمن الذي كان، وذهنه خال من حبّ الوطن والبذل في سبيله، وكثيره مخلوع الجذور والانتماء، مبهور، مبقور وارتباطه بالغرب الكافر ـ الفاسق أكثر
من ارتباطه بوطنه الذي ربّاه وعلمه وكبّره، حتى أنه لا يفكر ولا يحلم سوى بإيجاد طريق ـ أي طريق ـ للهجرة والهروب حتى لو كانت في قوارب الموت، أو بالتزوير والرشوة، وحتى لو عاش هناك عتالاً، أو أجيراً مستغَلاً، دون أوراق نظامية وملاحق من الشرطة، ومنبوذ من العنصرية.. وسيل من الأسباب التي جعلت قناعتي الأكيدة تهتزّ وترتخي، والانزياح إلى المنطقة الوسطى بحثاً عن الحلول الوسط التي غالباً ما تأتي في المخاضات والزنقات. الحل الوسط الذي اتفقنا عليه بعد مجادلات: تحديد السنّ العمري وفق تلك المناقصة التي دخلناها، والتي رست على سنّ الخمسين كحد
أدنى لقبول الأعضاء الجدد . (تجاوزنا حتى شروط بعض المذاهب التي تعتبر الأربعين سنّ النضج الحقيقي للعقل) ..

ولما اعتقدت أننا أنهينا بذلك (الإشكالات) الكبرى.. وإذ بغيرها تتفتّق من جهات مختلفة، خصوصاً في هوية الحزب وموقعه، وخطه السياسي ـ الأديولوجي.. وتفريعات كثيرة تدخلنا في تحديد رؤانا ومواقفنا من الصراع الدولي، والغرب، والصهيونية، والصين وروسيا، واليابان وفرنسا، والشيشان وأفغانستان، والعراق وفلسطين.. وصولاً إلى إسبانيا(رفض بعض الصحاب هذا الاسم وأصرّ على
اسمها الأصلي : الأندلس)، وبالطبع أمريكا وإيران، والهند وباكستان، والصومال والسودان، والسلطنة والمملكة، والتوريث والانتخاب، والشورى والديمقراطية، فالسنة والشيعة، والشيعة والشيعة، والإسلام والنصارى واليهود  وأصحاب الأخدود، وعلائم النصر والقيامة، وعذاب القبر والندامة، والمستبد العادل وغير العادل، ودار الإسلام وتفريقها عن دار الحرب.. وأشياء كثيرة وضعتني على حدّ سكين أحلامي(الخنفشارية)، وكأنني مراهق لم يتعلم درساً واحداً في طول وعرض حياته الحزبية والسياسية، بما في ذلك أكوام كتابات النقد والجَلد، فترحّمت مليون مرة على ما
كنّا فيه من أحزاب وتنظيمات واختلافات وتباينات وصراعات فكرية وسياسية لها رأس خيط  واضح، وفلك مشترك، وكنت أمام خيارين : إما أن ألغي ذلك المشروع من أساسه وأعود إلى سالف اعتيادي، وإما أن أقبل بالممكن . والممكن يحتاج إلى عمليات التفاف تخديرية كبيرة من خلال الأقوال التي لا لون ولا شكل لها سوى نبرتها الخطابية العالية، واختلاط زبد حماسها بمخاط الانفعال من خلال ما يمكن تسميته خليطة سحرية يجد فيها كل واحد ضالته، خاصة وأن الكلمات المطاطية تملك قابليات كبيرة على المرونة والمطّ والشد والابتسار والغموض، والتفسير الملتبس الذي يحمل أكثر
من معنى . ولأني شبه محترف، والسياسة في الدم، وعنيد لا يقبل التراجع، أو لأني تورّطت في حماسي ذاك.. قررت المضي معهم في مشروعنا الرائد على أن تتكفل المؤتمرات القادمة بتسوية التضاريس، وتليين الرؤوس اليابسة، وتبريد الحارّة منها، وتنويم هبّات الانفعال اللحظي بوسائل احترافية مجرّبة، خصوصاً إذا ما قُدّمت بعض المشهيّات والمغريات من أنواع الحلوى التي تكثر تقديمها الأحزاب لضبط الأعضاء، وتأمين انضباطهم(الحديدي)، والتزامهم بما تقرره قياداتهم الأبدية الفريدة، الموهوبة .

