إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

عائد من جحيم المعارك يروي: (ثوار) ليبيا‭ ‬يعدمون ‬مدنيين‭ ‬بدم‭ ‬بارد‭ ‬ويبيدون ‬عائلات ‬استجارت‭ ‬بهم

 

عائد من جحيم المعارك يروي: (ثوار) ليبيا‭ ‬يعدمون ‬مدنيين‭ ‬بدم‭ ‬بارد‭ ‬ويبيدون ‬عائلات ‬استجارت‭ ‬بهم

واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة… حتى بلغت العد إلى خمس وعشرين جثة، حينها توقفت عن العد لاعتقادي أنها مجزرة وجريمة ضد الإنسانية وملحمة كبرى لم أر مثيلا لها، كان يوجد بين القتلى كبار وصغار من مختلف الجنسيات، أعمال لا تغتفر وآلات المآسي كانت قد مزقتهم هنا وهناك لم يخل ما رأيت من أياد وأرجل مبتورة.. من رؤوس استندت على المجاري بعد أن كانت تستند على أكتافها.. من أشلاء معلقة فوق قضبان بناية استحالت أنقاضا.. من شوارع خيّمت عليها آلام اختارت الصمت عنوانا لها، أحقا هذا هو القرن الحادي والعشرين أحقا نحن في عام 2011 وقوفي‭ ‬هناك‭ ‬جعلني‭ ‬أشك‭…‬

أتذكر العشرات من الموتى وأجسادهم مبعثرة على أطراف الشارع والأشجار والأكواخ بالقرب من مركز الخدمات في المنطقة الصناعية بـ”سرت” وفندق “المهاري” بذات المدينة، وكنت شاهدت الجثث مباشرة بعد قتلها والقضاء عليها، كما أن صور الجثث لن تمحى من ذاكرتي أبدا، خاصة تلك التي‭ ‬كانت‭ ‬ملقاة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬ومكان‭ ‬إصابتها‭ ‬رصاصات‭ ‬اخترقت‭ ‬رؤوسهم‭ ‬لترديهم‭ ‬قتلى،‭ ‬وتخرج‭ ‬بهم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬أخرى،‭ ‬وذهبوا‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬دون‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬رأوه‭ ‬أو‭ ‬تعرضوا‭ ‬له‭.‬

من البشاعة أن ينهي إنسان حياة إنسان آخر، ولكن الأبشع أن يرميه على قارعة الطريق عرضة لنهشات القطط والكلاب الجائعة المتشردة، التي أصبحت هي الساكن الحقيقي لمدينة الأشباح، سرت التي هُجر منها الآلاف من سكانها عنوة وأخرجوا من ديارهم… لم أستطع إحصاء عدد الجثث في محاولتي الثانية صبيحة يوم الخميس الموافق للعشرين من شهر أكتوبر، كما أني لم أستطع تمالك نفسي من الغضب والبكاء، فلا يوجد حد يفصل بين مشاعري كإنسان وكوني صحفيا يصف موقفا، فأنا كائن بشري وصحفي في آن واحد، أسعى لأن أكون محايدا قدر الاستطاعة، لكنني أقف إلى جانب من يعانون… من يتألمون… وهو ما دفعني إلى الشعور بالغضب العارم والحزن الكبير، وأنا بين جثث أحاول إحصاءها، قلت في نفسي: “ما هذه الحرب التي تجعل الإنسان يقتل ابن جلدته أو كائنا بشريا بغض النظر عن دينه أو عرقه لسبب واحد هو الكراهية”.

كانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهرا، عندما كنت أعاين أكثر من 25 جثة لمن قيل عنهم إنهم موالون للعقيد معمر القذافي، كانت أغلب هذه الجثث لأشخاص يلبسون ألبسة مدنية، ودماؤهم في مجاري الطريق القريب من مركز الخدمات لتصفية المياه بالمنطقة الصناعية لسرت، كما أن بعضهم كانت أحشاؤه وأمعاؤه مرمية على الأرض بسبب بقر بطنه بالأسلحة البيضاء من السكاكين العسكرية وحراب الأسلحة الرشاشة، كما أن أغلب هذه الجثث كانت مقيدة بالأسلاك المعدنية مرمية على بطنها ورؤوسها تنزف من الدماء بسبب الطلقات النارية التي وجهت إليها عقب إعدامها من الثوار‭ ‬الذين‭ ‬تواجدوا‭ ‬بالمنطقة‭. ‬

الثوار‭ ‬يقصفون‭ ‬مدنيين‭ ‬كانوا‭ ‬يستنجدون‭ ‬بهم

إضافة إلى هذا، كنت خلال تواجدي بقصور الضيافة الرئاسية التي كانت الحرب دائرة فيها بين الثوار وكتائب القذافي في العشرة أيام الأولى من شهر أكتوبر، كنت شاهدا على شجار كبير بين الثوار، كاد أن يتحوّل إلى نزاع مسلح بينهم في الخط الأمامي، بسبب استخدامهم دبابات مدرعة قامت بقصف منازل سكنية وهم يعلمون أن فيها عائلات كانت تنادي بمساعدتهم لإخراجهم من المدينة والحي الذي تدور فيه رحى الحرب، غير أن الثوار قاموا بقصف هذه العائلات في المنازل السكنية في العمارات القريبة من الحي المجاور لقصور الضيافة الرئاسية.

