-
صباح هناك ..
-
……………..
صباحٌ يعانقُ الضوءَ.. يسكرُ من شعاعٍ خجولٍ يُقَبّلُ خَدّ الصّبيَةِ .. يمسحُ خَدّ الصّبي الذي نامَ فوقَ سريرِ القَصَبْ.. تصفِقُ خلفَ نافذةٍ مُشْرعَةٍ للشّعاعِ..
عصافيرُ صُبْحٍ مُلوَنَةٍ تَنفُضُ الرّيشَ حتّى يبينَ الزّغبْ .. وتَرْنُو (رَيّانةُ العُودِ) إلىَ وَجْهِ مَنْ رَاحَ يَرْشُفُ الشّايَ هُناكَ
علىَ دِكّةٍ من خَشَبْ .. يهمهم ..تبتسمُ ..يهمسُ .. يلمسُ خديها .. تمتلأُ الوَجْنتانِ بِحُمْرَةِ تُفاحِهَا المَشْرِقِيّ.. تشاركُهُ في لَمْسِ خديْهَا تلكَ النسمةُ البكرُ ..
تُعانِقُ شالاً لها مُشربةً ألوانُهُ بلونِ الذّهَبْ .. تعانق كفّاها كفيّه .. تحكي العيونُ حكايةِ شوقٍ .. وتَحْكِي خُطوطُ الزمانِ على الجبهتين ..
ميلادَهُ..وميلادَهَا.. يُهَمْهِمُ هل تَذكرينَ.. ؟! تقولُ أتذكرُ أنتَ ؟!
-
تنداحُ حين التناجي الحروفُ..
تنداحُ دائرةُ الذكريات..وحين السكوتُ ..
يَخُطّ علىَ الأرضِ تلكَ الخُطُوطَ بعودِ الحطبْ..
ثم يروي لها… …كيف كان .. وكنّا..
وتروي له الحلمَ .. شكلاً.. ومعنَىَ.. يسيرانِ في رحلةِ الماضي.. عَبْرَ جُسُورِ التّنَهُدِ .. حين التعب.. وحين الغضبْ..
يسيرانِ في رِحلةِ الحَاضِرِعبر جسورِ الرجاء.. يفيقَانِ على صَوْتِ هذا الشّجَارِ الطّفُولِيّ بينَ الصّبِي وبينَ الصّبِيةِ ..
حين اقتسامِ الرّغِيفِ .. وكوبِ الحَليبِ .. فيبتسمانِ لهذا الصّخَبْ .. ويبدأ يوم جديدٌ سعيدٌ ..
كَكَلّ صَبَاحْ ..
-
————————————————————
-
تعليق على النص من الكاتبة : دينا سعيد عاصم
-
————————————–
-
لم تكن معرفتى بشعر المبدع الراقى حسين حرفوش أبدا حلقة عادية فى سلسلة ما أقرأه من أشعار ولاسيما أشعار نزار ودنقل ..فهو لم يصاحب صباى مثلهما ذلك أننى كنت أعانى من الإثنين ومن تسلطهما على ذائقتى التى توقفت عندهما فكنت أقرأ للآخرين وأهرع لهما فى حالة عطش شديد لايروينى غيرهما…لقد شكلنى شعرهما ..
-
ولكن شعر حسين حرفوش ” أعاد تشكيلى ” فقد غرقت فى تلك الأبيات وغمرتنى بتلك الروح الجديدة التى لم أقرأ مثلها والطزاجة فى الطرح والتناول لكل خاطرة فتعيد تشكيل الفكرة التقليدية فى قلب القارىء وذهنه فيراها بعينيه شيئا جديدا لا يعرفه ومختلفا عما وقر فى قلبه…
-
قرأت لحسين حرفوش وبدأت رحلة تدوينى لأشعاره ” نظرا لإهماله الشديد فى تدوينها نتيجة انشغاله وأيضا لكثرة وغزارة ما يكتب “..
-
ذلك أننى صادفت حالة غزارة إبداع لم أشهدها قبلا وكنت شاهدة على ميلاد معظم تلك الأشعار بشكل ارتجالى مدهش فعلا ..حسين حرفوش خلصنى من ارتباطى المزمن بدنقل ونزار ذلك الذى يمنعنى من تذوق غيرهما ..دخلت مع أشعاره عالما جديدا من الإبداع له طعم مميز لامثيل له…
-
الغريب هو قدرته اللانهائية على الطلوع بالفكرة مهما بدت ماديتها ……………..حتى عندما يصف المرأة وارتباطه بها أو حتى بتفاصيلها الأنثوية فهو يكتفى بالإيماء المغلف برقة غير معهودة فهو ليس المتبتل اللاهى عن الجمال المرئى أبدا فهو يراه ويعيه ويشعر به ويحركه ..ولكنه يتعامل مع هذا الجمال برقى ويصفه بترفع.. فيرتفع بالتفاصيل التى قد يغرق البعض ويتدنى بها فإذا هو صاعدا بها فى حالة ابداع وتوهج عجيبة..
-
حسين حرفوش هنا لايصف حبا عاديا ولا مشهدا نستطيع تصوره فى قصيدة …لقد كان لحسين حرفوش السبق فى القصيدة المرئية المحسوسة التى نكاد نلمس تفاصيلها ..
-
من قرأ تلك القصيدة شاهد الرجل الفلاح الرابض كأسد عجوز عركته الحياة وبجانبه امرأته الرائعة التى شاركته الحياة وحولهما يجلس الطفلان ..
-
كل التفاصيل التى تمر دون أن نلتفت لها وتمر علينا مرور الكرام نحت منها قصيدته بسهولة وبلا تعنت بمفرداته الرائعة وبلاغته التركيبية….حسين حرفوش يؤرخ للجمال ولكل موقف يمر بنا يستطيع بمنتهى السهولة تحويله لقصيدة فكأنما حياته بكاملها “وقد أرخ لها بالفعل فى أشعاره ” يعيشها كقصيدة طويلة نشاركه فيها روعتها ونقرأها معه فنفهم ما نفهم.. ونشعر بما نشعر وتعز علينا بعض التفاصيل العصية على الفهم والتى يحتفظ بها لنفسه ولمن اقترب منها…
-
حسين حرفوش فى تلك القصيدة يؤرخ لوالديه و لكل أب وأم فى ريف المنطقة العربية ذلك الذى يحمل نفس الملامح والتفاصيل والمصاعب ورحلة الحياة الثرية بين اثنين عشقا بعضهما دون أن يعرفا ذلك فجاءت ذكرياتهما كينبوع ماء يتفجر بينهما شاردا غجريا ينقلنا وينقلهم لعوالم قلما يتذكرها أحد ولكن حسين هنا وفى كل قصيدة يذكرنا بها ..فكأنما يذكرنا بأنفسنا…!
-
حسين حرفوش يفتش فينا ويستخرج روائعه …إنه فعلا راقى ومبدع ويستحق شعره أن نصطبح به ونمسى ..إنه ليس شعرا عاديا بل هو تربية للنفس والروح على السمو والبلاغة والتأمل ..ألم أقل لكم… إنه يذكرنا بأنفسنا…!