                                                        ****

وحتى لا أطيل كثيراً في تلك المعارك الكلامية التي خضناها تحضيراً لإعلان المولود، وتحديد هويته، فقد اكتفينا بالاتفاق على أن حزبنا المنشود سيكون معارضاً بالتأكيد والحتم للنظام القائم(كان الإلحاح على كلمة المعارضة يفوق وعيها)، لكنها معارضة حضارية، اتفقنا على اسم لها(المعارضة الناعمة) التي ترفض التشهير والبذاءة، وأي أشكال عنفية، حتى ولو بالكلام، وأي
سرّية، أو أعمال تآمرية، وأن المسؤولية الوطنية تقضي بقول الحق، فإن أصاب النظام(وما أكثر ما يصيب) أشدنا بما يقوم به، وأعلنا تأييدنا القوي له، ووضعنا(كل إمكاناتنا )إلى جانبه، وإن أخطأ تقدّمنا إليه بالنصيحة، وبمذكرات خطية لا لبس فيها ولا غموض ..

ـ العجيب الغريب أن طلب اعتمادنا قوبل بجوّ إيجابي على خلاف المألوف والمعمول به مع مشاريع حزبية أقل منّا (جماهيرية)و(فعّالية)، حيث بات من المعروف أن تأسيس الأحزاب أصعب من قلع العين، وأعقد من قلع الضرس وخلع الأظافر، وان قانون الأحزاب حبر على ورق الصحف القديمة، فهللنا فرحا بقرب صدور الموافقة ورحنا نحضّر(بكل همّة) لمؤتمرنا التأسيسي القادم.. بينما لم نقعد،
رغم حركتنا البطيئة، فترة الانتظار عن بثّ أفكارنا في أوساط المتعكزين، ووضع إعلانات في الصحف تختصر طبيعة حزبنا ودوره التاريخي المأمول، ومغرياته في التعامل مع أعضائه، وفي(إرجاع الوضع  إلى ما كان عليه في الزمن الجميل الغابر)، بينما كان العمل على قدم وعكّاز لأجل صياغة الخط الفكري ـ الإديولوجي، وقد آثرت التفرّد فيه خوفاً من جدل لا ينتهي حتى قيام الساعة، وبذهني انتقاء أفخم العبارات، وأكثر أوصاف العربية فصاحة وطولاً لإنجاز ما يمكن اعتباره : مشروعاً متكاملاً يجمع الأصالة بالمعاصرة . يستند إلى الماضي القديم القديم وإلى التراث،
وبالوقت نفسه يعلن عن عصرانية متميزة. أي عصرانية عربية لا شرقية ولا غربية، ملوحة بشمسنا القوية، وترابنا ورمال صحارينا الممتدة، وبفروسية شجعان رواد العولمة الذين لا يهابون اقتحام عواصمهم، وأرقى منتجعاتهم ونواديهم، وإظهار الكرم العربي الأصيل المتأصل في عموم المجالات والامتحانات.. وكنت شديد الثقة بما ستمنحني العربية من قدرات التمرير والتغرير، والالتفاف على المعاني والأفكار، وخلط الحابل بالنابل، وعبّاس بدبّاس للخروج بخلطة عربية صرفة تسكت أشد السلفيين في حزبنا العتيد، وتخرص بعض هؤلاء المتطرفين اليسراويين الذين كانوا يوما على
ضفاف التروتسكية، والحركة الشيوعية، والوجودية ..

ـ وعلمت من خبيث مقرّب من دوائر القرار.. أن أصحاب الشأن، وعلى غير العادة، رحبوا كثيراً بفكرة ومشروع هذا الحزب النوعي، وأنهم جد متفائلين بأن يقدّم(إضافة) نوعية إلى عالم الأحزاب التي أتعبتهم بحملها الثقيل، ومطالبها الكثيرة، وأمراض فقر الدم، وضعف المناعة، وتيبّس الرأس وتشمّع الأعضاء، وتكرر الجلطات، وأمراض الديسك، والبروستات، وغيرها التي تُحرج السلطات
العمومية فتضطر إلى إرسالهم للخارج للمعالجة بكل ما في ذلك من مصاريف باهظة بالعملة الصعبة، ومن نقد شعبي لنظام لا يقيم العدل بين مواطنيه حتى في المرض، وأمور كثيرة راح الخبيث يغمز فيها بكلمات مدغومة تشبه الألغاز، فتكررت لديه كلمات لا يهشّ ولا ينش ولا يكش ولا يتش، ولا يعرف سوى القضم والحش.. وكأن أصحاب الشأن يريدون تلقين درس للأحزاب المعتمدة(الحليفة والصديقة والشقيقة والرقيقة والرفيقة) بأنها هزلت، وبأن مجموعة عواجيز من حملة العكاكيز قد يكونون أكثر همّة وفاعلية وقناعة(القناعة تخص المال العام دوماً) من مجموع الأحزاب المعتمدة، وكأنهم
يريدون أن يكون حزبنا العتيد الواجهة والمرآة والكاشف . وعلمت أيضاً أن أصحاب الشأن أكثر ما يصرّون على أن يكون حزبنا معارضاً بامتياز، وفق تلك اللوحة الحضارية للمعارضة.. مما جعلني أستنتج بأن إلحاح بعض (نواتنا) على هوية المعارضة كأبرز عنوان وسمة.. لم تكن من إبداعنا الذاتي كما ندّعي، بل جاءت بوحي، وربما بضغط أصحاب الشأن(خبراء الوحي وأنواع الضغوط) ..

