رحلة العمر 2 (قصة قصيرة) م. زياد صيدم

0

حلقة 2

 

هو: أغلق الكبينة بإحكام على نفسه، وأدار مفتاح التشغيل…

 

الآلة: بدأت في إصدار صرير وضوضاء كهدير البحر في يوم عاصف.. بفعل دوران مقدمتها المعدنية المدببة على شكل حفار كبير .. يستعر ضجيجها .. فتزداد جلبة المتجمهرين من حوله.. كان صوت الحفار يخرق الأذان.. ويبعث على النفور مستفزا حاسة السمع بقوة.. دخان اسود يخرج بكثافة وقد حجب الجموع عن رؤية الآلة ..ما لبث أن تحول إلى لون رمادي داكن.. يهدأ صوتها قليلا ثم يستعر من جديد بصرير حاد.. كانت مقدمتها تتجه إلى أسفل عن طريق رافعات قوية منزلقة.. تبدأ في النزول إلى باطن الأرض.. وتختفي عن الأنظار شيئا فشيئا…

 

هي: ظلت محدقة بنظرها صوب الكبينة.. بينما الحفار يغور في أعماق الأرض.. حتى تلاشى عن الأنظار.. وأخفته الرمال المنهارة من جوانب الحفرة الضخمة.. التي تكونت في بدايات اختراقه لباطن الأرض..لحظات ثقيلة وقاسية كأن الزمن توقف عن الدوران في مخيلتها وهى شبه غائبة عما يدور من حولها !.. حتى تلاشى صوت الحفار نهائيا.. وما تزال المسكينة غارقة في سرحان ذهنها، على وقع ضربات قلبها المتلاحقة حتى يكاد أن يقفز من صدرها..  تسمرت في مكانها كتمثال من جليد  قبل أن ينهار لاحقا، على وقع الحقيقة، و شمس الصيف الحارقة .

 

هم: بدءوا فئ التململ.. وعلامات الاستهجان والذهول ترتسم على وجوههم.. التي  غير معالمها الغبار والدخان المحترق بكثافة.. الذي كان يتصاعد من وراء الحفار.. حتى انسحبوا منفضين، وعيونهم ما تزال جاحظة من هول ما رأوا، ، فهم من ذهولهم كانوا غير مصدقين ما حدث .. ما بين الحقيقة والخيال..

 

هي: بعد مرور ساعة ونيف.. استعادت شيئا من وعيها..و أيقنت بان الرحلة  في بدايتها.. وأن انتظارها سيطول،وبدأ الرعب والخوف يغمر قلبها .. لكنها ما تزال على أمل!

 

هو: يغوص متعمقا في باطن الأرض .. يقطع مسافات عميقة  .. حتى اشتدت الحرارة من حوله، بالرغم من وجود عوازل حرارية للوقاية.. لم يفكر بالعودة.. وإنما في المضي قدما إلى باطن الأرض.. كان يريد الوصول إلى كنوز لا نهايات لها..ثم يعود بالمجد وظفر الاستكشاف .. وتغيير الواقع المستفحل فيه الفقر والجهل ..كان يريد تغيير الحال رأسا على عقب لأهله وبلده..الآن فقط ، يصرح معلنا بالحقيقة لنفسه!  فلا احد سواه  كان سيعلم غرض رحلته العجيبة إن لم يستطع العودة ثانية، وحدث ما لا يتوقعه..وهو احتمال واقع أيضا.

 

هي: غاب أسبوع ولم يعد.. مرت شهور ولا خبر عنه؟ ومن يحضر الأخبار؟ لن تجد من يبل ريقها بشيء.. فالمكان الذي قصده زوجها درب من المستحيل ..لا احد يستطيع فعله أو اللحاق به.. وفى ذات صباح يطرق بابها شخص غريب عن البلدة! يعطيها رسالة كتبت على ورق ليس كالورق المتعارف عليه ! كانت بخط يده.. فرحت، استبشرت، بكت، ثم تماسكت نفسها.. وبدأت تقرا رسالته بصمت: زوجتي العزيزة.. أنا بخير، وقد وجدت أناس يفرحون كثيرا بمن يأتي إليهم ضيفا.. ويقسمون بان لا يفارقهم حتى يزوجونه من احد بناتهم، وإلا فالموت المحتوم مصيره..وشرطهم أن  يعيش معهم مدة خمسة أعوام متتالية.. قبل أن يتركوه يعود من حيث أتى.. تطوى الرسالة بين يديها المرتجفتين ..تلطم خديها.. لكنها تتقبل قدرها .. تلتف بجسدها لتشكر ذاك الرجل.. فلا تجده؟  فقد تبخر تماما!!..

 

مرت شهور طويلة وهى تنتظر.. تحسب بدقة مرور فترة الخمسة أعوام بفارغ الصبر..حتى قرأت  صدفة خبرا يقول: " أفاد بعض علماء الفضاء والجيولوجيا.. بان الزمن في الفضاء الخارجي  والأعماق السحيقة من الأرض.. يختلف كليا عن زمننا بمعدل كل مائة سنة عندنا.. تقابلها سنة واحدة هناك"..

تسقط مغشيا عليها.. ويصدمها بعنف، خبر الصحيفة المفجع !.

 

– يتبع –

 

 إلى اللقاء

 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.