أرشيف - غير مصنف

الموقف الأميركي من عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يقدم طلب عضوية كاملة لدولة فلسطين إلى الأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر/أيلول 2011 (رويترز)

خليل جهشان

أثار قرار القيادة الفلسطينية بدء السعي للحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة رد فعل سياسي شديد من إسرائيل وحليفتها الرئيسة، الولايات المتحدة الأميركية، مما فاجأ البعض وضلل الكثيرين داخل الولايات المتحد…

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يقدم طلب عضوية كاملة لدولة فلسطين إلى الأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر/أيلول 2011 (رويترز)

خليل جهشان

أثار قرار القيادة الفلسطينية بدء السعي للحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة رد فعل سياسي شديد من إسرائيل وحليفتها الرئيسة، الولايات المتحدة الأميركية، مما فاجأ البعض وضلل الكثيرين داخل الولايات المتحدة وخارجها، وخاصة نتيجة الحملة الإعلامية الشرسة والمضللة التي شنتها حكومة نتانياهو وأنصارها في أميركا على القيادة الفلسطينية، مما أدى إلى تشويه طبيعة القرار الفلسطيني وأهدافه. ولهذا السبب، يتحتم قبل الدخول في تفاصيل الموقف الأميركي الرسمي من الخطوة الدبلوماسية الفلسطينية، التوقف قليلا أمام الطلب الفلسطيني نفسه، والتمعن في فحوى هذ الطلب، والدوافع التي أدت إلى لجوء القيادة الفلسطينية إلى اتخاذ هذه الخطوة “المغامرة”، إلى حد ما، والتمسك بها رغم الضغوط القاسية التي تعرضت لها.

طبيعة الطلب الفلسطيني: خيار الاعتراف أم خيار العضوية 
دوافع القيادة الفلسطينية إلى تغيير إستراتيجيتها التفاوضية 
الموقف الأميركي من المبادرة الدبلوماسية الفلسطينية 
تناقضات الموقف الأميركي 
أسباب معارضة أوباما عضوية فلسطين في الأمم المتحدة

طبيعة الطلب الفلسطيني: خيار الاعتراف أم خيار العضوية

بغض النظر عن المواقف الفلسطينية المتضاربة، الرسمية منها وغير الرسمية، لم تذهب القيادة الفلسطينية (دولة فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية) إلى الأمم المتحدة في نيويورك للحصول على اعتراف دولي بفلسطين دولة مستقلة، كما ادعت إسرائيل والولايات المتحدة، لسببين رئيسين: الأول يعود إلى كون فلسطين دولة معترفا بها من أكثر من 120 دولة مند أن أعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيام الدولة الفلسطينية في الجزائر، في 15 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1988.

 أما السبب الثاني فينبع من القانون الدولي نفسه، حيث تتمتع فلسطين بمواصفات الدولة حسب اتفاق مونتيفيديو لعام 1933، كما تحظى باعتراف ما يقارب ثلثي دول العالم. وهذه الدول، باعتبارها دولا وحكومات مستقلة، هي الطرف الدولي الوحيد الذي يملك امتياز حق الاعتراف القانوني بالدول الأخرى. فالأمم المتحدة، باعتبارها منظمة تضم عضويتها 193 حكومة، تملك صلاحية منح الدول المؤهلة و”المحبة للسلام” العضوية في المنظمة الدولية، كما ينص ميثاق الأمم المتحدة، ولكنها لا تعترف باستقلالية هذه الدول لأنها منظمة دولية وليست حكومة أو دولة. وكما استنتجت الدراسة التي كتبها حول هذا الموضوع كادر مكتب المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية: “فالاعتراف (Recognition) شيء، وقبول العضوية (Admittance) شيء آخر.”

