أرشيف - غير مصنف

واستطعت إليه سبيلا..!

كان حلما…وأمنية غالية اتطلع لها وكلما صارحت بها أحدا تعجب وقال فى هذه السن ؟ تريدين الحج فى تلك السن؟ لماذا ؟ ماذا فعلت؟؟ يضحكنى المنطق العجيب وكأن الحج نهاية لرحلة الذنوب وإيذانا بانتهاء العمر واقتراب النهاية..!
كنت أسأل من يقول لى هذا ..طيب ولو مت الآن وفى إمكانى أن أحج ولم أؤدى أهم الأركان الخمسة ..ماذا أقول لربى ساعتها؟؟ إنى لم أكتفِ بعد من ذنوبى.؟
كان زوجى قد سبقنى بالحج وواجه نفس “الشكوك” من أصدقائه عن سبب حجه فى تلك السن “المبكرة” كان ذلك عام …ولكنى شجعته وأنا أضمر شيئا..هو أن يرافقنى بعدها للحج..وقد كان…قبيل السفر كانت تنتابنى الهواجس والكوابيس فى كل مرة أبحث عن الباسبور ولا أجده أو أحاول أن أغتسل للإحرام فلا أستطيع وأستيقظ مفزوعة ..كنت سأسافر مع أبى وامى ولكن أبى اعتذر لعمل ضرورى وخاصة وقد حج أكثر من مرة وكان زوجى مسافرا فى رحلة عمل..وكان ذلك عام “2005”..عام السيول

كما أن نفقات الحج فى مصر أغلى نفقات على مستوى العالم ذلك أن السرقات والفساد فى مصر لايعرف الله ولايستثنى حتى رحلات الحج سواء من الحكومة أو من شركات السياحة وكان هذا أحد الأسباب التى كانت تجعل الناس يتعجبون من إصرارنا على الحج وهو مكلف تكلفة باهظة عاد زوجى من عمله فوجدنى منهارة وأخبرته بتعذر سفر والدى لظروف عمله..

 ظللت أنوح باكية لزوجى وأقول له بين دموعى ” انه لايريدنى.الله لايريدنى..لو دعانى للبيته..لم يدعونى…لو أرادنى لتيسرت الأمور..لم ينادينى بعد…كنت أعرف أنه لايريدنى..”
 قام زوجى وتركنى قليلا ثم عاد وقال لى..لقد لغيت اعمالى فى تلك الفترة وسأسافر أنا معك ومع والدتك…لم أصدق أذنى عندما قالها …وظللت أقول له “احلف انك مش بتهزر معايا..احلف..” فضحك وقال ” الحج مش هزار” ..

ظلت الكوابيس والشكوك رغم ذلك  تطاردنى حتى ملّ زوجى من رعبى فقلت له “لن أصدق أنه قبلنى إلا لما أرى الكعبة رأى العين” ..
فى مطار جده توقف الموظف أما الباسبور ونظر لى وقال ..هل هذه زوجتك؟ فقال ..نعم..سكت قليلا وعاد ينظر لى ..كنت قد سمعت عن حجاج عادوا من المطار ولم يؤدوا الفريضة لأسباب تتعلق بوثيقة السفر او أى شىء..شعرت أن الأرض تميد بى..فقلت للموظف..هو فيه حاجة غلط؟ والله هو زوجى …فضحك الموظف وقال ..طيب يا حاجة يا صغيرة اتفضلى..ويبدو أن وجهى وأمارات الجزع عليه أثارت شفقة الموظف فظل يمازح زوجى بعدها وهو يجهز باقى ورق والدتى ..

مكثنا فى مكة أسبوعا قبل عرفات ..مازلت أسمع صوت زوجى يؤم الحجاج فى الباص الذى يقلنا إلى مكة هو يلبى ونحن نردد وراءه بلا كلل ولا ملل….لبيك اللهم لبيك..لبيك لاشريك لك لبيك غن الحمد والنعمة لك والملك ..لاشريك لك..فكيف لا نلبى نداءه وهو  لاشريك له..!

قالوا لى…لك دعوة مستجابة عند النظرة الأولى للكعبة فاجعليها الفردوس الأعلى مع أحبابك..هذا لو تذكرتى شيئا لفرط جلالها..ظلت الهواجس تطاردنى..لن أصدق أنى رأيتها حتى أراها..قد أموت قبل الوصول لمكة…حجاج كثيرون ماتوا على أبوابها…أريد أن أراها ثم أموت لايهم..فمنذ عرفت بسفرى ووطأت قدمى أرض طيبة وأنا دموعى تسيل أنهارا لأقل سبب وابتسامتى لاتفارقنى لنفس الأسباب..

