(صباط، كلب، جرذ، حثالة، إمعات و… إلخ) مفردات لغة القهر الاسدي وعفوية (السبع بحرات)..!
كم أشعر بالعار من لغتي العربية، وكم أشعر باليأس والإحباط حين أكون مضطرا للاستماع إلى ما بات ينطبق عليه وصف : أبواق النظام السوري.. فهم ينفخون في وجهونا كما من الاستغباء والاستحمار المرفوضين في زمن كشف لنا زيف شعارات عنترية
كنا قد صدقنا بعضها باسم “المقاومة والممانعة” لمواجهة الإمبريالية والصهيونية. وقبل اكتشافنا لخديعة العقل الذي يتم اغتياله منذ 8 أشهر باسم “سيد الوطن” في سوريا وقبلا “القائد” في ليبيا و “الريس” في مصر “الزعيم” في اليمن وقبلها جميعا “المجدد” في تونس.. المشترك بين هؤلاء جميعا:
جمهوريات وراثية.. يدعي في كل منها شرعية زائفة ومفضوحة، تبين مع كل الحالات أن الفرد المتمثل في كل رئيس منهم أنه يملك كما هائلا من قدرات التدمير المنهجي لمجتمعه وشعبه في سبيل البقاء في سدة الحكم مع مافيا اقتصادية وعسكرية- أمنية وسياسية واجتماعية ثقافية.
ما كشفته لغة القذافي أنها لغة مشتركة عند كل الطغاة الديكتاتوريين” جرذان وجراثيم ومندسين وحثالات وإمعات وعملاء ومندسون وعصابات سلفية وصهيونية وأميركية وقطرية ووهابية”.. ولم تكن لغة مبارك المخلوع أقل حدة على لسن طبقة مرتبطة به من مستويات متعددة في المجتمع وحتى على لسان أحمد شفيق ولولا وجود شيء من قشور الديمقراطية والمؤسسات في مصر لكانت فجاجة الخطاب تعدت خطاب بشار الأسد ومعمر القذافي، ومبارك الذي صفق لخلعه وئام وهاب وأقطاب نظرية “خلصت” اكتشفنا مع هؤلاء جميعا من المهللين لسقوطه وفقط حين حطت الثورة العربية رحالها في سوريا أن “نظام كامب دافيد” كان ملاكا وقد تعرض لمؤامرة غربية كبيرة، ما يعني أن الأسد يتعرض بالتالي، كونه لا يشبه مبارك “المستسلم” وهو من صنف “الممانع”، يتعرض لمؤامرة كونية تتجاوز الغرب لتصبح أضلاع المؤامرة كل شيء بين السماء والأرض..
اليوم، 12 تشرين الأول، كانت قناة “المؤامرة” الجزيرة تنقل من ساحة تسمى “السبع بحرات” في دمشق ذات الكلام عن المؤامرة على لسان خالد عبود: مؤامرة كونية على حفيد علي بن أبي طالب وحفيد الحسن والحسين! ثم يخاطب عبود العرب قائلا : أنظروا يا كلاب الصحراء كم شعبنا مؤيد لقائدنا.. فهل هذا هو البلد القومي العربي الذي ينتج لغة أقل ما توصف لغة يخجل منها أبناء الشوارع ليذموا العرب بهذه الطريقة الوضيعة؟
زيادة أخرى نكتشفها: لا يمكن للجيش السوري أن ينشق رغم أن الملائكة يمكن أن تنشق عن الله، أي أن نسب السيد الرئيس بشار الأسد ابن حافظ الأسد والذي تسلم الحكم وراثة من أبيه وهو في سن 34 عاما يستحق أن يكون “أميرا للمؤمنين” وراثة ولو وصل الأمر لتوريث الأمر لحافظ الثاني.. ومن بعده بشار الثاني.. فعلى السوريين إذا أن يسلموا بما لم يسلم به المسلمون الأوائل وحاربوه واحتربوا على مسألة الخلافة وقتل بعض الصحابة على تلك الخلفية ويراد من السوريين دونا عن شعوب “الكون” أن يقبلوا “صباط” الأسد ومن لا يفعل يكون في خانة يصنفها لنا أمثال السيد طالب إبراهيم ومن ثم بسام أبو عيد الله: جرذان وإمعات! وفي تخفيف للغة الصادرة عن “أستاذ جامعي” يكون من يرفض نظرية ” مطرح ما بتدوس منركع نحنا ومنبوس” ( أي المكان الذي تطأه قدمك نركع لنقبله) يكون “عميلا”.