وقد أثار خالد الجندي، الباحث في مركز صابان التابع لمؤسسة بروكينجز في واشنطن، والمستشار السابق في دائرة المفاوضات الفلسطينية، هذا الموضوع في مقالة مفصلة نشرتها مجلة فورين أفيرس (Foreign Affairs) في عددها الأخير، رقم 5 (سبتمبر/أكتوبر2011). كتب الجندي ما يلي:

لم يسع الفلسطينيون من خلال ذهابهم إلى الأمم المتحدة للحصول على دولة، إنما سعوا لكسب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة لدولة موجودة. فحتى العام الماضي، اعترفت حوالي 120 دولة “بدولة فلسطين” استنادا إلى حدود ام 1967

“لم يسع الفلسطينيون من خلال ذهابهم إلى الأمم المتحدة للحصول على دولة، إنما سعوا لكسب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة لدولة موجودة. فحتى العام الماضي، اعترفت حوالي 120 دولة “بدولة فلسطين” استنادا إلى حدود عام 1967. وفي الوقت نفسه، جادل عباس وغيره من القادة الفلسطينيين، إضافة إلى مختلف خبراء القانون الدولي، أن فلسطين هي بالفعل دولة لأنها تتمتع بالمعايير الأربعة التي ينص عليها القانون الدولي: لديها سكان دائمون، (الفلسطينيون)، لديها أرض محددة، (الضفة الغربية وقطاع غزة، حسب مفهوم حدود 1967)، لديها حكومة (السلطة الفلسطينية)، كما لديها قدرة الدخول في علاقات مع الدول الأخرى (من خلال منظمة التحرير الفلسطينية).”

ويشير الجندي إلى أن هذه المعايير الأربعة هي نفس المعايير التي نصت عليها معاهدة مونتيفيديو حول حقوق الدول وواجباتها والتي تم التوقيع عليها في مونتيفيديو، أوروغواي، في 26 كانون أول/ديسمبر عام 1933. وهذا بالفعل ما احتوته الرسالة التي قدمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والذي قام بدوره بتعميمها على أعضاء مجلس الأمن. وقد نص المرفق الأول للرسالة  تحت عنوان “طلب دولة فلسطين الانضمام إلى عضوية الأمم المتحدة” على ما يلي:

“يشرفني عظيم الشرف أن أقدم، باسم الشعب الفلسطيني، هذا الطلب الذي تقدمه دولة فلسطين للانضمام إلى عضوية الأمم المتحدة… ويقدم طلب العضوية هذا استنادا إلى الحقوق الطبيعية والقانونية والتاريخية للشعب الفلسطيني، وإلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 (د-2) المؤرخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، فضلا عن إعلان استقلال دولة فلسطين المؤرخ 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 1988، واعتراف الجمعية العامة بهذا الإعلان بموجب القرار 43/177 المؤرخ 15 ديسمبر/كانون الأول 1988…”
 
ثم إن الطلب الفلسطيني تضمن ملحقا آخر على شكل إعلان ينص على التزام الدولة الفلسطينية بالشروط المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة:

“في إطار طلب دولة فلسطين الانضمام إلى عضوية الأمم المتحدة، يشرفني، بصفتي رئيس دولة فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، أن أعلن رسميا أن دولة فلسطين هي دولة محبة للسلام وأنها تقبل الالتزامات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة وتتعهد رسميا بالوفاء بتلك الالتزامات.”

فمن الواضح أن محمود عباس، بصفته رئيسا لدولة فلسطين وللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، قد طلب منح دولة فلسطين حق العضوية الكاملة في الأمم المتحدة كي تمارس واجباتها وتتمم مسؤولياتها حسب ميثاق الأمم المتحدة عضوا عاديا في المنظمة الدولية، ولكنه لم يطالب مجلس الأمن ولا الجمعية العامة بالاعتراف بدولة فلسطين على حساب دولة إسرائيل كما ادعت تل أبيب وواشنطن.

دوافع القيادة الفلسطينية إلى تغيير إستراتيجيتها التفاوضية

طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة يستند إلى الحقوق الطبيعية والقانونية والتاريخية للشعب الفلسطيني، وإلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 (د-2) المؤرخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، فضلا عن إعلان استقلال دولة فلسطين المؤرخ 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 1988، واعتراف الجمعية العامة بهذا الإعلان بموجب القرار 43/177 المؤرخ 15 ديسمبر/كانون الأول 1988

أ- اقتناع القيادة الفلسطينية بأن العملية التفاوضية مع إسرائيل قد وصلت إلى طريق مسدود ولم يعد ثمة إمكانية لإحيائها من جديد بسبب تعنت الموقف الإسرائيلي وضعف وتذبذب الموقفين الأميركي والأوروبي.