أخذنى زوجى من يدى بعد أن ذهب مع أمى أولا لقضاء عمرة لها فى نفس يوم وصولنا..ثم جاء دورى فعاد وقال لى استعدى..لرؤيتها..خفق قلبى خفقا شديدا لم يخفقه قبلها ولابعدها…وسرنا نحو باب الكعبة وكان الفندق ملاصقا لها ونوافذه ذات رؤية بانوراما على صحن الكعبة كأنها تابلوه طبيعى أو كارت بوستال….
كلما اقتربنا ..أشعر بقلبى يخفق أكثر وأكثر..حتى رأيتها…ظللت صامتة ودموعى تسيل بلا توقف كأنى قابلت حبيبا لى اوحشنى قربه..ظللت واقفة وزوجى “المتمرس” على رؤيتها قبلا فى حجة وعمرة يستحثنى على الطواف..طواف القدوم..أذكر أن الدعوة ساعتها كانت..”يارب”..

كنا نصلى ذات يوم وبجانبى امرأة صبوحة الوجه وبعد الصلاة ابتسمت لى وقالت ..مصرية؟؟ فقلت نعم ..قالت انا من الجزائر ..فقلت لها ونعم الشعب..قالت أريد ان أسألك سؤالا فقهيا فتعجبت فالمرأة كبيرة السن وأنا فى سن ابنتها ..!

قلت لها تفضلى ولا أدرى ما الجرأة التى جعلتنى أوافق ولكنى استشعرت سرا ما..قالت لى ابن شاب توفى منذ شهور ودمعى لفراقه لايرقأ وزارنى فى المنام حزينا لبكائى فنصحونى أن أعتمر له وسمعت مفتى الديار المصرية يقول بإباحة أن نعتمر لشخص قبل الحجة وبعد عمرة لنا …قلت لها نعم هو مباح ولم أكن أعرف أهو مباح أم لا ولكنى لم أشأ ان أحجر على فعل الخير ولم أشأ أن أفطر قلب أم مكلومة تنتظر منى أن أؤمن لها على كلامها لتقر عينها..والحمدلله أنه كان فعلا مباحا ولكن أحد الشيوخ المتزمتين أفتى بعدم جوازه..فكنا مع المعتدلين ومع قلب الأم التى بكت وأبكتنا معها…و…حقا الإختلاف رحمة..

كان الزحام رهيبا كأنه أمواج تأخذنى لأعلى أحيانا  وأحيانا تهوى بى…وزوجى يحاول ألا يفلتنى كطفلة بين يديه..كنا لانشبع منها.ولا من رؤيتها …ما أن نذهب للفندق حتى نعود لها سريعا ننتظر الصلاة..

يركع الجميع ويسجد الجميع وأتباطىء أنا حتى يسجد كل المصلين لأراها واقفة بشموخها وجلالها فابتسم لها ..كأنها حبيب قريب..كنت لا أصدق أذنى..أٌقول لزوجى..هل هى أمامى؟ هل يؤمنى الحذيفى والسديسى؟؟ هل هذا صوتهم الحقيقى وليس تسجيلا؟؟..هل نصلى الفجر حاضرا فى الكعبة؟ إنه الحلم..حلم كل مسلم..
فى عرفة أصبت بحمى شديدة وخاف الحجيج من الإقتراب مخافة ان يكون وباء ..ولازمت الخيمة وأنا أنتفض من الحمى..

كانت انفلونزا شديدة وهى بالفعل وباء لكبار السن..ولكن والدتى أصرت أن يصطحبنى زوجى حتى جبل الرحمة وقالت له..ستموت ولن تشعر بحجتها لو لم تر جبل الرحمة…
أخرجونى لزوجى واستندت عليه حتى وصلنا لجبل الرحمة وقد تحول للون الأبيض من كثرة الحجيج فوقه …وقفنا أنا وزوجى وقد انهارت دموعنا وإذا بجسدى وقد أفرز من العرق مالا يتخيله بشر…كأنه طوفان دموع وعرق ….دعونا وصلينا ركعتى شكر لله…وعدت لخيمتى وقد برئت تماما من ألام جسمى ومن الحمى..كانت الخيام مهيئة بشكل رائع ومليئة بموائد طعام مستديرة ومشروبات …ولكن كنا ارتوينا من رؤية جبل الرحمة..الذى خطب عليه الحبيب صلى الله عليه وسلم خطبة الوداع التى تدرس كمنهاج حياة كاملة ولهذا حديث أخر..
عدنا لطواف الإفاضة وكانت السيول..كنا نطوف بالكعبة ونرى غيوما لم نر لروعتها مثيلا وكان معظم الحجيج مازالوا بمنى..وقد تعجلنا نحن كما هو مباح لنا..وما غن هطلت الامطار حتى غرق الطواف وبدا المنظر رائعا وفجاة هتف الحجيج الله اكبر الله اكبر وهم يطوفون وقد استبشروا خيرا بهطول الامطار..وشعرنا ان السماء مفتوحة فلهجت ألسنتنا بالدعاء وكانت المياه تصل لبداية الساق فى باحة الحرم الشريف…فما أروع المنظر وما ألطفه بنا ربى..

