قضية غرابيل ليست سوى “حاشية” في سفر الربيع العربي
للوهلة الأولى، يحمل قرار إسرائيل بإطلاق سراح 25 سجيناً مصرياً مقابل إفراج مصر عن إيلان جرابيل من السجون المصرية أصداء صفقة إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط مقابل أكثر من ألف سجين فلسطيني.
ولكن هذا للوهلة الأولى فقط.
كانت قضية شاليط، المجند الإسرائيلي الذي اختطفته حركة حماس قبل أكثر من خمس سنوا…
قضية غرابيل ليست سوى “حاشية” في سفر الربيع العربي
للوهلة الأولى، يحمل قرار إسرائيل بإطلاق سراح 25 سجيناً مصرياً مقابل إفراج مصر عن إيلان جرابيل من السجون المصرية أصداء صفقة إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط مقابل أكثر من ألف سجين فلسطيني.
ولكن هذا للوهلة الأولى فقط.
كانت قضية شاليط، المجند الإسرائيلي الذي اختطفته حركة حماس قبل أكثر من خمس سنوات، قد استدرت تعاطف الإسرائيليين عندما قامت أسرته بضرب خيمة خارج محل إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي وأقاموا بها واستطاعوا أن يجعلوا من القضية محور الحديث في الحياة اليومية الإسرائيلية.
بينما مغامرات جرابيل غير المحسوبة في القاهرة والتي كانت بلا شك شديدة القتامة ومحطمة لأعصاب أسرته لم تكتسب نفس الصدى السياسي داخل إسرائيل.
فإذا كان جرابيل جاسوس، كما تزعم مصر، فهو ليس بكفء فأسلوبه يميل إلى أداء “المفتش كلوسو” (المفتش الفرنسي الاحمق في افلام Pink Panther) أكثر من أن يكون “جيمس بوند”.
وكان الشاب اليهودي الأمريكي جرابيل قد قرر السفر إلى إسرائيل كي يؤدي الخدمة العسكرية في قوات الجيش الإسرائيلي وأصيب في حرب لبنان الثانية في 2006.
وعندما سافر إلى مصر، ترك صورة لنفسه في الزي العسكري الإسرائيلي على صفحة الفيسبوك الخاصة به، بل وسرد قصة مفاوضاته لشراء قاموس من اللغة العبرية إلى العربية في شوارع القاهرة.
دليل “غير مقنع”
لم يكن الدليل الذي ساقته وسائل الإعلام المصرية على تورط جرابيل في أعمال جاسوسية مقنعاً.
ففي أحد التقارير ذكر نادل في مطعم أن جرابيل كان سخياً في إعطائه البقشيش – ربما هذا أول نادل في التاريخ يرى أن هناك شيء خطأ في أن يجزل أحد البقشيش له – بينما ذكر نادل آخر أنه (جرابيل) وصديقته كانا يتحدثان بصوت خافت كما لو أن الشخص الذي لا يقوم بالصياح مثل ربان سفينة يحتمل أن يكون جاسوساً.
ولكن أراء أصدقاء جرابيل تبدو الأكثر صدقية، فقد ذكروا أنه طالب أمريكي يدرس القانون وأنه أراد أن يسافر إلى القاهرة في مقتبل هذا العام حيث كانت العاصمة المصرية في هذا التوقيت من أكثر أماكن العالم إثارة.
وكان جرابيل معجباً ومهتماً باللغة والثقافة العربية، كما كان يدعم الناشطين المطالبين بالديمقراطية.
ولكن يبدو أن هذا الطالب الأمريكي الإسرائيلي أساء تقدير أن كل ما له أو من له علاقة بإسرائيل ربما يجلب الكراهية في أنحاء كثيرة من العالم العربي، لاسيما في القاهرة.
