حل الدولة الواحدة ليس حلاّ

0

 

 
بقلم محمد رياض
في الوقت الذي بدا فيه جلياّ للعيان أن عملية التسوية الجارية للصراع الفلسطيني الصهيوني على أساس حل الدولتين قد وصلت إلى طريق مسدود وبات واضحاّ أن المشروع نفسه يواجه عقبات كثيرة لا يبدوا أنه بالإمكان تجاوزها أبداَ كقضايا اللاجئين والقدس وتقاسم المياه، الخ، بالإضافة إلى المعارضة الأيديولوجية والقومية المبدئية للمشروع.
 ولهذا فقد طفق على السطح مؤخراّ جمع من بني قومنا تفتقت ذهينياتهم عن حل غريب للصراع العربي الصهيوني يقوم على أساس دولة الواحدة للجميع أصليين ومستوطنين، المستلهم من تجربة جنوب إفريقيا.
وأنا هنا لن أتكلم عن معارضة المشروع من منطلقات مبدئية دينيةّ كانت ام قومية لسببين، أولهما أن اّخرين قد قاموا بذلك فعلاَ وثانيهما هو أن البديهيات الدينية والقومية لم تعد تقنع هذا الرهط من بني قومنا الذي قد أخذ على عاتقه مهمة الترويج لهذا الحل البائس، ولهذا عزمت على تبيان هزالة هذا الطرح من خلال عملية جدلية منطقية تحليلية هادئة قد تؤثر في البعض من مخلصي النوايا ممن قد جرهم غير المخلصين نحو تأييد أو تبني هذه الأطروحة الكارثية، ومن باب خاطبوا القوم على قدر عقولهم!
حتى لو قبلت إسرائيل بحل الدولة الواحدة كيف سنتجاوز العقبات التالية
 أولاَ: الحل يرتكز على قرار الامم المتحدة  194 (العودة بشرط أو التعويض)
المروجون لهذا الحل يسوقونه على أساس الإلتزام بقرارات الشرعية الدولية وأبرزها البند الحادي عشر في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم194  الصادر بتاريخ الحادي عشر من كانون الاول لعام 1948م .
بند رقم11 من القرار ينص على التالي ( اللاجئون الذين يرغبون في العودة إلى منازلهم والعيش بسلام مع جيرانهم يسمح لهم بالقيام بهذا بأقرب وقت عملي ممكن، أما الذين لا يرغبون في العودة فيجب حصولهم على تعويض عن ممتلكاتهم والأضرار التي لحقت بهم)  
ولك أن تتصور الألاف بل عشرات الألاف بل مئات الألوف من اللاجئين المساكين الذين سترفض الأمم المتحدة (المشرفة إفتراضياَ على العملية) طلباتهم للعودة بحجة ان الجانب الإسرائيلي تقدم بطعونات قانونية تثبت أن هؤلاء أو أقربائهم من قريب او بعيد قد تعاملوا في وقت ما مع منظمات (متطرفة) تدعوا لإزالة دولة إسرائيل أو للقضاء على الصهاينة في فلسطين ولذلك فهناك شك في إستعدادهم للعيش بسلام مع جيرانهم حسب الشرط الوارد في القرار اعلاه. يعني بعبارة مبسطة جداَ للذين ليس عندهم وقت للتمعن، حظاَ أوفر لأنصار وأعضاء حماس والجهاد والشعبية- القيادة العامة وكل أنصار الحركات والتيارات الفكرية أو التنظيمية التي تتبنى خطاباَ "عنيفاَ" تجاه إسرائيل أو المستوطنين المحترمين!
أما الذين لا يرغبون في العودة حسب نص القرار اعلاه فيجب حصولهم على التعويض، وهنا مشكلة أخرى فقبول التعويض لا يعني التنازل عن حق العودة فقط بل يؤدي إلى التنازل عن الجنسية الفلسطينية كذلك وإلى الأبد، وهذا واضح من نص القرار فإن قبلت بالتعويض فلا يحق لك العودة إلى تلك الارض.
فالقرار واضح لا تعويض لمن يختار العودة ولا عودة لمن يختار التعويض
ولنا أن نتخيل ايضاَ، الملايين من اللاجئين الذين الذين توطدت أقدامهم ولهم مصالح ثابتة في دول عربية وأجنبية ليس من السهولة تركها ورائهم والعودة إلى أرض الأجداد ليبدأوا حياتهم هناك من الصفر مجدداَ، كذلك الملايين من الفئات الفقيرة الذين لا يملكون ما يمكنهم من العودة والبدء بحياة جديدة بدون مقومات مادية مناسبة وسيكون خيار التعويض وإسقاط الجنسية هو الاكثر منطقية وجدوى بالنسبة لهم. وبعبارة اخرى الأغنياء جداَ والفقراء جداَ سيفضلوا التعويض على مغامرة العودة.
                                                                                   مشكلة لاجئي الأردن وبعض الدول العربية التي لا تسمح بإزدواج الجنسية العربية   
  يقطن في الاردن النسبة الأكبر من عدد اللاجئيين الفلسطينين في العالم والقانون الأردني كحال معظم قوانين الدول العربية لا يسمح بإزدواج الجنسية العربية، يعني في حال تطبيق قرار194 سيكون أمام قرابة ثلاثة مليون لاجئ في الأردن إما العودة والتنازل نهائياَ عن الجنسية الأردنية عند معظمهم أو الخليجية التي حصلت عليها أعداد قليلة منهم أو الإبقاء على الجنسية والقبول بالتعويض، البعض سيختار العودة بلا شك، لكن البعض الاّخر من الإقتصاديين وكبار الملاك وأصحاب الوظائف المرموقة في القطاعين العام والخاص لن يضحي بكل شيء ويختار عودة إلى المجهول.