ـ المهم وجدت نفسي، مرة أخرى كبالع الموس المحبوس في قفص من صنعه، وحتى لا أطيل في تفاصيل كثيرة كانت تنبع كل يوم مثل همومنا وتراجعاتنا.. أوحى إلينا أصحاب الشأن أن صدور قرار الاعتماد سيأخذ وقتاً(نظراً للبيرقراطية الفرحة بدورها)، ولأننا معارضة إيجابية ناعمة جداً وحضارية، فبإمكاننا عقد مؤتمرنا متى نشاء، فقط بإضافة (تحت التأسيس) لاسم حزبنا (حزب العواجيز
المعارض)انتظاراً للشرعية، وأننا سنتلقى الدعم المقرر للأحزاب، وسيكون بإمكاننا مباشرة مهامنا بعد انتهاء أعمال المؤتمر ..

معركة اختيار أعضاء المؤتمر من بين من صاروا أعضاء في حزبنا قيد التأسيس لم تكن بالسهولة التي توقّعتها فقد حضرت فجأة كل أمراضنا الصديدية وراحت تنعق، وإذ بأكوام من عمليات التزويق والتبرير والتزوير تتزاحم لفرض عديد الأسماء من الأقارب والأبناء والعائلة والقرية وغيرها، إلى درجة أن البعض لم يتورّع عن تلفيق في الأعمار يتناسب وشرط السنّ عندنا، أكثر من ذلك، لجأ
البعض إلى تقديم شهادات طبيّة تثبت أن مرشحه معطوب من أيام التحرير حتى ولو كان عمره أقل من ستين عاماً، أو أنه يستخدم العكّاز فعلاً(ولم يكن ذلك دقيقاً، وكان معظم هؤلاء من الأبناء والعائلة والجهة)، وقد قبلنا على مضض كي نراضي الجميع فلا نزعل أحداً ونحدث أزمة تأسيسية لا يسمح الوقت الضيّق بالتفرّغ لحلها، ناهيك عن أن حضور أعداد كبيرة في المؤتمر تعني الكثير من الهيبة والعَظمة، ومن تخويف الشامتين والخصوم ووضع أعواد في عيونهم الحاسدة ، ولهذا لعبت كل مفاعلات التركيبة العربية، وأهمها الصحوبية والعائلية والجهوية، والخافي أعظم، ووصل العدد
إلى ما يزيد عن الألف ، وهذا رقم يعني أن ولادة حزبنا خصبة، وأن مستقبله يبشّر بكل خير.