ب- فشل المحادثات المتواصلة مع إسرائيل طوال عشرين عاما في التوصل إلى اتفاق سياسي يعطي الفلسطينيين الفرصة التاريخية على ممارسة حقهم في تقرير المصير وإنشاء دولتهم المستقلة في الضفة الغربية وغزة. وهذا قد سلب القيادة الفلسطينية مصداقيتها أمام شريحة واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني، وفرض عليها تغيير أسلوب عملها في المرحلة الحالية، واتخاذ زمام المبادرة من أجل الحفاظ على بقائها في معركة أصبحت أساسا معركة لبقاء القيادة الفلسطينية.

ج- إن الوضع الراهن المتمثل في انهيار المفاوضات مع إسرائيل وعدم وجود أي أفق سياسي بديل، لم يساهم  في إضعاف السلطة الفلسطينية والانتقاص من مصداقيتها فحسب، بل ساهم -وهو الأهم- في تهميش القضية الفلسطينية برمتها. ومن هنا اقتنعت القيادة الفلسطينية أن ذهابها إلى نيويورك من شأنه أن يعيد الحيوية إلى القضية الفلسطينية ويضعها من جديد على سلم أولويات الأسرة الدولية.

د- انخذال القيادة الفلسطينية وخيبة أملها الشديدة من الموقف الأميركي بالنسبة لسوء إدارة العملية التفاوضية، وعدم قدرة إدارة الرئيس باراك أوباما على تنفيذ وعودها للطرف الفلسطيني، رغم قيام السلطة الفلسطينية بتنفيذ كل ما عليها من تعهدات في إطار العملية التفاوضية، دون أي اعتراف علني بذلك أو الرد بالمثل على تعاون الطرف الفلسطيني، ومن ثم مكافأته.

هـ – فقدت القيادة الفلسطينية -وإن أدركت ذلك متأخرا- قسطا كبيرا من ثقتها في وعود الرئيس الأميركي أوباما وبالنوايا الحسنة والأفكار البناءة التي تضمنتها خطبه الرنانة خلال السنتين الماضيتين بدءا من أنقرة (6 أبريل/نيسان 2009)، وانتقالا إلى القاهرة (4 يونيو/حزيران 2009)، ومن ثم إلى نيويورك (23 سبتمبر/أيلول 2010)، وانتهاءً بواشنطن (19 مايو/أيار 2011). كل هذه الخطب ووعودها أثبتت فشل أوباما في إقناع الحكومة الإسرائيلية تجميد الاستيطان. ثم إن عربدة نتانياهو العلنية في الرد على المقترحات الأميركية أثبت أخيرا للفلسطينيين عدم مقدرة أو عدم نية الإدارة الأميركية احترام مقترحاتها وتنفيذ وعودها رغم الضرر الهائل الذي يسببه ذلك لمصالح الولايات المتحدة الحيوية ومصداقيتها السياسية في المنطقة.

و- اعتبرت القيادة الفلسطينية عملية تقديم طلب العضوية إلى الأمم المتحدة عملية استحقاق ترتكز على ستة عقود من الشرعية الدولية تعود إلى قرار التقسيم لعام 1947، والتي تمنح الشعب الفلسطيني الحق الكامل في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة ذات السيادة على جزء من أرض فلسطين التاريخية. ثم أن القيادة الفلسطينية اعتبرت هذه الخطوة بمثابة عملية  تتويج للجهود التي بذلتها الحكومة الفلسطينية خلال السنين القليلة الماضية في بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية وتأهيلها لتصبح الحجر الأساس، أو البنية التحتية، للدولة الفلسطينية بدعم دولي كبير من الولايات المتحدة وأوروبا والأمم المتحدة وغيرها من الأطراف والمؤسسات الدولية. هكذا، فقد قررت القيادة الفلسطينية أن الأوان قد حان لجني ثمار فترة البناء المؤقتة هذه واستبدالها بفترة إعمار الدولة نفسها وتفعيل مؤسساتها بشكل مباشر.