لقد كنت في ميدان التحرير بنفسي عندما سرت شائعات بين الثوار أن هناك “مندسين” إسرائيليين بينهم. ولا يمكن استبعاد فكرة أن يكون جرابيل قد سقط ضحية هذه الشكوك الهيستيرية ووجد نفسه مقبوضا عليه وتم تسليمه للشرطة.
وذكر مسؤول إسرائيلي أن جرابيل ساذج، فيما أنكرت الحكومة الإسرائيلية أن يكون جاسوساً، ولكن بالرغم من الملابسات التي أحاطت بالقبض عليه، اصبحت قضية اعتقال جرابيل في مصر قضية دبلوماسية بشكل أو بآخر.
مفاوضي “مصر الجديدة”
توسط المسؤولون المصريون في الصفقة التي أبرمت بين حماس وإسرائيل لإطلاق سراح جلعاد شاليط في الأسبوع الماضي. وبالتوازي، يبدو أن صفقة إطلاق سراح جرابيل، التي سيخرج بمقتضاها 25 مصريأ بينهم ثلاثة أطفال، قد أبرمت في الوقت ذاته.
والمعنى الضمني لتلك المفاوضات هو أن “مصر الجديدة” عازمة على فرض نفسها كقوة إقليمية في الشرق الأوسط، قوة قادرة على التحدث إلى كل من إسرائيل وحماس وقادرة من الناحية الدبلوماسية على اداء دور مهم.
وتدل أيضا على أن السياسة المصرية تجاه حماس في غزة سوف تكون أكثر تعقيداً وهذا على خلاف سياسة العداء المستحكم لها من نظام حسني مبارك.
وهذا مهم حيث أن اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل كانت هي حجر الزاوية في النظام القديم في منطقة الشرق الأوسط – ناهيك عن أنها عنصر أساسي في السياسة الإقليمية الأمريكية.
وقد بدا أن هذه العلاقة (بين مصر وإسرائيل) ستتقوض بعد هبوب رياح للربيع العربي، وهو ما بدا جلياً عندما حاول المتظاهرون المصريون اقتحام السفارة الإسرائيلية في القاهرة.
لقد كانت الشراكة بينهما ممكنة فقط عنما كان بمصر نظام أوتوقراطي ولكن عندما تتوطد الديمقراطية في مصر فإن الكراهية التي يكنها المصريون لإسرائيل سوف تأخذ طريقها إلى السياسة.
استئناف العمل
وتبرز هذه الصفقات أن مصر الجديدة مستعدة للتعامل مع إسرائيل. ربما لايوجد أي دفء في العلاقات المصرية الإسرائيلية ولكن هذا الدفء لم يكن موجوداً يوماً ما.
ومن المعقول والمنطقي أيضا أن مصر لم تكن لتطلق سراح “إيلان جرابيل” لو كان جاسوساً وربما كان عدد السجناء الذين يطلقون مقابله أكبر من ذلك بكثير.
ويبدو أن إطلاق سراح عدد من المهربين المصريين مقابل جرابيل ما هو إلا محاولة من المسؤولين المصريين لحفظ ماء الوجه أمام الشعب.
في الدول الديكتاتورية، قليلاً ما تعير الحكومات اهتماماً بالرأي العام ولكن هذه الصفقة وهذا النوع من الحساسية تدل على تغير في سياسات القاهرة.
ولكن في كل الأحوال فإن هذه الصفقة لا تدع المجلس العسكري الحاكم في مصر في موقف قوي. فمصر ترى في نفسها قائد وزعيم طبيعي وهذا تذكير لمنافسيها من ذوي النفوذ الإقليمي مثل تركيا والسعودية.
بعد قليل سيطلق سراح جرابيل والمصريين ويكون تذكرهم جميعاً بعد ذلك في لمحة تاريخية تذكر على هامش الربيع العربي. ولكن القوى التي حركت تلك الصفقات ودفعت نحو إنهائها ربما تشير إلى التغيرات التي حدثت في العالم العربي.