إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

تداعيات الربيع السوري: تحالف شيعي مسيحي في مواجهة السُنّة

 

تداعيات الربيع السوري: تحالف شيعي مسيحي في مواجهة السُنّة

ترددت كثيرا قبل أن تناول هذا الموضوع خاصة في ظل الظروف والمعطيات الراهنة التي تمر بها سوريا والجهود الجبارة التي يبذلها المخلصون في صفوف الشارع السوري والمعارضة الوطنية لجمع الصفوف وتوحيد الكلمة وتبديد مخاوف الأقليات الدينية والقومية في البلاد. جال في خاطري وأنا أرتب أفكاري واستجمع معلوماتي عتب بعض الأخوة من الطائفة العلوية الذين نكن لهم كل احترام وتقدير والذي يدفعون منذ استيلاء الأسد الأب على مقاليد السلطة إلى يومنا ثمنا باهضاً لمواقفهم الوطنية المشرفة وعلى رأسهم أكثم نعيسة الذي يتعرض منزله في اللاذقية اليوم لنيران الشبيحة والأمن لأنه يدافع عن حقوق الإنسان السوري بغض النظر عن ديانته وطائفته، وعارف دليلة عميد كلية الاقتصاد السابق الذي أودع السجن لسنوات عديدة لأنه قال “إن مصروفات سيارات المسؤولين وضباط الأمن وأبنائهم تكفي لمضاعفة رواتب الموظفين الحكوميين مرتين”، ووحيد صقر الذي يدافع عن الشعب السوري في شجاعة قلّ نظيرها والفنانة فدوى سليمان وغيرهم.

كما استذكر وأنا أخوض بهذا الحديث تضحيات مسيحيي سوريا وعلى رأسهم الناشط السوري ميخائيل سعد الذي تقدم منذ أيام بطلب انضمام لجماعة الإخوان المسلمين السورية “نكاية ببعض اليسار السوري وبعض العلمانيين الشكليين وبعض القوميين، وقبل هذا نكاية بالسلطة السورية” كما قال. كما أستذكر وقفات بعض الشبان المسيحيين – رغم قلتهم – وانتظارهم في أيام الجمعة أمام أبواب المساجد للمشاركة في المظاهرات التي تنطلق من أمامها عقب الصلاة، أتذكر موقف التنظيم الآشوري في دعم الثورة السورية والذي أعتقل بعض أتباعه وتعرضوا لشماتة وانتقادات إخوانهم في الدين (لأنهم يعطون صورة مغلوطة عن السريان ومواقفهم، ولا ينظرون الى الموضوع نظرة بعيدة وحكيمة) كما ينقل عنهم الكاتب الأشوري المعارض داويد زبداي في أحد مقالاته.

لعل البعض وبعد إطلاعه على المواقف السابقة لثلة من الوطنيين العلويين والمسيحيين ،يعتبر أنه من باب الإجحاف ونكران الجميل الحديث عن تحالف مسيحي شيعي، والحديث في الوقت ذاته عن ثورة سنيّة ضد الحكم الطائفي في سوريا.

ولكن ولإيضاح الصورة فلابد من الإشارة أولا أن المقال ليس تحريضا على المسيحيين بمختلف مذاهبهم أو الشيعة على تنوع فرقهم ،إلا أن الواقع يشير الى أن أهل السّنة اليوم يقفون في الساحة وحدهم أمام آلة القمع الأسدية التي نجحت الى حد كبير في تحييد المؤسسات الدينية الشيعية والمسيحية بل وحشدها في صفه.

وسنبدأ باستعراض مواقف الشيعة من الأحداث في سوريا ، حيث أنه من اليسير على المتابعين للشأن السوري ملاحظة حجم الدعم الذي حظي به نظام الأسد من الشيعة في الداخل السوري ( علويين ومرشديين وشيعة ومعهم الدروز) وفي بقية أنحاء العالم الإسلامي لدرجة يصعب فيها التنويه بحالة شاذة واحدة دعم فيها رجل دين أو حزب أو حكومة محسوبة على الطائفة الشيعية مطالب الشعب السوري المنادية بالحرية والانعتاق من هيمنة عائلة الأسد وحكم الحزب الواحد منذ ما يزيد على نصف قرن.