   وهكذا يتبين انه وفقاَ للقرار194 الذي يطنطن له انصار حل الدولة الواحدة سيتم شطب الهوية الفلسطينية وحق العودة من الملايين من الفلسطينين كما هو موضح، والذي لم يستوعب الكلام اعلاه عليه إعادة قراءته مرة أخرى.
ثانياَ: العودة إلى اين بالضبط؟
المروجون لحل الدولة الواحدة يدعون إلى أن تكون في فلسطين دولة علمانية ديمقراطية لجميع سكانها (يعني أصلين وغزاة، أو مستوطنين أو قادمين جدد، الخ, وبإختصار وبعيداَ عن تزيين العبارات (بين عرب وغير عرب)
لنحلل هذا الطرح المشبوه الاّن: علمانية سنضعها جانباَ، لكي لا نتهم بالتطرف، ديمقراطية: يعني حق المواطنة والإنتخاب والمشاركة السياسية وتكوين الكتل البرلمانية وتشكيل الحكومة، الخ. يكون حقاَ مشتركاَ ومتساوياَ بين العرب (الأصلين) وغير العرب (الذين سرقوا أرض العرب..ما علينا والمسامح كريم).
لجميع سكانها: يعني عرب ويهود، وهنا مربط الفرس، فإذا إعتبرنا غير العرب مواطنين متساويين مع العرب في الحقوق والواجبات ضمن دولة للجميع، فليس من المعقول ولا من القانوني حينها إذن القيام بعملية تهجير جماعي لليهود من المدن الكبرى التي إستولوا عليها كالرملة واللد ويافا وعكا، الخ، والرمي بهم في الجبال والأرياف لتكوين مدن جديدة لهم وإعادة المدن القديمة ببيوتها وبياراتها وكل شيء فيها لملاكها السابقين، الأسهل طبعاَ والأكثر عملية هو تكوين تجمعات سكانية جديدة للعائدين الجدد الفلسطينين في الأرياف والجبال-يعني بناء مخيمات جديدة في الداخل ولكن هذه المرة بشبكة صرف صحي حديثة!!!!
هذه ليست نكتة بل هو طرح مدون في كتاب ضخم  لبروفيسور فلسطيني يعتبر من أبرز الدعاة لحل الدولة الواحدة ومن أبرز مؤسسي منظمة فلسطينية تتبنى الدفاع عن حق العودة في شمال القارة الأمريكية!
وإذا كان اللاجئون الفلسطينيون الذين سييجتازون إختبارات حسن السير والسلوك وسلامة النية ورفض وإدانة التطرف حسب قرار194 والذين سيتركون كل شيء ورائهم من أملاك ووظائف وأبناء قد لا يرغبون في العودة معهم في دول العالم وسيتنازلون عن الجنسيات العربية الأخرى التي ربما كانوا يحملونها ثم سينتقلون للعيش في مخيمات حديثة في الداخل الفلسطيني وليس في نفس القرى والمدن التي هجروا منها عام1948م، إن كان هذا ما سيكون فما الفرق حينها بين رام الله والجليل إذن؟ فمعظم هؤلاء العائدين سيفضلون السكن في المجمعات العربية الكبيرة في الضفة الغربية؟ أي ان الكثافة السكانية العربية ستتركز في الضفة ويبقى الساحل يهودياَ!
ومعروف أن إسرائيل لا تمانع في رجوع كافة اللاجئيين وبدون شروط194 التعجيزية إلى الضفة الغربية في حال قامت دولة فلسطينية هناك…يعني على الأرض وفي الواقع لا إختلاف جوهري بين أصحاب مشروع الدولة الواحدة واصحاب مشروع الدولتين ففي كلتا الحالتين سيرجع المهاجر من عكا إلى مكان أخر في فلسطين ولكن ليس إلى عكا بالتأكيد!
ثالثاَ : من هو اللاجئ؟
إن إستغرقت مفاوضات الحل السلمي على اساس الدولتين عشرين سنة لنكتشف بعدها أننا لا زلنا نبرح مكاننا مع المفاوض الصهيوني فسنحتاج إلى أضعاف ذلك الوقت لنكتشف أننا لم نتوصل مع المفاوض الإسرائيلي إلى تعريف متفق عليه لمن هو اللاجىء الذي ستسمح له إسرائيل بالعودة.
اسرائيل تصر أن القرار194 يتعلق فقط بلاجئي العام 1948م انفسهم وأنه لا ذكر في القرار لأبنائهم وأحفادهم (لا تنسوا مرجعية أنصار الدولة الواحدة الرئيسية لحق العودة هي القرار194 )
طيب، بعد مفاوضات حول التعريف ستدوم 20سنة سيحال الأمر إما لمجلس الأمن ليفسر لنا من هم المعنيون بالقرار أو لمحكمة العدل الدولية.
نعرف طبعاَ من يسيطر على مجلس الأمن ولصالح من…ولكن هل يعرف هؤلاء أنه لو احيل الامر للمحكمة فلربما تحكم للإسرائيلين، لأن النص الحرفي للقرار قد يحتمل هذا المعنى!
ولربما إستعانت المحكمة حينها بخبراء قانون دولي ليفسروا المعنى المقصود باللاجىء، وإن إحتكمنا للقانون الدولي فقد يفقد الملايين من ابناء الفلسطينين المقيمين في أوروبا وامريكا مثلاَ صفة لاجيء لإكتسابهم جنسيات تلك الدول بمجرد الولادة على ارضها.
 