“الأسد باق حتى لو لم يبقى سوري واحد”
هل يستحق الشعب السوري والعرب هذه اللغة التي يخاطبه بها “مثقفي السلطة” ومشايخها؟
ما يقوم به هؤلاء هو بتر وتدمير منهجي وشرذمة للمجتمع السوري، فمن يذم العرب بهذه الطريقة المخجلة ويتطاول عليهم ويصفهم بالتخلف والجهل والتـأخر ولغة أخرى يرددها مؤيدو الأسد كـ” البعران” و “الأعراب” ( مع الاعتذار لنقل الأوصاف) هي ليست لغة الشام العربية ولا لغة الآداب التي صدرتها سوريا للعرب. هي لغة لا تمت للسوري الأديب العربي في الصميم والإنساني في سوريته مهما كان انتماؤه العقدي أو القومي أو العرقي أو الإيديولوجي. وليست لغته تلك التي يقدمها مفتي بشار الأسد حيث وضع الجاليات السورية وغير السورية في مأزق خطير في بلاد الاغتراب: استشهاديين منا يعيشون بينكم..
أشعر بالغضب على غياب هشام شرابي وادوارد سعيد.. وأشعر بالخزي على تسيد لغة منحطة تصنف عزمي بشارة في خانة “المفكر السابق” فقط لأنه حلل الأمر على نحو لا يصب في خانة تأليه “حفيد علي”.. ولو كان عليا حي يرزق لرمى هؤلاء الجهلة بما يستحقون ولشهر سيفه يسأل عن حرية الناس لا عبوديتها ولا استلابها العقل لمصلحة توكيد طغاة مستعدون لفناء شعب كامل لأجل “سيد الوطن” وقد قالها صريحة بسام أبو عبد الله في الاتجاه المعاكس: حتى لو لم يبقى سوريا واحدا!
يعيد هؤلاء سرد لغة استحمار عقولنا و استغباء وعينا : لقد كان حمزة الخطيب في مهمة “سبي”.. أي أن استنباط أية مفردة وحشوها في عقول مشاهدي قناة “الدنيا” من خلال قناة “المؤامرة والغرف السوداء” الجزيرة.. فطفل كحمزة الخطيب ابن الثلاثة عشر ربيعا استحق القتل والتعذيب الهمجي لشيء واحد: كان في طريقه لسبي النساء! لا أعرف كيف ومتى صار ممكنا الاستهزاء والاستحقار لقيمة الدم البشري في سوريا لمجرد أن السرد يضم عبارات: كلاب وحثالات ومتخلفون وجراثيم.. وأضيف عليها جرذان هذه المرة..
ما أعرفه أن هؤلاء الذين يقدمون أنفسهم أساتذة في الجامعات السورية وأطباء أسنان ومخبرين يُقدمون كباحثين في الشؤون الإستراتيجية فنكتشف من خلالهم رداءة المنهاج اللغوي وانحطاط المفردات التي يراد للمجتمع السوري أن يتبناها في تعاملاته وقراءته اليومية أفقيا وعموديا.. فيتفاخر مثلا هؤلاء في اللعب على اللغة العربية وبذات المنهج الصهيوني الذي يجيب على أسئلة محددة بمزيد من الأسئلة: لقد انفضحت مؤامرتكم ومؤامرة الجزيرة بالنسبة لزينب الحصني.. هذا التلاعب والتشويش لا ينجح أبدا في الإجابة على أسئلة الإنسان السوري: من الذي سلم جثة أنثى سورية لأهل زينب ؟ ولمن هي الجثة الأخرى التي تم دفنها؟
تلك الأسئلة لا تهم هؤلاء الذين لديهم مهمة واحدة ذكرها عزمي بشارة في بداية الثورة السورية: التشويش وليس أي شيء آخر.