وقد أثار الدعم الذي حظي به نظام الأسد من شيعة ايران والعراق ولبنان والبحرين والكويت الكثير من الاستياء وعلامات الاستفهام عند الشارع السوري بشكل خاص والعربي بشكل عام، متسائلين عن الازدواجية التي تحكم مواقف الشيعة وتوجهاتهم الدينية والسياسية في هذه القضية ، إذ كيف يستوي لديهم تحريم تسلُّم حزب البعث للحكم في العراق وتكفير أعضائه، بل والإفتاء بجواز استعانة قوى المعارضة الشيعية (بالشيطان الأكبر وقوى الاستكبار الغربي) – كما يصفهم علماء الشيعة – للإطاحة به ، في حين تُشن حملات التخوين على الشعب السوري وقياداته المعارضة لمطالبتهم بإنهاء حكم حزب البعث وتدخل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لحمايتهم من بطش النظام الطائفي البعثي.

لم يعد البعد الطائفي في المشهد السوري خافيا على أحد فاليوم تضع الدول والحكومات التي يهيمن عليها الشيعة في كل من ايران والعراق ولبنان وبعض حلفائهم في المنطقة بكل ثقلها لإنقاذ نظام بشار الأسد الآيل للسقوط تحت ذرائع وحجج مختلفة، بزعم أنه النظام الممانع والمقاوم الوحيد في المنطقة العربية في وجه الصهيونية والامبريالية العالمية.

لقد حاولت ايران التي تقود المحور الشيعي ومن خلفها حلفائها أن تلقي في محاولة يائسة بطوق النجاة لنظام الأسد الذي بدأ يترنح اقتصاده تحت وطأة العقوبات الدولية وتراجع الصادرات النفطية وتدهور قطاعات التجارة والصناعة والسياحة ومن قبلها قطاع الزراعة الذي أسهمت سياسات النظام الرعناء في تدميره. فقد جرى الحديث في وقت سابق عن ستة عشر مليار دولار مساعدة للنظام السوري تعهدت الحكومة العراقية بعشرة منها في حين تكفلت طهران بالجزء المتبقي، وذلك بحسب اعترافات عضو في تحالف المالكي لصحيفة الشرق الأوسط 2-8-2011م، وفي الوقت الذي قلّلت فيه دول عربية مستوى العلاقات الدبلوماسية والتعاون مع دمشق واستدعت دول أخرى سفرائها، قامت الحكومة العراقية باستقبال المسؤولين السوريين ووقعت معهم المعاهدات وعرضت الدعم السياسي والاقتصادي.وقد جاء التغير في الموقف العراقي بعد سلسلة من التصريحات المتضاربة التي انتهت بتأكيد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في لقاء مع التلفزيون العراقي، أن بغداد تعارض بشدة تغيير النظام في سورية(صحيفة القدس العربي 9/10/2011م). كما أكد المالكي لمجموعة من رجال الأعمال السوريين المرتبطين بالنظام أن سورية ستحل محل تركيا في عدد من عقود العمل والبناء الكبرى التي يحتاجها العراق، وجرى الحديث أيضا عن خطة لربط إيران والعراق وسورية بشبكة أنابيب نفط وغاز.كما جرى الحديث – بحسب ريما فليحان الناطق الرسمي باسم المجلس الأعلى لقيادة الثورة في سوريا – وذلك في بيان استنكار للحكومة العراقية بتاريخ 16 تشرين ثاني الجاري عن عشرات الحافلات المحملة بعناصر قيل أنها من جيش المهدي الى الأراضي السورية عبر معبر التنف وقد وصلت تلك الحافلات الحدود السورية مصحوبة بقوات عراقية ومن ثم دخلت تلك المليشيات الى سوريا من غير أن تختم جوازاتهم.

في حين ذهبت طهران في دعمها للأسد موقفا أبعد من ذلك حين أعلنت على لسان الناطق باسم الخارجية الإيرانية رامين مهمانبرست أن “البلدان الإستكبارية قررت زعزعة الاستقرار والهدوء في سورية وممارسة الضغوط على هذا البلد لفتح الطريق أمام الكيان الصهيوني للفرار من مشاكله”، مضيفا بحسب وكالة الأنباء الإيرانية إرنا 12 -9-2011م “إن الأحداث التي وقعت في سورية تبين انه لم تكن هناك تظاهرات ومطالب شعبية بل قامت الجماعات المسلحة بقتل الناس والشرطة بصورة مترافقة “. كما كشفت مصادر مطلعة في اسطنبول لمعارضين سوريين أن إيران تسعى إلى المضي قدما في دعم النظام السوري حتى لو وصل ذلك إلى تشكيل دولة علوية في الساحل السوري متصلة مع بعض المناطق في لبنان.

وقد أشارت مصادر الثوار في سوريا عبر مواقعهم على الفيس بوك الى أن إيران قدمت لسوريا وسائل تكنولوجية لمراقبة الإنترنت والتنصت على هواتف الثريا والنشطاء، فضلا عن الأسلحة والإمدادات وما قيل عن مشاركة قوات من كتيبة القدس النخبوية الإيرانية لقمع الانتفاضة السورية.

وبالانتقال الى دور حزب الله الحليف الأهم لطهران في المنطقة، نرى أنه لم يشذ عن مواقف طهران بل بدا متماهيا معها الى حد كبير جعلت من شعبيته العربية والإسلامية التي حازها بسبب مقاومته لإسرائيل على المحك ، فحزب الله بات متورطا في الأحداث السورية الى حد يصعب نفيه، فمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أشارت في تقرير لها في 5 آب الماضي الى أن إيران وحزب الله متورّطان على حد سواء في قتل الجنود السوريين الرافضين لإطلاق النار على المتظاهرين، ونشرت تقريراً مفصلاً من 20 صفحة يشتمل على صور وشهادات لاجئين وجنود منشقين عن النظام السوري، يتواجدون الآن على الحدود التركية. ويؤكد التقرير أن الجنود السوريين الذين رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين قتلوا بعد اعتقالهم على يد عناصر تنتمي إلى حزب الله اللبناني أو قوات إيرانية تابعة للحرس الثوري المتواجدين في سوريا لمساعدة النظام السوري في قمعه للمتظاهرين. كما دعا حسن نصر الله الأمين العام للحزب في كلمة له على قناة المنار السوريين الى “الحفاظ على بلدهم ونظامهم المقاوم والممانع”(القدس العربي 26 -5-2011م )، وأعلن حزب الله صراحة وعلى لسان كبار مسئوليه أنه لن يقف مكتوف الأيدي بينما تتصاعد الضغوط الدولية على الأسد للاستجابة إلى المحتجين. فضلا عن هذا فقد تبنت وسائل الإعلام التابعة للحزب مواقف النظام والدعاية له، بل وصل الأمر بقناة المنار أن أعلنت في شهر أيلول الماضي تضامنها مع قناة الدنيا المملوكة لرامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار الأسد في وجه الحملة الساخرة التي يشنها نشطاء الثورة السورية عبر صحفهم ومواقعهم الالكترونية على القناة التي تفتقر الى النزاهة والموضوعية في برامجها وتقاريرها الإخبارية فضلا عن المضمون الإعلامي الهزيل لتلك البرامج.

تدخلات حزب الله في سوريا ليست مبالغة أو تهويلا أو ترديدا لتقارير منظمات دولية قد يتهمها البعض بالتبعية للغرب كما يظن البعض، فقد صدر عن طلبة جامعة دمشق في الأول من أيار 2011م بيان شكا فيه من ممارسات قمعية يمارسها طلبة “حزب الله وإيران” الدارسين في الجامعات السورية بحق الطلبة الذين يتظاهرون أو يبدون دعما للحراك الشعبي في سوريا حيث يتم القبض عليهم من طلبة حزب الله وإيران ويتم تسليمهم لأجهزة الأمن السورية، والتهمة الموجهة عادة تكون التحريض على التظاهر في الجامعة. كما طالت تهديدات حزب الله الدول العربية المتعاطفة مع الشعب السوري حيث هدد منذ أيام الصحفي والسياسي اللبناني مدير المركز الدولي للدراسات الإعلامية والإستراتيجية رفيق نصرالله المقرب من حزب الله والموالي لنظام بشار الأسد، الأردن ‘بخلايا نائمة’ في حال ضربت سوريا عسكريا . و في رده على سؤال خلال حوار اجرته معه فضائية ‘الدنيا ‘ السورية عن دعوة الملك عبد الله الثاني الأسد للتنحي، قال نصر الله ‘ لا يعتقد النظام الأردني انه سيكون بمنأى عن هذه الإحداث ، فلدينا خلايا نائمة في الأردن ستتحرك في حال ضربت سوريا وستفتح الجبهات على طول الحدود مع الاردنية مع فلسطين المحتلة لتقض مضاجع النظام ، و قال نصرالله إلى أنه ‘ستعم الفوضى بالشرق الأوسط وستغلق قناة السويس ومضيقي باب المندب وهرمز ويصبح سعر برميل النفط 500 دولار وستفتح جبهة الجولان وتتحرك المقاومة في فلسطين ولن تبقى إيران ساكتة’ .