ز- أما الحافز الأخير، وربما الأهم، في تحريك القيادة الفلسطينية وحثها على اتخاذ قرارها بالذهاب إلى نيويورك وعدم التراجع أمام الضغوط الهائلة التي واجهتها فهو الربيع العربي وتأثيره على تفكير القادة الفلسطينيين. فالتطورات التي شاهدها العالم العربي منذ بداية هذا العام في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والبحرين عزز من إرادة القيادة الفلسطينية في مواجهة إسرائيل وأميركا، من ناحية، وزاد من قلقها وتخوفها من تحرك الشارع الفلسطيني، من الناحية الأخرى. فمن الملاحظ أن كلا من فتح وحماس تبنيا موقفا دفاعيا تجاه هذه الأحداث خوفا من تحرك الشارع الفلسطيني بهدف مواجهتهما ومحاسبتهما على فشلهما في إتمام المصالحة الوطنية الفاعلة وتحقيق حد أدنى، على الأقل، من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بعد أكثر من عشرين عاما من المفاوضات العقيمة. ولذلك تمسكت قيادة فتح بقرارها الذهاب إلى نيويورك، كما قررت حركة حماس إتمام صفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل.

الموقف الأميركي من المبادرة الدبلوماسية الفلسطينية

أبدت الولايات المتحدة معارضتها الشديدة للقرار الفلسطيني تقديم طلب العضوية إلى الأمم المتحدة منذ اليوم الأول للإعلان عنه، وذلك لأسباب عديدة، منها ما يمت بصلة للمصالح الأميركية في المنطقة، ومنها ما هو مجرد ترديد للرفض الإسرائيلي للخطوة الفلسطينية. ويبدو واضحا أن الإدارة الأميركية اعتبرت القرار الفلسطيني تحديا مباشرا لهيمنتها على العملية التفاوضية، التي تعتبر واشنطن نفسها الراعي الشرعي والوحيد لها. وقد ردد المسؤولون الأميركيون الأسباب التالية في تبرير الموقف الأميركي:

أ- الذهاب إلى الأمم المتحدة يضر بعملية سلام الشرق الأوسط.
ب- القرار الفلسطيني يهدف إلى عزل إسرائيل ونزع الشرعية عنها.
ج‌- طلب الاعتراف بفلسطين عضوا في الأمم المتحدة هو مجرد خطوة رمزية لا قيمة لها على أرض الواقع.
د- انضمام فلسطين إلى عضوية الأمم المتحدة لن يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
هـ- الطريق الوحيد لخلق دولة فلسطينية مستقلة يتم عبر المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

وقد لخص الرئيس باراك أوباما معارضة بلاده على منح فلسطين العضوية في الأمم المتحدة في خطابه الذي أدلى به أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول 2011 مؤكدا أن السلام الحقيقي في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه إلا عبر المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وحدد أوباما موقفه وفق النقاط الخمس التالية:

– “لقد وقفت قبل سنة على هذه المنصة وطالبت بفلسطين مستقلة. اعتقدت آنذاك، كما أعتقد اليوم، أن الشعب الفلسطيني يستحق دولة خاصة به. ولكنني قلت أيضا لا يمكن تحقيق سلام حقيقي إلا بين الإسرائيليين والفلسطينيين أنفسهم.”

– “بعد مرور سنة على ذلك، وبالرغم من الجهود المكثفة التي بذلتها أميركا وغيرها، لم ينجح الطرفان في جسر خلافاتهما. ولذلك عرضت عرضا أساسيا جديدا في مواجهة هذا المأزق. إنه أساس واضح ومعروف لنا جميعا هنا. على الإسرائيليين أن يعرفوا أن أي اتفاق سيوفر الضمانات لأمنهم. كما يستحق الفلسطينيون أن يعرفوا حدود دولتهم.”