ولم تقتصر هذه الانتهاكات على هذا الحد فقط، بل تعدت إلى حد تدمير البنية التحتية للمدينة من طرف الثوار أنفسهم، حيث كان الكثير منهم وفي مختلف الجبهات والمدن التي خاضوا فيها معارك مع الموالين للقذافي، يقومون بالهجوم على منازل المدنيين ويقومون بسرقتها وبعدها تدميرها‭ ‬إما‭ ‬بقارورات‭ ‬غاز‭ ‬البوتان‭ ‬أو‭ ‬إضرام‭ ‬النار‭ ‬فيها‭ ‬بعد‭ ‬رشها‭ ‬بالبنزين‭ ‬الذي‭ ‬كانوا‭ ‬يحملونه‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬ستراتهم‭ ‬العسكرية‭. ‬

تهديد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الثوار‭ ‬بتصفيتي‭ ‬إذا‭ ‬داومت‭ ‬تصوير‭ ‬إعدام‭ ‬الأسرى

أهم ما كان يميز بين الثوار والموالين للقذافي، أن الثوار كانوا يعيشون في بحبوحة مقارنة مع الموالين للقذافي، حيث كان الثوار لهم خاصية زيادة العدد والتموين الذي كان يصل باستمرار وكذا التغطية الجوية لهم من طائرات الحلف الأطلسي “الناتو” والمدفعية من الراجمات والدبابات التي تتمركز في الخطوط الخلفية، في حين كان أفراد الكتائب الأمنية للقذافي في سرت بالحي الثاني لم يتجاوز عددهم الـ300 شخص، بحسب ما صرح به أحد الحراس الشخصيين للقذافي الذي أجري معه تحقيق، وكانت الشروق حاضرة فيه، كما أنهم كانوا يتعرضون للقصف الجوي باستمرار، وهو ما حدّ من حركة السيارات المقاتلة التابعة للقذافي، في حين كانت معنويات الثوار جد مرتفعة لاعتقادهم أنهم مقبلون على النصر، بينما كانت معنويات الموالين للقذافي منهارة جدا لأنهم بصدد الدفاع وانقطاع التموين عنهم بالمواد الغذائية، إضافة إلى كثرة الإصابات في صفوف من بقي من 300 شخص مع القذافي، وسجلت في العديد من المواقف التي ألقي فيها القبض على مسلحين من أفراد كتائب القذافي انهيار معنوياتهم حتى أن بعضهم بدأ يصرخ ويسب في العقيد معمر القذافي.

تعرضت يوم الخميس الموافق للعشرين من شهر أكتوبر والذي قتل فيه العقيد معمر القذافي ونجله المعتصم ووزير دفاعه أبو بكر يونس، للكثير من التهديدات بالقتل والتصفية وحتى أن بعضهم سحب السلاح الرشاش ضدي وهمّ برميي بالرصاص، عندما انتبه إليّ أنني أقوم بتصوير لحظة توقيف المرتزقة وحتى أشخاص مدنيين واقتيادهم للقتل، وصرخ في وجهي الكثير من المرات أن أتوقف عن التصوير، وأسلمه الكاميرا التي كنت أحملها “وقف التصوير وقف التصوير”، هي الكلمات التي كان وقعها كبيرا في حياتي، حيث جاء بعدها سحب السلاح ضدي، وشعرت في تلك اللحظات أنه سيتم‭ ‬تصفيتي،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬علمنا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الثوار‭ ‬كان‭ ‬همّهم‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬التفاخر‭ ‬بالقبض‭ ‬وإعدام‭ ‬المرتزقة‭ ‬والمتهمين‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يلبسون‭ ‬ثيابا‭ ‬مدنية‭.‬

لم أجد نفسي إلا وأنا أجيب مجموعة الثوار المسلحين الذين التفوا حولي، أنني صحفي باللغة الإنجليزية والفرنسية “أيام جورناليست، جو سوي جورناليست”، كما أظهرت لهم الاعتماد والتصريح الذي تم إعطائي إياه من اللجنة الإعلامية بالمجلس الانتقالي، في هاته اللحظات تقدم أحد الثوار من مدينة “مصراتة”، وقال لهم: “يا رجال هذا صحفي، وأنا متأكد من هذا، كانت ترافقه كتيبة الشهيد من “مصراتة”، فلا داعي لأن ترتكبوا حماقة وتتسببوا في إيذاء الإعلاميين الذين ناصروا الثورة الليبية من مهدها”.

كانت كلمات هذا الرجل الذي أجهل هويته لحد الساعة، هي التي أنقذتني خلال تلك الدقائق التي كنت فيها وحدي وبعيدا عن مرافقي من الكتيبة التي كان أفرادها منشغلون بالاشتباك ومطاردة أشخاص آخرين في موقع لا يبعد عنا إلا بحوالي 500 متر.