رابعاَ: من سيشكل الاغلبية في الدولة الواحدة؟
هذه هي الشماعة التي يتعلق بها أنصار الدولة الواحدة (لا ادري ربما سيسميها البرلمان اليهودي- العربي المشترك حينها فلسطرالافاكيا)، لماذا القلق؟ الفلسطينيون سيشكلون الأغلبية ويسيطرون على الحكومة وكل شيء سيكون على ما يرام عندها!
طبعاَ ربما ينطلي ذلك على بعض السذج ولكن ليس على الجماهير العربية بإسرها، لكن للتبسيط سأحاول طرح الإشكاليات التالية في هذه الفرضية:
أولاَ:  بعد إستبعاد كل من سبق ذكره اعلاه، المتطرفين، المرتبطين أو المتعاطفين مع منظمات متطرفة، الفقراء الذين سيضطرون مرغمين للقبول بالتعويض، الأغنياء الذين سيقدمون مصالحهم الشخصية والمادية وإرتباطاتهم الإجتماعية على العودة وترك كل شيء ورائهم، الاّخرون الذين سيفضلون عدم التنازل عن جنسيات عربية أخرى على العودة، ابناء المهاجريين العرب في الدول الأجنبية والذين سيتم شطبهم من قوائم اللاجئين..بعد كل هذا من سيضمن أن يشكل الفلسطينيون الأغلبية في الدولة المنتظرة، وإن شكلوا أغلبية ليست كبيرة من يضمن فعاليتهم السياسية وتصويتهم الدائم لقوائم عربية وإن صوتوا من يضمن إئتلاف القوائم العربية فيما بينها وعدم التناحر الداخلي فيما بينها واللجوء للتحالف مع كتل يهودية لتحجيم وإقصاء بعضها البعض وغير ذلك مليون لو.
أما الحالة في جنوب إفريقيا فتختلف كلياَ، فالأفارقة الزنوج بقوا على أرضهم ولم يهجروا في أنحاء المعمورة لعقود عدة وهم يشكلون 80% من السكان ويعيشون على ويملكون 80% من مساحة أراضي الدولة ولهذا كان حل الدولة الواحدة الديمقراطية مثالياَ هناك ولكن قياس نفس الحالة على فلسطين لا يجوز لكل ما ذكر اعلاه.
ما الحل في النهاية.
الحل هو التركيز على ان فلسطين أرض عربية محتلة يجب أن تعود لسيادة الأمة العربية أما الأقليات غير العربية الغازية غير القانونية فيجب إحالتها إلى القضاء العربي المستقل لينظر في أمرها؟
فالقضية هي قضية ملكية شعب لأرض تعتبر أرض اجداده وتراثه وحضارته لا يمكن التنازل عنها وفق قرار دولي والقبول بالتعويض

 واخيراَ ما يجب ان نطنطن له وتطنطن له الجماهير ليس عودة اللاجئين وفق قرار194 السخيف والظالم بل ضرورة عودة فلسطين نفسها للأمة العربية

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.