– “أنا مقتنع أن ليس هناك من طريق مختصر لإنهاء صراع استمر عدة عقود. فالسلام عمل شاق. السلام لا يتم عبر البيانات والقرارات في الأمم المتحدة. لو كان الأمر بهذه السهولة لتحقق السلام من قبل. وفي نهاية المطاف، فإن الإسرائيليين والفلسطينيين هم الذين سيعيشون جنبا إلى جنب. في نهاية المطاف، فإن الإسرائيليين والفلسطينيين -وليس نحن- هم الذين يجب أن يتوصلوا إلى اتفاق حول القضايا التي تفرق بينهما: الحدود والأمن، اللاجئون والقدس.”

إن الوضع الراهن المتمثل في انهيار المفاوضات مع إسرائيل وعدم وجود أي أفق سياسي بديل، لم يساهم في إضعاف السلطة الفلسطينية والانتقاص من مصداقيتها فحسب، بل ساهم -وهو الأهم- في تهميش القضية الفلسطينية برمتها. ومن هنا اقتنعت القيادة الفلسطينية أن ذهابها إلى نيويورك من شأنه أن يعيد الحيوية إلى القضية الفلسطينية ويضعها من جديد على سلم أولويات الأسرة الدولية.

– “نحن نسعى إلى مستقبل يعيش فيه الفلسطينيون في دولة ذات سيادة خاصة بهم، دون أي قيود على ما يمكنهم إنجازه. وليس هناك أي تساؤل حول مشاهدة الفلسطينيين لهذه الرؤية تؤجل لفترة طويلة جدا. وقد قدمت أميركا هذا الموقف تحديدا، لأننا نؤمن بقوة بتطلعات الشعب الفلسطيني، في استثمار الكثير من الوقت والجهد في بناء دولة فلسطينية، وفي المفاوضات القادرة على تحقيق قيام دولة فلسطينية.”

– “هذه هي الحقيقة -لكل طرف تطلعاته المشروعة- وهذا جزء من الأسباب التي جعلت التوصل إلى سلام صعبا. إن الجمود لن ينكسر إلا إذا قام كل طرف بانتعال حذاء الطرف الآخر والنظر إلى العالم من منظار الطرف الآخر. هذا ما يتوجب علينا تشجيعه والترويج له.”
 
بالطبع، تحلى خطاب الرئيس أوباما أمام الجمعية العامة بقسط كبير من المجاملات الدبلوماسية والغموض البناء، كما هو متوقع من رئيس دولة عظمى يخاطب الأسرة الدولية. لكن التبادلات الدبلوماسية الأميركية مع الطرف الفلسطيني ومع الأطراف المؤيدة له، قبل خطاب أوباما وبعده،  لم تكن على نفس القدر من الأدب والسلوك المتحضر. فقد وصفت هذه التبادلات دبلوماسيا بأنها “صريحة وبناءة”، يعني باللغة الدارجة قاسية وفظة ومتعالية.

ففي محاولتها إقناع الفلسطينيين بالعدول عن طلبهم الحصول على عضوية الأمم المتحدة وحث الدول الأعضاء المتعاطفة مع الطلب الفلسطيني على تغيير مواقفها، لجأت السفيرة سوزان رايس، الممثلة الدائمة للولايات المتحدة الأميركية لدى الأمم المتحدة، إلى استعمال أسلوب “المواجهة الإمبريالية” التي لم نشاهدها في أروقة المنظمة الدولية منذ فترة طويلة. ويعبر هذا التصرف العنجهي من إدارة روجت نفسها للعالم على أنها قيادة تقدمية ومرنة وحساسة لتطلعات الدول النامية، عن موقف متناقض كليا يحتقر إرادة الأسرة الدولية ويسخر من مؤسساتها.

 فعلى سبيل المثال اتهمت السفيرة رايس طلب العضوية لفلسطين بأنه “تحول خطير في الطريق إلى التوصل إلى حل تفاوضي.” وصرح مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، بن رودس، أن الرئيس أوباما قد أعلم الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال لقائهما في نيويورك أن واشنطن “ستعارض أي خطوة في مجلس الأمن، حتى لو اضطرت إلى استعمال حق الفيتو.” وتابعت رايس تصريحاتها الساخرة لإحدى الصحف الأميركية قائلة:

“ماذا سيحدث بعد أن ننتهي من أي مشهد قد يتم عرضه في الأمم المتحدة؟ ماذا سيتغير حقيقة بالنسبة للشعب الفلسطيني؟ الجواب بكل حزن، لا شيء. سيتم رفع التوقعات إلى أعلى حد، لكن الاقتصاد سيبقى كما هو عليه، والوضع على الأرض سيبقى كما هو عليه. لن يحصلوا على أي قسط إضافي من السيادة أو الحرية أو الحكم الذاتي.”