إسفاف اللغة والتشويش
فهل استطاع هؤلاء التشويش على ما يجري في سوريا طيلة ثمانية أشهر؟
ما تقوله الوقائع هو فضيحة بكل المقاييس والمعايير، فقد تعرف المشاهد العربي على لغة التهديد والوعيد التي يجيدها رجال الحكم في سوريا من الوجوه التي تتحدث باسمه، فقد قامت حملات حثيثة ضد صحافيين ومذيعين سوريين في قنوات عربية ليقدموا استقالتهم عربونا لوطنية وولاء للأسد.. وقد فعل بعضهم وبعضهم مُنح شهادة “خيانة” لأنه حافظ على ما تبقى له من حرية شخصية وعقل يفكر به دون أن يؤجره لغيره للتفكير عنه وله..
منذ البداية بدت خطابات أعضاء مجلس شعب وصحفيين مغمورين ومُقحمين على القنوات الفضائية تعمل وفق منهج إشاعة الأكاذيب على الشعب العربي والسوري:
ما جرى في تونس ومصر وليبيا واليمن مجرد مؤامرات!
يستشهد هؤلاء ببضعة مواقع الكترونية للدلالة على وجود المؤامرة ونشروا وثيقة في موقع فيلكا إسرائيل المعروف المصدر وكرروا مئات المرات تلك الوثيقة المزعومة لتسويقها..
يتبين أن حسني مبارك كان ضحية مؤامرة رغم أن “المنار” وباقي القنوات ومنها الجزيرة كانت مرجعية في فهم الثورة المصرية ومباركتها.. ويتبين أن الليبيين كان يجب أن يقبلوا بذبحهم وقتلهم كالجرذان على يد مهووس وابنه لكي لا يتهموا بأنهم ” كرازايات الناتو” ( هكذا حرفيا يقول بسام ابو عبد الله).. لا يرى أبواق النظام السوري المقابر الجماعية التي يكتشفها الليبيون يوميا، ولا يشتغل هؤلاء سوى على كم من الكذب عن أرقام غير حقيقية عن قتل الناتو لـ50 ألف ليبي وهذا طبعا رقم غير حقيقي لكن التشويش يتطلب التهويل والكذب الدائمين.
يحذرون مما حدث في العراق رغم أنهم ساهموا في احتلال العراق واحتضنوا معارضة صدام في أحضان المخابرات السورية وساعدوا الأميركي المحتل أيما مساعدة .. ثم يحتفون أخيرا بأحمد الجلبي ( الذي كانوا يسمونه العميل الأميركي) كثائر عربي في مؤتمر ببيروت برعاية حزب الله الذي يرى في البحرين ثورة وفي سوريا مؤامرة..
يرددون: الإصلاحات تمت في سوريا ولا يوجد أي شيء في سوريا وانتهت العصابات المسلحة.. وما أن تخرج مظاهرة كبيرة في حمص حتى يتم اجتياح أحياء فيها تحت مبرر العصابات المتنقلة من مدينة لأخرى.. والإصلاحات تشمل كل شيء في سوريا ولم يبقى لا دبابات ولا اجتياح ولا قطع اتصالات وكهرباء ولا عشرات الآلاف من الذين تم اعتقالهم.. وحين يريدون تخفيف اللغة يقولون : الحوار مع المعارضة تحت سقف الوطن.. لكنهم لا يجيبون على سؤال : ولماذا تم قتل مشعل تمو ولماذا المعارضون يقضون سنوات في السجون بتهمة ” توهين نفسية الأمة” بينما خالد عبود يخاطب أبناء الأمة بـ” كلاب الصحراء”..
اللغة الطائفية التي تنتشر على ألسنة مؤيدي الرئيس الأسد هي ليست لغة موجهة للخارج بل يلمسها الإنسان السوري في ظل كل اجتياح للقرى والمدن.. والسؤال المتكرر مع عمليات الاهانة والإذلال ” بدكن حرية” والطلب من الناس بالهتاف ” لا اله إلا بشار” ليست مسألة غير منهجية في تكرارها المتنقل من قرية إلى أخرى.