كان الفارق بين فقراء الحجيج وأغنياءهم يصيبنى بألم فى معدتى فتعاف نفسى الطعام وترق للفقير الذى لايفرقه عن الغنى فى الحج شىء إلا نوعية الخدمة المقدمة له والطعام المتاح ..أما ربى فقد جئناه جميعا فقراء إليه ..

وانتهت مراسم الحج وذهبنا للمدينة ..و,..كان نفس موقف الكعبة عند قبر الحبيب ومنبره صلى الله عليه وسلم..كانت هناك مواعيد قصيرة ومحددة للنساء وباقى اليوم للرجال..وليتهم يعدلون ويجعلوا نصف اليوم للرجال والنصف الاخر للنساء..فكلنا عباد الله ووروضة الحبيب صلى الله عليه وسلم ليست ميراثا ليكون للذكر مثل حظ الانثيين…بل وأكثر والتدافع بين النساء قاتل ولارحمة بين النساء وبعضهن للعلم…!ولكن..لله الامر..

كان الزحام شديدا والوقت ضيق ووالدتى تسير على مهل وأنا أشدها وألهث…وأقول لها “اسرعى أرجوكى ياماما أرجوكى..” ولكنى توقفت وقد وجعنى قلبى وضميرى وقلت “والله لن يرضيه أن أثقل عليها لأزوره..وتمهلت تماما..

مشيت على خطى أمى البطيئة نتيجة الإرهاق الشديد ووصلنا للروضة وليس هناك مكان لقدم ..توسلت لسيدة بعد أن انتهت من الصلاة أن تتركنى أصلى فقط ركعتين وأبتعد عن مكانها لأنها فى موضع الروضة..ظللت أتوسل لها أن تسمح لى بركعتين ولكنها نظرت لى باحتقار شديد..فتبسمت وقلت لها..لبيك اللهم لبيك..

وقفت مكانى حائرة والنساء يركلن ويدفعن ويضربن بلا هوادة وأنا أحيط أمى بذراعى فوجدت يد لامرأة تربت على كتفى وتقول لى سأترك لك مكانى بشرط أن تدعى لإبنى بالشفاء فسالت دموعى وأنا ألهج بالدعاء لابنها بحرارة وأمى تقف بجانبى تحرسنى خشية أن يطأ الحجيج على رأسى وأنا ساجدة..ووجدتنى أدور فى الروضة  أنا وأمى وكلما وجد مكان خالى أجد أحد “الضابطات السعوديات” فى الحرم يشرن إلى دونا عن الناس  أن آتى للمكان وأصلى فيه..

صليت فى الروضة فى أكثر من مكان وأنا التى كنت أطمع فى ركعتين فقط وأعتقد أن هذا لأننى أشفقت أن أسرع فى المشى وأثقل على أمى فكان ثوابى ركعات وركعات فى الروضة الشريفة…التى لايكون بها عادة موضع لقدم وآه من النساء وتزاحمهن ..والله أشرس من الرجال..غفر الله للجميع…

انتهت الرحلة وكانت مثل رحلة الأحلام التى أرجو الله أن يكتبها لى مرة أخرى ولكل المسلمين وأنصح شباب الأمة بالتعجيل بالحج إن تيسر فهو مشقة شديدة ولا أنسى ذلك الرجل العجوز الطاعن فى السن المنحنى مثل زاوية تكاد تكون 90 درجة وهو يمسك بطرحة زوجته التى تسعى بين الصفا والمروة وهو عالق بطرحتها كطفل وأمه فكان المشهد أكبر من استيعابى ولكنى عرفت أن ما بين العبد وربه مشاعر لم يتوصل لحقيقتها أحد للان..إنه..الحب الإلهى الخالد الخالص …وحنين الشىء لأصله والروح للنور الذى ابنعثت منه والنفس لخالقها …فما أعظمه من رب…نعم الرب ربنا والله..

كل عام وأنت أيها القارىء الجميل بخير وصحة وستر من الله ..اللهم إنا نسألك فى يومك الأكبر أن تمن على أمتنا العربية والإسلامية بالسلام والعدل والديمقراطية وأن ترفع عنا حكم الطواغيت وتولى علينا من خيارنا من يصلحنا …آمين يارب العالمين..

زر الذهاب إلى الأعلى