ولم تتوقف رايس عند ذلك، بل قامت بتهديد الدول الأعضاء المؤيدة لطلب العضوية الفلسطيني بقولها أن الدول التي تنوي التصويت لصالح أي مشروع قرار فلسطيني “يجب أن تتحمل مسؤولية النتائج المترتبة عن أصواتها.”

تناقضات الموقف الأميركي

أولا، يحق بالطبع للولايات المتحدة أن تصادق من تشاء وتعادي من تشاء، فهي في النهاية دولة عظمى لا يملي عليها الآخرون سياسة ما. لكن الموقف الأميركي الذي يعارض طلب العضوية الفلسطينية في الأمم المتحدة تشوبه التناقضات ويعبر عن انفصام في شخصية إدارة الرئيس أوباما. فالسيد باراك حسين أوباما هو نفس الرئيس الذي عبر عن رغبته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في انضمام فلسطين إلى عضوية المنظمة الدولية عام 2010 ثم غير موقفه كليا عام 2011 عندما عارض هذه الخطوة أمام نفس الجمعية العامة وهدد باستعمال حق الفيتو. فمن هو أوباما الحقيقي؟ أوباما عام 2010 أو أوباما عام 2011؟

ثانيا، لم يذهب الطرف الفلسطيني إلى الأمم المتحدة من أجل تقويض عملية سلام الشرق الأوسط أو لعزل إسرائيل أو نزع الشرعية عنها. بل العكس هو الصحيح، كما تعرف واشنطن تمام المعرفة. فالقيادة الفلسطينية لم تحاول إخفاء نواياها بل أعلنت خطيا للملأ أن:”العالم أجمع يدرك اليوم أن الحل الوحيد القابل للتطبيق هو حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967، وبالتالي فإن الاعتراف  بدولة فلسطين على حدود 1967، وبعاصمتها القدس الشرقية، يؤدي إلى الحفاظ على خيار الدولتين.” ثم أن وثائق رسمية صادرة عن مكتب المفاوضات الفلسطيني قد أشارت إلى “أن الاعتراف بدولة فلسطين على حدود 1967، وبالقدس الشرقية عاصمة لها، لا يتعارض، بأي شكل من الأشكال، مع الجهود المبذولة لاستئناف مفاوضات الوضع النهائي، بل يعتبر ذلك مساهمة رئيسة في استئناف هذه المفاوضات.” وأضافت هذه الوثائق الفلسطينية الرسمية بكل وضوح وشفافية “أن الاعتراف بدولة فلسطين على حدود 1967، وقبولها عضوا في الأمم المتحدة، سيسهل على القيادة الفلسطينية اتخاذ قرار باستئناف مفاوضات الحل النهائي وبشكل فوري وحول جميع القضايا دون استثناء (مثل: القدس، الحدود، المستوطنات، اللاجئون، المياه، الأمن، والإفراج عن الأسرى والمعتقلين). وقد نختلف مع القادة الفلسطينيين حول هذه الأهداف، ولكن لا يمكن لأحد أن ينكر أنهم تحدثوا بصراحة تامة عن أهدافهم التي لم تشمل الانسحاب من العملية التفاوضية، أو السعي إلى إسقاط مبدأ الدولتين على أساس حدود 1967 مع تبادل متفق عليه في الأراضي، وهو نفس الموقف الذي تبناه الرئيس أوباما في خطابه الشهير في 19 مايو/أيار 2011.

ثالثا، تصر الإدارة الأميركية، كما أكد الرئيس أوباما نفسه في خطابه أمام الجمعية العامة في 21 سبتمبر/أيلول 2011، أن الأمم المتحدة ليست المكان المناسب لصنع السلام، “وأن السلام لا يتم عبر البيانات والقرارات في الأمم المتحدة.” في الواقع، يتعين على الولايات المتحدة النظر إلى الأهداف الأساسية من إنشاء المنظمة الدولية عام 1945، حسب ميثاق الأمم المتحدة، وهي حفظ السلم والأمن الدولي، وإنماء العلاقات الودية بين الدول، وتحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية.