الروح البشرية أصبحت لا تساوي شيئا في الحرب الشرسة، الفرق بين استباحة دم الإنسان أو جعله حراما هو كالسبابة والإبهام، لا يفرق بينهما إلى فاصل صغير جدا، وبهذه السهولة يموت الإنسان، أدركت ذلك جيدا وأنا في الخط الأمامي للقتال كنت أقول في نفسي وأشد من عزمها، أنت‭ ‬لست‭ ‬ذاهبا‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭ ‬أنت‭ ‬ذاهب‭ ‬لنقل‭ ‬الحقيقة‭ ‬إلى‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬وذهابك‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬موتك،‭ ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬أخاطر‭ ‬بحياتي،‭ ‬لكشف‭ ‬الحقيقة‭ ‬ونقلها‭ ‬للناس‮”‭.‬

والمراسل الصحفي لا يمكن أن يبقى في مأمن عن النار والطلقات النارية، لكن الدرس الذي تعلمته أن الأمر يستحق العناء… ثم بعدها الخوض في مغامرة، وفي بعض الأحيان كان ينتابني خوف رهيب، خاصة في الخطوط الأمامية، فالخوف شعور طبيعي ينتاب أي شخص، خاصة في المواقف التي يشعر فيها بالخطر الذي قد يؤدي به إلى فقدان حياته، لكن الدافع الذي يدفعك إلى المخاطرة هو محاولة الإطلاع على أكبر كم من المعلومات لنقلها في تقارير جدية ومهنية إلى الجريدة التي تعمل فيها وللملايين من القراء.

رائحة‭ ‬الدم‭ ‬وجثث‭ ‬الموتى‭ ‬غيّرت‭ ‬واحة‭ ‬الله‭ ‬‮”‬سرت‮”‭ ‬إلى‭ ‬مقبرة‭ ‬جماعية

امتلأت ذاكرتي بمشاهد الحرب والقتلى والأشلاء وجثث الضحايا، فلم أكن شاهدا فقط على خسارة جيش أو طرف وانهزام آخر، بل كنت شاهدا على انهزام النفس البشرية والإخفاق الكامل للروح البشرية، حيث انعدمت المشاعر الإنسانية من كلا الطرفين، سواء من الكتائب الأمنية للقذافي التي دمرت مدنا بكاملها على رؤوس أصحابها، أو الثوار الذين سقطت صورتهم في ذهني عند رؤيتي لتجاوزات القتل والإعدام وتصفية أشخاص بدون محاكمة لمجرد الاشتباه فيهم أو كونهم كانوا في المكان والوقت غير المناسبين.

فقد كنت خلال تواجدي بـ”سرت” أستيقظ مرات عديدة بسبب رائحة الموتى والجثث المكدسة في الشوارع التي كانت رائحتهم تفوح بسبب تعفنها، حتى أصبحت ملابسي هي الأخرى تفوح برائحة كريهة ولصقت بثيابي التي أحرقتها بعد عودتنا إلى مصراتة، فبعدما كانت “سرت” واحة من واحات الله‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬للاستجمام،‭ ‬وأخذ‭ ‬نسيم‭ ‬بحرها‭ ‬العابق‭ ‬أصبحت‭ ‬رائحة‭ ‬الموت‭ ‬وتعفن‭ ‬الجثث‭ ‬هي‭ ‬المسيطر‭ ‬عليها‭.‬

حين تعيش دون كهرباء أو حين تتعوّد على الرائحة الكريهة، القاذورات والمرض، وحين تكافح من أجل الحصول على رابط للإنترنت وعندما تتعوّد على ركوب السيارات والذهاب إلى جبهة القتال والتعرض لأخطار الحرب، لتكتب ما تشاهد وتنقله إلى القارئ في الدول الأخرى، كل هذا مرهق جدا‭ ‬يسيطر‭ ‬عليك‭ ‬اليأس،‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬برهة‭ ‬تشعر‭ ‬أنك‭ ‬تعوّدت‭ ‬على‭ ‬أخطار‭ ‬الحرب‭ ‬وعلى‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬الموت‭.‬

‭ ‬أتذكر‭ ‬جيدا‭ ‬أنني‭ ‬حين‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬الميداني‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬بسرت،‭ ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬العمليات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬الدم‭ ‬البشري‭ ‬يغطي‭ ‬المكان‭ ‬وله‭ ‬رائحة‭ ‬متميزة‭ ‬جدا،‭ ‬لم‭ ‬تغادر‭ ‬أنفي‭ ‬لحد‭ ‬الساعة‭.‬

أينبغي لي أن أقرف من هذا؟ لن أخفي عليكم أنه انتابني شعور بالاشمئزاز ولكن في خضم كل هذا، من الصعب أن تتذكر من تكون أو لماذا أنت هنا، كل ما يمكنني قوله لقد كان آسرا… آسرا بصورة بشعة.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد