فاجأ الرئيس اليمني علي عبد الله صالح يوم السبت شعبه والرأي العام بقوله إنه سيتخلى عن السلطة، وقال في كلمة أذاعها التلفزيون اليمني “أنا أرفض السلطة، وسأرفضها في الأيام القادمة.. سأتخلى عنها”، لكن واقع الأحداث يشير إ…
فاجأ الرئيس اليمني علي عبد الله صالح يوم السبت شعبه والرأي العام بقوله إنه سيتخلى عن السلطة، وقال في كلمة أذاعها التلفزيون اليمني “أنا أرفض السلطة، وسأرفضها في الأيام القادمة.. سأتخلى عنها”، لكن واقع الأحداث يشير إلى أن الرئيس اليمني طالما ردد أحاديث كهذه دون أن ينفذها فعلا. ويرى مراقبون أن تلك التصريحات مجرد مناورات سياسية. ففي يونيو/حزيران 2006، أعلن صالح في المؤتمر الاستثنائي لحزبالمؤتمر الشعبي العام الحاكم نيته عدم الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة يوم 22 سبتمبر/أيلول 2006، مما أجج حالة من التوتر لدى صفوف مؤيديه، في حين قال معارضوه إن صالح يناور ويستعرض. وشدد صالح حينها أن قراره ليس مسرحية سياسية، وأنه جاد في عزمه عدم الترشح للانتخابات الرئاسية، لكن الرئيس بعد ثلاثة أيام فقط من تصريحاته النارية تلك عاد وأعلن قبول “الضغوط الشعبية” لإعادة ترشيحه لمنصب الرئاسة، وهو ما جرى فعلا بعد ذلك. أما باقي التصريحات النارية حول التنحي، فقد تكررت خلال العام الجاري ثلاث مرات، فمجريات الربيع العربي قلبت الطاولة وغيرت أصول اللعبة السياسية، كما أن المعارضة اليمنية التي كانت ترجو الإصلاح، أصبحت تطلب رحيل الرئيس بضغط الثورة الشعبية السلمية في شوارع اليمن. المعارضة اليمنية قللت من شأن
تصريحات علي صالح (الجزيرة)لا تمديد ولا توريث
ففي 2 فبراير/شباط الماضي أعلن صالح أنه “لا تمديد ولا توريث”، وقال إنه لن يسعى إلى تمديد فترة رئاسته عندما تنتهي عام 2013، مؤكدا أنه لن يكون هناك توريث الحكم لنجله أحمد قائد الحرس الجمهوري والشخصية النافذة في مؤسسات الحكم. واستبق الرئيس اليمني التجمع الحاشد في “يوم الغضب” الذي أقامته قوى المعارضة يوم 3 فبراير/شباط الماضي، ليؤكد أنه “لن يكون هناك تمديد ولا توريث ولا إعادة عقارب الساعة للوراء“. وأعلن صالح حينها التخلي عن تعديلات دستورية تسمح له بالترشح لولاية جديدة، كما أكد التخلي عن إجراء الانتخابات التشريعية في أبريل/نيسان. وقال آنذاك في اجتماع استثنائي مشترك لمجلسي النواب والشورى “ليكن معلوما أني لن أسعى لنقل السلطة إلى ابني أحمد كما يتردد، كما أني سأكتفي بالفترة الرئاسية الحالية ولن أطلب التمديد، فلا تمديد ولا توريث، وما يتردد عن ذلك أسطوانة مشروخة“. وبعد شهر من هذا الاعلان، أكدت المعارضة اليمنية توصلها إلى اتفاق على خريطة طريق مع هيئة العلماء باليمن تضمن انتقالا سلميا وسلسا للسلطة خلال عام، وتوفر خروجا آمنا ومشرفا للرئيس صالح. وقضى الاتفاق حينها بأن يعلن الرئيس للشعب خطوات نقل السلطة ويحدد موقفه منها بالقبول أو الرفض، لكن صالح أعلن بعد أيام في حشد جماهيري كبير من أنصاره بأكبر ملاعب صنعاء الرياضية عن مبادرة جديدة لحل الأزمة اقترح فيها استفتاء على دستور جديد قبل نهاية العام 2011، والانتقال إلى نظام برلماني تتمتع بموجبه حكومة منتخبة برلمانيا بكافة الصلاحيات التنفيذية.
الربيع العربي غيّر قواعد اللعبة السياسية باليمن (الجزيرة نت)
أياد أمينة
وفي 27 مارس/آذار الماضي ألقى صالح كلمة أمام أنصاره نقلها التلفزيون الحكومي، أكد فيها عدم تمسكه بالسلطة واستعداده للتخلي عنها حقنا للدماء، لكنه اشترط أن يتم تسليم السلطة إلى أيادٍ “أمينة” لا إلى أيادٍ “حاقدة وعابثة ومتآمرة“.
ووصف الرئيس في كلمته بعض معارضيه بالمغامرين والمتآمرين، وأنهم “يريدون أن يحصلوا على السلطة من فوق جماجم الشهداء والأطفال”. وأضاف مخاطبا الحشود المؤيدة “نحن معكم، ثابتون وصامدون أمام كل التحديات“.
وبعد ذلك قدم الرئيس اليمني عرضا للمعارضة خلال اجتماع عقده مع رئيس حزب التجمع اليمني للإصلاح الإسلامي محمد اليدومي أواخر مارس/آذار الماضي، مؤداه أن يستمر في منصبه إلى حين إجراء انتخابات، على أن ينقل صلاحياته إلى حكومة انتقالية، لكن المعارضة اعتبرت أن صالح يكثر المقترحات ويقوم بمناورات ليطيل عمر نظامه وينقذ أسرته.
وقالت وكالة رويترز إن صالح في اجتماعه مع اليدومي بدا أحيانا تصالحيا وأحيانا أخرى متحديا، وهدد بعدم تقديم أي تنازلات أخرى للمعارضين المطالبين برحيله، لكن محادثات أخرى كانت تجرى خلف الكواليس قالت عنها المعارضة إن الرئيس يناور للحصول على ضمانات بأنه وعائلته لن تتم محاكمتهم مستقبلا بتهم الفساد.
ويأتي اجتماع صالح مع اليدومي بعدما قدم للمعارضة يوم 23 مارس/آذار الماضي وثيقة تتضمن مقترحات جديدة لحل الأزمة في البلاد تتضمن تشكيل حكومة وفاق وطني وإعداد دستور جديد بالإضافة إلى انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة قبل نهاية السنة.
المبادرة الخليجية تراجع صالح عن توقيعها ثلاث مرات (الجزيرة-أرشيف)الحكمة التاريخية
وقال صالح في رسالة وجهها إلى جماعات المعارضة في محاولة لتسوية الخلافات، إن “اليمن بحاجة إلى الحكمة في هذه اللحظة التاريخية حتى لا ينزلق إلى العنف الذي سيدمر المكاسب ويترك البلاد في مواجهة مصير خطير“.
لكن المفارقة أن عرض الرئيس اليمني جاء بعد ساعات من موافقة البرلمان على طلبه إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوما، وهو ما يعني تعليق الدستور وحظر المظاهرات والسماح بالاعتقالات التعسفية وفرض الرقابة. وكان صالح قد أبدى في نهاية فبراير/شباط 2011 استعداده للرحيل عن السلطة بعد حكم استمر 32 عاما “شريطة انتقال سلس للحكم، ومن دون أعمال الفوضى”، وأشار إلى أن المطالب بإسقاطه أثرت على اقتصاد البلاد. وقال صالح خلال لقاء بعشرات من علماء الدين “لقد سئمنا السلطة بعد 32 عاما والناس سئمونا، لكننا نريد انتقال الحكم بطرق سلمية“. وحذر صالح من انقسام اليمن إذا وصلت المعارضة إلى السلطة, وقال “لن يقدروا على أن يحكموا أسبوعا واحدا، وأجزم بذلك وبأن اليمن سينقسم إلى أربعة أشطار“. وقال صالح مخاطبا علماء الدين من الزيدية والشافعية، “اتفقوا فيما بينكم على الخروج بحل يفضي إلى خروج اليمن من محنته، وستكونون أنتم من بيده الحل والعقد“. وبعد هذا التصريح بنحو أسبوع، ولدى تسارع وتيرة استقالة مسؤولين حكوميين ورجال أعمال من الحكومة ومن حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم، قال الرئيس اليمني إنه سيبقى في منصبه حتى نهاية ولايته عام 2013، رافضا خطة المعارضة لتنحيه بنهاية 2011، وعرض بدلا منذ ذلك التخلي عن السلطة عندما تنتهي ولايته الحالية وتبني حزمة إصلاحات سياسية أقل طموحا. ويضاف إلى جملة مواقف وتصريحات الرئيس اليمني بشأن الحكم، أنه تراجع بالفعل ثلاث مرات عن التوقيع على مبادرة السلام الخليجية المنجزة منذ أربعة أشهر والتي كان من شأنها تشكيل حكومة تتزعمها المعارضة، ونقل السلطة إلى نائبه قبل انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة.