 لماذا إذا، تعتبر واشنطن الأمم المتحدة المكان المناسب لإيجاد حلول للحرب في العراق وفي أفغانستان وفي ليبيا وغيرها من القضايا الساخنة مثل سوريا ولبنان؟ هل فلسطين هي القضية الوحيدة الشاذة عن القاعدة؟ لماذا تعتبر الولايات المتحدة الأمم المتحدة شريكا حيويا لها في إطار اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط لكنها ليست المكان الملائم لحل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي؟ وأخيرا، وليس آخرا، لماذا تبرر الولايات المتحدة سياساتها في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا وغيرها عبر قرارات صادرة عن أجهزة الأمم المتحدة، بينما  تصبح هذه الأجهزة الدولية نفسها فجأة، غير مؤهلة وغير ملائمة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط.؟!

لماذا تبرر الولايات المتحدة سياساتها في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا وغيرها عبر قرارات صادرة عن أجهزة الأمم المتحدة، بينما تصبح هذه الأجهزة الدولية نفسها فجأة، غير مؤهلة وغير ملائمة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط؟!رابعا، كرر المسؤولون الأميركيون مرارا أن معارضتهم الخطوة الفلسطينية تنبع من كون هذه المبادرة خطوة رمزية ليس لها أي قيمة عملية ولن ينجم عنها أي مكسب عملي للشعب الفلسطيني. إذا كان هذا صحيحا فلماذا أقام أوباما ونتانياهو الدنيا وأقعداها نتيجة خطوة رمزية دون أي قيمة؟ لماذا تصر الإدارة الأميركية على تبديد كل هذه الجهود القيمة، وإضاعة وقتها الثمين على أعلى المستويات في محاربة خطوة تعتبرها رمزية وخالية من أي بعد عملي؟ أليس من المجدي أكثر أن تهمل واشنطن هذه المبادرة الفلسطينية “المضللة” وتركز جميع طاقاتها على القيام بواجبها على نحو أفضل في رعاية عملية تفاوضية جدية وناجعة في المنطقة؟

خامسا، لم يقتصر الضغط على الإدارة الأميركية وحدها، فسرعان ما انضم الكونغرس إلى الركب وصعد من الحملة المعادية لعضوية فلسطين في الأمم المتحدة عبر الوعيد والتهديد الذي استهدف المساعدات الخارجية للسلطة الفلسطينية، وتعدى ذلك ليشمل أيضا رسوم العضوية والتبرعات الأميركية لأي جهاز من أجهزة الأمم المتحدة التي قد تدعم أو تساهم في دعم الطلب الفلسطيني للعضوية في المنظمة الدولية. فقد قام أعضاء الكونغرس بتقديم العديد من القرارات التي طالبت إسرائيل بضم الضفة الغربية إليها، كما هددت مباشرة بقطع المعونات الإنسانية عن الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، ولوحت بسلاح مقاطعة الأمم المتحدة ووقف الدعم الأميركي لها في حال قبول طلب عضوية فلسطين فيها. وبالرغم من عدم رضى البيت الأبيض ووزارة الخارجية عن تدخل السلطة التشريعية في إدارة السياسة الخارجية، إلا أن الإدارة لم تعارض هذا التدخل بالحدة والشكل المعتادين، ولكنها ارتأت استعماله أداة ضغط إضافية على الفلسطينيين لحثهم على التراجع عن مبادرتهم في نيويورك.

أسباب معارضة أوباما عضوية فلسطين في الأمم المتحدة

هناك شبه إجماع بين المحللين السياسيين وخبراء الشرق الأوسط، داخل الولايات المتحدة وخارجها، أن أوباما تراجع بسبب تعنت نتانياهو قبل اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2012، وبسبب ضعف الاقتصاد الأميركي وفشل إدارة أوباما في وضع حد للركود الاقتصادي والبطالة المتنامية في أميركا. وقد عبر المحلل السياسي المعروف، والناشط في الحزب الديمقراطي، ستيف كليمونز، عن هذه الظاهرة بقوله: “إن أوباما يريد من الفلسطينيين أن يبقوا في خلف الحافلة.” وأضاف كليمونز أن أوباما فشل في خطابه أمام الجمعية العامة في سبتمبر/أيلول الماضي في عرض أي شيء جديد لدفع عجلة السلام إلى الأمام، بل اكتفى بتبني الوقف الإسرائيلي عبر إخضاع رؤيته للسلام في الشرق الأوسط لرؤية نتانياهو.

هناك شبه إجماع بين المحللين السياسيين وخبراء الشرق الأوسط، داخل الولايات المتحدة وخارجها، أن أوباما تراجع بسبب تعنت نتانياهو قبل اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2012، وبسبب ضعف الاقتصاد الأميركي وفشل إدارة أوباما في وضع حد للركود الاقتصادي والبطالة المتنامية في أميركا.

أما الكاتب الإسرائيلي أوري أفنيري فقد كان أكثر حدة في تحليله الساخر من خطاب الرئيس أوباما الأخير أمام الجمعية العامة في نيويورك، فكتب يقول:

 “خطاب رائع. خطاب جميل. لغة معبرة وبليغة. حجج واضحة ومقنعة. كان الأداء بمثابة عمل فني رائع في فن التملق. تقريبا كل جملة من الجزء المتعلق بالنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني كانت كذبة. كذب فاضح: أوباما في أفضل أداء له، أوباما في أسوء أداء له. أعتقد أنه، كشخص ذو أخلاق ربما شعر بضرورة التقيؤ. ولكنه كشخص براغماتي كان يعرف أنه مجبر على فعل ذلك لو رغب في إعادة انتخابه … باختصار، لقد باع أوباما المصالح الجوهرية للولايات المتحدة من أجل الفوز بفترة حكم ثانية.”

تصرف مخجل وغريب في أعين الكثيرين، وخصوصا خارج حدود الولايات المتحدة، حيث أضر هذا الموقف السياسي بمصداقية الإدارة الأميركية وسلب الرئيس أوباما شخصيا من مكاسب خطاباته المشهورة في أنقرة والقاهرة ونيويورك وواشنطن حول التزامه في تحقيق السلام في الشرق الأوسط. لكن هذه الظاهرة التي فرضت على أوباما التراجع في مواقفه حول القضية الفلسطينية ليست ظاهرة جديدة، لكنها ناجمة عن مشكلة تاريخية واكبت تطور المجتمع الأميركي منذ حصوله على الاستقلال. لقد تغيرت هوية اللاعبين، لكن الأزمة ما زالت كما كانت عليه قبل أكثر من 215 سنة.

ففي خطابه الوداعي (Farewell Address) للشعب الأميركي في شهر سبتمبر/أيلول عام 1796، أوصى جورج واشنطن، أول رئيس للولايات المتحدة، بلاده الفتية آنذاك بضرورة تفادي الدخول في علاقة عداء دائم أو علاقة ودية مفرطة مع أي دولة أجنبية، إنما السعي دوما إلى تبني مشاعر المودة والعدالة تجاه جميع الدول من أجل تفادي تدخل هذه الدول الأجنبية في الشؤون الداخلية للولايات المتحدة. وهكذا فقد كتب الرئيس واشنطن قائلا:

“إن الأمة التي تتبنى تجاه أمة أخرى مشاعر الكراهية المعتادة أو الولع المعتاد، من شأنها أن تصبح عبدا إلى حد ما. فهي عبد لعدائها أو لمودتها، حيث أن كلا منهما يكفي لتضليل الأمة عن واجبها ومصلحتها.”

فهنا تكمن بالأساس مشكلة السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط.

_______________

خليل جهشان، أستاذ محاضر في الدراسات الدولية واللغات الأجنبية في جامعة بيبيرداين الأميركية، ومدير تنفيذي لبرنامج الجامعة في واشنطن. عمل جهشان طوال التسعينات كرئيس للجمعية الوطنية للعرب الأميركيين.

المصدر: الجزيرة

زر الذهاب إلى الأعلى