ما يثير الانتباه حقا أن اللغة المستخدمة من قمة الهرم إلى أصغر خادم في الماكينة الرسمية للنظام السوري تركز على كل ما يمكن أن يسيء للشعب السوري وتاريخه وزرع التشظي وفرط عقد الوحدة الوطنية لمصلحة بقاء الأسد.. وما شعار “الأسد أو لا أحد” إلا تعبير يختزل كل الحكاية.. الحكاية التي ترى في السوريين خونة وعملاء ومتخلفون وحثالات وخيرة رجالاتها ونساؤها مجرد “إمعات” بينما تتمحور الإلوهية والعصمة والمقاومة في شخص الأسد ولا أحد غيره.. يعني أن سقوط الأسد سيعني أن ضياع الشعب السوري وضياع العروبة وضياع الكون ويتم المقاومة!
على هذا المنوال يشتغل البعض على مفردات كي الوعي وبتر التاريخ ” الأسد صانع تاريخ سوريا” وهذه أكبر الأكاذيب التي يسوقها هؤلاء وكأن سوريا ليس لها تاريخ ولا مستقبل إلا بوجود عائلة الأسد وتحالفاتها.. ويسيء الأسد ومافيا الحكم إساءة كبيرة لمكون أساسي في الشعب السوري ينتمي إليه وهو يلعب على الوتر الطائفي عبر أبواقه منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة السورية، ويعتقد هؤلاء أن لغتهم الموتورة تخدم قضية بقاء الأسد إلى الأبد كوريث لسلالة آل البيت ( وهي خطبة مستحدثة ووقحة من خالد عبود) وهو ما يزيد في استفزاز العقل والسوريين حين يعود من يعود إلى منزله هؤلاء المجبرون على الخروج في مسيرة “عفوية” من السبع بحرات بعد أن يتم تسجيل الحضور والغياب للموظفين الذين طُلب إليهم من أيام أن يكونوا متواجدين أمام دوائرهم وأماكن عملهم قبل أيام من “عفوية المسيرة المؤيدة للإصلاحات “.. العفوية هنا ليست موضع تساؤل ولا حتى خصم 10 بالمائة من الراتب.. لماذا نقول أنها ليست موضع تساؤل؟
لأن السوري يعرف الحقيقة، ولا يهم إن كان القذافي قبل سقوطه بأيام سير مثل تلك العفوية في “الساحة الخضراء” ولا ما كان يسيره بن علي ومبارك وعلي عبد الله صالح.. لا يهم لان ابن دوما وحرستا الذي يسمع أصوات الرقص والفرح وهستيريا المبايعة لقتلة قتلوا شبابا ونساء هناك بينما أخيه في الوطن يجر إلى ما لا يمت بصلة للعلاقات السورية بين أبناء المجتمع الواحد.. فليس في هذا العالم مشابهة لبلد منكوب بفقدان أطفاله وشبابه ونساءه ومحاصرة مدنه وقراه من حوران حتى البوكمال والقامشلي ووجود الآلاف المهجرين داخليا وخارجيا يقبل أن يرقص على عذابات ونكبة هؤلاء مواطنون آخرون!
حتى الذي يؤيد بشار الأسد لا يمكنه أن يقرأ ويسمع ويشاهد هذه المتناقضات الفاضحة في قتل هناك وأهازيج فرح ورقص هنا.. ولا يُقبل عند البشر أن يقال ” كلاب وفطست” للإشارة إلى الشهداء السوريين الذين يتم التعليق عليهم بهذه اللغة في الصفحة الرسمية لبشار الأسد على فيس بوك..
يذكرني أبواق النظام السوري ولغتهم بالكارثة القادمة التي يؤسسون لها في مستقبل سوريا، ولا يدرك هؤلاء أن الانتصار على “مؤامرة” الشعب السوري على “سيد الوطن” يضعهم في خانة المراهنة على ما راهن عليه مجدي الدقاق وبرهان بسيس.. فأين هم اليوم والعشرات غيرهم من مطبلي الطغاة؟
الياس س الياس




