سرت: الجرح الليبي المفتوح على المجهول

المعارك في سرت استمرت لأسابيع خلافا لما أعلنه المجلس الانتقالي بأن المدينة ستسقط خلال أيام

لم يتوقع حتى أكثر المتشائمين أن تحتاج قوات المجلس الانتقالي الوطني الليبي كل هذا الأسابيع للسيطرة على سرت.

هذه المدينة الصغيرة على شاطئ المتوسط، باتت تبدو مهجورة مهدمة منكوبة، أرهقت من شدة القصف والعمليات العسكرية، بعد أن كانت اشتهرت باستضافتها للقمم الافر

المعارك في سرت استمرت لأسابيع خلافا لما أعلنه المجلس الانتقالي بأن المدينة ستسقط خلال أيام

لم يتوقع حتى أكثر المتشائمين أن تحتاج قوات المجلس الانتقالي الوطني الليبي كل هذا الأسابيع للسيطرة على سرت.

هذه المدينة الصغيرة على شاطئ المتوسط، باتت تبدو مهجورة مهدمة منكوبة، أرهقت من شدة القصف والعمليات العسكرية، بعد أن كانت اشتهرت باستضافتها للقمم الافريقية وآخر قمتين عربيتين.

انعكاسات نفي صحة اعتقال المعتصم نجل العقيد معمر القذافي، معطوفة على عدم حسم المعركة رغم دخولها الاسبوع الرابع، تبدو واضحة على وجوه المقاتلين الذين أعياهم التعب.

لكن ذلك لم يحل دون استمرار المحاولة لاقتحام آخر الحصون التي يتمترس فيها الجنود الذين يقاتلون تحت راية القذافي الخضراء.

مربع صغير في المدينة، يعرف بـ “سكنية رقم اثنين”، هو ما تبقى أمام مقاتلي المجلس الانتقالي لوضع حد لأكثر المعارك التي شهدتها البلاد ضراوة منذ بدء الانتفاضة ضد حكم العقيد المختفي.

مساحة هذا الحي لا تتجاوز أربعة كيلومترات مربعة، قصفت بشدة على مدى الأيام الماضية، تمهيداً لدخول قوات المجلس والقضاء على من يتمترس هناك.

يقول محمد الحسن، نائب قائد فرقة المدفعية التي تقصف الحي، إن “الوضع تحت السيطرة والمكان محاصر من جميع الجهات”، وإن مقاتليه “يقصفون أهدافاً محددة بدقة لاعتقادهم بوجود مدنيين داخل المنطقة”، متوقعاً “القضاء على من تبقى من مقاتلي القذافي قريباً جداً”.

لكن لا شيء يوحي بقرب تحقيق هذا الهدف على ما يوضح سير العمليات على الارض بين كر وفر مستمر.

فعادةً ما يبدأ مقاتلو المجلس بالتقدم باتجاه مناطق القتال فور توقف القصف، لكن ما هي إلا ساعات قليلة حتى يعود المقاتلون منهكين، وهم محظوظون إن وجدوا قواتهم لا تزال تتحصن عند نفس الخطوط التي تركوهم عندها قبل مغادرتهم.

فالقصف العنيف لم يسكت رصاص المقاتلين على الجانب الآخر، هذا على الاقل ما تؤكده الجثث التي تكتشف هنا وهناك، والروايات التي يحكيها من أخطأته رصاصة قناص.

لم يتضح بعد عدد قتلى المجلس الانتقالي وإن كان تجاوز المئة بكثير، ولا يزال مرشحاً للمزيد في ظل استمرار العمليات العسكرية دون مؤشر على استسلام قريب للمقاتلين المؤيدين للعقيد القذافي.

“قناصة”

مقاتلو المجلس الانقتالي يقولون إن القناصة الموالين للقذافي محترفون ويتحصنون داخل أحياء سكنية

يقول أحد الجرحى إن هناك “قناصة محترفون جداً يتحصنون داخل الحي، يمتلكون مناظير حرارية، ويختبئون في مواقع تتيح لهم رصد أي حركة”، وإنهم يستهدفون “قادة المجموعات التي تدخل المكان لإرباك بقية المقاتلين وتشتيت حركتهم قبل الانقضاض عليهم”.

وأكد آخر أن مجموعته وقعت في كمين بعد أن كانت ظنت بأن المنطقة التي دخلتها آمنة، ليكتشفوا لاحقاً بأنهم محاصرون من قبل قوات القذافي التي امطرتهم بالرصاص متسببة بمقتل وجرح العديد منهم.

وأوضح المسعف الميداني محمد التيكار أن غالبية الاصابات التي تخرج من المنطقة هي بفعل قناصة، وبعضها ناتج عن رصاص عشوائي، ويتم نقلها خارج المدينة بعد إنعاشها.

ويعالج غالبية الجرحى لاحقاً في مستشفى العيادات التخصصية في مصراتة التي تبعد نحو 250 كيلومتراً غربي سرت، وينتمي غالبية مقاتلي المجلس الانتقالي لهذه المدينة التي دفعت ثمنا باهظاً جراء انتفاضتها المبكرة على حكم العقيد.

وتحذر مؤسسات دولية من اي انتهاكات أو انتقام قد يقوم به هؤلاء المقاتلين نتيجة ما تعرضوا له على يد كتائب القذافي.

وشاهد فريق بي بي سي مقاتلي المجلس يقومون بنقل أحد الجرحى من كتائب القذافي وإرساله لاحد المشافي الميدانية لتلقي العلاج، كما تم رصد عمليات مساعدة للمدنيين لمغادرة المكان وإمدادهم بالطعام والمياه.

تضميد الجراح

فريق بي بي سي في سرت شاهد عمليات مساعدة للمدنيين لمغادرة سرت

إلا أنه سجلت عمليات نهب واسعة للكثير من الممتلكات، وعلى الأخص في مركز “واغادوغو” للمؤتمرات الذي أُفرغ من غالبية محتوياته، كما تم سحب السيارات الرئاسية التي كانت موجودة في المكان من قبل بعض المقاتلين.

ولم يعد يلحظ خروج مدنيين من الموقع الذي تدور فيه المعارك حالياً، وإن كانت مصادر تؤكد استمرار وجود بعض العائلات المحاصرة تنتظر انتهاء العمليات العسكرية.

انتظار ربما يطول، إذ باتت التكهنات بموعد سكوت المدافع فاقدة لأي معنى، بعد أن ثبت عدم تحققها طيلة الاسابيع الماضية.

ورغم اتضاح أن المعركة باتت في مراحلها النهائية، إلا أن الجميع بات على يقين بأن النصر المنتظر سيكون فاقداً لذاك البريق الذي كان يأمل به قادة المجلس الانتقالي. فحين ترفع أعلام ليبيا الجديدة في مسقط رأس القذافي، ستكون سرت مدينة أخرى غير تلك التي كانت عليه قبل بدء العمليات العسكرية.

ويؤكد الكثيرون هنا أنه لن يكون من السهولة بمكان تضميد جراحها والانتقال لعهد آخر تم تأجيل رسم ملامحه بانتظار انتهاء المعارك.

المصدر: BBC

Exit mobile version