ـ كان يوماً مشهوداً من أيام التاريخ.. ذلك اليوم المجيد الذي اجتمعت فيه إطارات الحزب التي اختيرت لعضوية المؤتمر بذلك المنظر المهيب وقد أمسك كل عضوّ بعكاز جديد موحّد أردناه إشارة وتعبيراً عن التوحّد والانسجام، والتجديد أيضاً، ولنضع في أعين الحسّاد والغيورين والشتّامين حصرماً(الحق أن جهة ما تتلطى خلف واحدة من المؤسسات العصرية، متعددة الجنسيات والأعمال
هي التي قدّمت لحزبنا العتيد تلك العكاكيز الموحدة كتبرع منها لوجه الله)، وراح قسم كبير يتبختر به وكأن حامله ليس الذي كان بالأمس على أرصفة الطرق يتعثر بحفرها ونتوءاتها ويلعن في سره البلدية والزمان، خاصة وأن الجميع بدّل لباسه بلباس جديد زينته ربطات عنق زاهية(الألبسة وربطات العنق تقدمة أيضاً من شركات ومؤسسات متعددة الأغراض والجنسيات، ومثلها أجرة القاعة والطعام والمشروبات والخدمات الراقية وغيرها من مظاهر البذخ المقصودة لإظهار مقدرات الحزب ودعم أصحاب الشأن لكل حركة معارضة أصيلة متأصلة، وتعاضد الشركات متعددة الخدمات مع كل جهد
وطني بنّاء)، وكان هدف تغيير اللباس يحمل بعداً اديولوجياً بعيد الغور : إثبات الحداثة، وأننا جزء من العصر والعولمة، ولسنا متخلفين وماضويين كما يدعي بعض الحسّاد والأعداء(خصوصاً الفئات العكازية الشبابية والنسائية التي  رفضنا قبولها في صفوفنا)، وأننا بقدر ما نحن تراثيين أمجاد بقدر ما نؤمن بعملية الدمج الخلاقة وتقديم إضافتنا التي ستسدّ فراغاً رهيباً لم تستطع جميع الأحزاب، بما فيها أحزاب( الحقيقة أنه حزب وليس أحزاباً) أصحاب الشأن أن تملأه ..

ـ عندما بدأنا تلاوة(التقرير العقائدي) الذي يحدد هوية الحزب وعمق فلسفته، وشموليته، وإبداعه في جمع الماضي بالحاضر وفق تلك الصيغة العبقرية، ورغم الاتفاق أن يمرّ التقرير دون نقاش كبير، لأن جدول الأعمال كبير، ووقت الضيوف ضيّق، خاصة من أصحاب الشأن وممثليهم وأتباعهم، إلا أنه مجرد ذكر أهم سمات حزبنا((الإيمان بالرأي والرأي الآخر داخله.. ليكون بذلك معلماً
جديداً، ومدرسة في تلقين الديمقراطية، وتكريس التعددية، ومقاومة الأحادية..)) إلا وصرصرت العكاكيز في حركة شبه منتظمة تدلّ على الحراك المتحرّك، وعلى أن الأمور لن تمرّ دون تعقيب، ودون ظهور حقائق الوعي والإيمان بما يتلى.. وقد أقسم بعض النافذين عندنا أن الأمور تحتاج النقاش وإبداء الرأي الواضح، وان بعض التعابير الفالتة يجب أن تضبط حتى لا يأخذ علينا أحد مأخذاً فتحمرّ العيون، أو ننقض العهود والاتفاقات مع أصحاب الشأن الذين تكرّموا برعاية المؤتمر وتشريفه بحضورهم الكريم، فدخلنا في الأخذ والرد، وإذ بنا نخرج من الموضوع إلى القشور، ومن
القشور إلى البثور.. ومنها إلى(الفضاء المفتوح) لما أدمنّا فعله في مؤتمراتنا واجتماعاتنا ..

ـ لن أطيل في تفصيل (الأفكار) الغرائبية التي تهاطلت، ولمامات التجارب وهي تتحارب بعكاكيز التاريخ الذي يرويه كل طرف وفق وعيه وتركيبته ومصلحته وشخصيته، وما سمعته من حذف وتأليف وتزوير وتشنيع وتمجيد، واحتراب لا يأتي إلا بالخراب، وقد أوغلت الماضوية فدخلت وهاد اختلاف الأصول والأعراق واللغات واللهجات والجهات، ومن آمن ودافع، ومن نافق واستنقع. من ركب الموجة
وزيّف التاريخ، ومن اعتلى صهوة الثروة وبنى أمجاداً كاذبة، وشهادات ملفقة، من عُطب واستشهد ولم يستفد، ومن أكل السبعة وذمتها وما زال يتنعّم في غلتها.. من ومن والنبش في قبور الماضي يفتح القروح وإذ بقيئها ما يزال يسيل ..

ووسط احتدام حراك العكاكيز وهي تتصارع وتتجادل عنفياً فيسمع أصواتها البعيد والقريب.. وجدت نفسي ألملم أشلائي وأنسلّ مهزوماً إلى الفضاء الخارجي علّي أتنفّس بعض هواء لم تخنقه حربنا العكّازية الضروس، وأحلامنا المهروسة ..

ـ فجأة استفقت من حلمي العكازي ـ السياسي، وما دريت هل هي  ما تبقى لأمثالي من أحلام، أم أنه اختلاط اليقظة بالواقع …..

 

                                                              الجزائر 18/5/2010

                                                                جلال / عقاب يحيى

             
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد