صفقة الأسرى.. طريق المصالحة

صفقة التبادل وحدت الفصائل والجغرافيا الفلسطينية وقربت المصالحة (رويترز)

أحمد السباعي

يروي مسن فلسطيني أنه لم ير هذا المشهد “الوحدوي” للشارع الفلسطيني -خلال حياته التي امتدت من دولة فلسطين إلى النكبة والتهجير والمرارات التي عاشها جراء ممارسات الاحتلال عبر التاريخ- الذي تشكل عقب نجاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في صفقة تبادل الجندي الإسر

صفقة التبادل وحدت الفصائل والجغرافيا الفلسطينية وقربت المصالحة (رويترز)

أحمد السباعي

يروي مسن فلسطيني أنه لم ير هذا المشهد “الوحدوي” للشارع الفلسطيني -خلال حياته التي امتدت من دولة فلسطين إلى النكبة والتهجير والمرارات التي عاشها جراء ممارسات الاحتلال عبر التاريخ- الذي تشكل عقب نجاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في صفقة تبادل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط مقابل 1027 أسيرة وأسيرا من الفلسطينيين.

ويقول المسن (84 عاما) إن الاحتفالات التي شهدتها كل من الضفة الغربية وغزة والشتات الفلسطيني أعطته أملا في أن يرى القيادات الفلسطينية والشعب يوما ما مجتمعين على قلب واحد وكلمة واحدة. 

أمنية العجوز حققتها على ما يبدو صفقة “وفاء الأحرار” التي كانت مفاوضاتها مبنية على أسس علمية ودقيقة وليست فصائلية، كما قال رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل.

وفي قراءة متأنية لتفاصيل الصفقة يبرز أنها نجحت إلى حد كبير في تجسيد الوحدة الوطنية الفلسطينية شعبيا، وفصائليا، وجغرافياً، وحتى اجتماعيا.

فالحشود الشعبية التي احتفلت بعودة الأسرى لم تفرق بين فسيفساء الحركات والفصائل من حماس وفتح وجهاد وشعبية وديمقراطية، فجلسوا جنبا إلى جنب وتشاركوا الفرحة، وعانقوا الأسرى في غزة والضفة الغربية على حد سواء.

حشود في غزة تحتفي بإطلاق سراح الأسرى  (الجزيرة)

أما فصائليا، فالصفقة -التي أدارت مفاوضاتها حركة حماس- شملت الإفراج عن أسرى من كافة الفصائل ففي المرحلة الأولى التي تضمنت الإفراج عن 477 أسيرا توزعوا على الشكل التالي: 276 من حماس، و48 من فتح، و24 من الجبهة الشعبية، وعشرون من حركة الجهاد الإسلامي، و19 من لجان المقاومة الشعبية، وسبعة أسرى من الجبهة الديمقراطية، وأسير واحد من حزب “فدا”، وآخرون لا ينتمون لأي فصيل.

هذا التنوع الفصائلي رافقه تنوع جغرافي، فالمفرج عنهم ينتمون إلى الجغرافيا الفلسطينية في الداخل والشتات، وهم 131 من غزة، و96 من الضفة الغربية، و16 من القدس، وخمسة أسرى من فلسطينيي 48، وأسير واحد من الجولان السوري المحتل.

كما فُرض على أربعين أسيرا الإبعاد مرة أخرى إلى قطر وسوريا وتركيا والأردن، 163 أسيرا إلى قطاع غزة، على أن يسمح بعودة بعضهم خلال فترات تتراوح ما بين عام و25 عاما.

والإفراج هذا لم يقتصر على المسلمين، بل حرصت حماس على أن يكون بين المفرج عنهم أسير مسيحي، فضلا عن أن المفرج عنهم تضمنوا الرجال والنساء والأطفال.

زد على ما تقدم الدعوات التي صدرت من قيادات الفصائل الفلسطينية كافة -وفي مقدمتهم رئيس السلطة محمود عباس، وخالد مشعل، ورئيس الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنية– إلى استثمار هذه الصفقة، ووقوف الشعب خلفها لاستكمال المصالحة والعبور بها إلى بر الأمان.

هآرتس تقول إن صفقة شاليط أعادت حماس إلى الضفة من البوابة الشعبية العريضة (رويترز)

ميزان الربح والخسارة
“يوم العيد والوحدة” الفلسطيني لم يكن كذلك على الجانب الإسرائيلي الذي أثارت فيه مبادلة أسير إسرائيلي بأكثر من ألف أسير فلسطيني استياءً في تل أبيب، وطُرحت تساؤلات كبيرة حيال ميزان الربح والخسارة.

هذا الميزان رجح كفة خسارة إسرائيل، كما قالت لصحيفة هآرتس التي تحدثت عن أن الصفقة أعادت حماس إلى قلب الضفة الغربية بعد تغييبها فترة طويلة، والفضل في هذا -بحسب هآرتس- يعود لإسرائيل التي أتمت الصفقة مع “حركة إرهابية فقدت بنيتها المدنية والعسكرية وبريقها وحتى الدعم الشعبي في الضفة”، وأعادت لها الحياة ومنحتها إنجازا منذ فوزها بالانتخابات التشريعية عام 2006 “تمكنت الحركة من استثماره بطريقة ذكية”.

وهنا تشير الصحيفة الإسرائيلية إلى أن الإخفاق الإسرائيلي الأمني والسياسي في استعادة شاليط تجلى في الاحتفالات بإطلاق الأسرى -ومعظمهم من حماس- التي عمت في مدينة كان يحظر عليها فيها إقامة المهرجانات أو المسيرات أو حتى رفع علم الحركة فيها: رام الله.

هذا المشهد -وهو رؤية المئات من المؤيدين لحماس يلوحون بأعلام الحركة بالضفة الغربية- نغص على الإسرائيليين فرحتهم بعودة شاليط، بل “وحوّل الفرحة إلى حزن”.

وينبع هذا الحزن -بحسب هآرتس- من أنه رغم الهدوء النسبي في الضفة الغربية، وإضعاف بنية حماس العسكرية، وتقليص عدد العمليات “الإرهابية”، وتوجيه الأمن الفلسطيني نحو مواجهة “المنظمات الإرهابية”، ونمو اقتصاد الضفة الغربية، فإن حماس انتعشت وعادت إلى الضفة من بوابتها الشعبية العريضة من خلال صفقة التبادل.

مناصرو حركة حماس شاركوا في المهرجان الذي أقيم لاستقبال الأسرى برام الله (الجزيرة)

حماس في قلب الضفة
هنا تقول الصحيفة إنه إضافة “للثمن الكبير” الذي دفع مقابل إرجاع شاليط، فإن الثمن الأكبر الذي دفعته تل أبيب تمثل في “التهديدات التي أطلقتها الحركة من الضفة الغربية بالاستمرار في الجهاد حتى تدمير إسرائيل، وخطف المزيد من الجنود الإسرائيليين لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين”.

وتشير الصحيفة إلى أن تصريح رئيس المكتب السياسي لحماس الذي قال فيه إن إسرائيل تثبت مرة أخرى عدم فهمها إلا للغة القوة، شكل دعوة صريحة لجميع الفصائل الفلسطينية -وليس فقط حماس- بخطف إسرائيليين جنودا كانوا أم مدنيين.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أمنيون إسرائيليون أن الدافع لخطف إسرائيليين بات في أوجه بعد “الانتصار الإعلامي” الذي حققته حماس من خلال الصفقة، وخاصة أن إسرائيل أفرجت عن هذا العدد الكبير من الأسرى الفلسطينيين في صفقة مع حركة تنشد “تدمير إسرائيل وتهدد شركاءها في عملية السلام”، وهذا ما يجعل الإسرائيليين تحت خطر الخطف اليومي، ليس فقط من حماس بل أيضا من حركات أخرى على رأسها فتح “التي تشعر بالغيرة بسبب نجاح منافِستها السياسية”.

وتخلص الصحيفة إلى أن الرسالة التي فهمها الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية من الصفقة، هي أن طريقة حماس في التعامل مع إسرائيل هي الأنجح لهزيمتها والقضاء عليها، وخاصة في ظل سلطة فلسطينية لا تعرف كعادتها استخلاص النتائج ولا العبر، فضلا عن وضع مأساوي أوجدته إسرائيل عبر “تقوية معسكر الحرب الفلسطيني وإضعاف معسكر السلام”.

المصدر: الجزيرة

Exit mobile version