لم تقتصر المواقف الشيعية المؤيدة للنظام في سوريا على ايران والعراق وحزب الله وحدهم، بل شاهد الجميع مهرجانات التأييد والدعم التي أقيمت في الكويت والبحرين للنظام السوري في وجه من يصفونهم بعملاء أمريكا والصهيونية العالمية من المنتفضين على نظام المقاومة والممانعة في سوريا!!!.

ومن اللافت أن إيران التي ابتلعت العراق ولبنان وتسعى اليوم لابتلاع سوريا تحت سمع وبصر الأنظمة السنيّة في المنطقة قالت وعبر أسبوعية “صبح صادق” المتحدث الرسمي باسم الحرس الثوري الإيراني، في عددها بتاريخ 19 تموز الماضي منتقدة الحكومة التركية المتعاطفة (قولاً لا فعلاً) مع الحراك الشعبي في سوريا :”لو استمرت تركيا في الإصرار على مواقفها على هذه الوتيرة سيؤدي ذلك إلى تفاقم الأزمة، الأمر الذي سيرغم إيران على التفاضل بين تركيا وسوريا، وفي هذه الحالة منطق المصالح الإستراتيجية والمعرفة العقائدية سيدفع إيران نحو اختيار سوريا”. وهنا فلا مانع لدى شيعة ايران من دعم إخوتهم في العقيدة من الطائفة العلوية بناء على (المعرفة العقائدية) ولكن بالمقابل يحظر على تركيا أو الدول العربية دعم إخوانهم من السنة في سوريا وفق المبدأ العقائدي والمعرفي ذاته.

البعد الطائفي في الأزمة السورية أخذ منحى إقليميا خطيرا واصطفافا غير مسبوق، فالعلويين في تركيا والذين ينعمون بالحرية والمساواة ومستوى معيشي يفوق بعض دول الاتحاد الأوروبي أعلنوا تأييدهم لنظام الطائفة في سوريا واستكثروا على السوريين المطالبة بتغييره ، حيث يروي تقرير لصحيفة الإندبندنت البريطانية ونشرته صحيفة القدس العربي بتاريخ 17-6-2011م أن معارضي استقبال السنة من العلويين الأتراك قاموا بأكثر من مظاهرة في تركيا ضد اللاجئين من سوريا. ونقلت عن سكان من المنطقة ممن ينتمون للطائفة العلوية قولهم “إن القصص التي يحكيها اللاجئون غير صحيحة ،هم كذابون، بشار الأسد كان جيدا معهم، وستحدث اضطرابات أكثر لو أجبر على الخروج من السلطة، ليس في سورية ولكن في تركيا كذلك’. كما نقل أقارب المقدم حسين هرموش مؤسس لواء الضباط الأحرار وأول المنشقين عن الجيش السوري تفاصيل إلقاء القبض عليه ونقله الى داخل الأراضي السورية والتي تمت بواسطة المخابرات السورية باشتراك عناصر من المخابرات الإيرانية وعناصر من المخابرات التركية من الطائفة العلوية .

المشهد الطائفي داخل سوريا يزداد سخونة وتوترا مع قيام القيادة السورية بتسليح العلويين استعدادا لما يبدو أنه حرب طائفية سيشعلها النظام، فمنظمات حقوق الإنسان السورية والتقارير القادمة من المدن الساحلية والوسطى تفيد بأن عمليات تسليح كبيرة للعلويين تجري على قدم وساق ، وقد قال أنس الشغري أحد الناشطين في مدينة بانياس قبيل اعتقاله لوكالة رويترز ” قاموا بتسليح القرى التي يقطنها علويون في التلال المطلة على بانياس ونواجه الآن ميليشيات من الشرق.” مضيفا ” يؤسفني أن أقول أن الدعاية التي يروجها الأسد بان العلويين لن يتمكنوا من البقاء إذا أطيح به تجد استجابة بين جيراننا العلويين “.

بالانتقال الى الدعم المسيحي لنظام بشار الأسد فإن مواقف الكنائس المسيحية في سوريا قد بدت متناغمة ومتوافقة الى حد كبير في تأييدها لبشار الأسد. وعلى أرض الواقع فقد نجح النظام السوري وعلى مدى العقود السابقة من حكمه في كسب ولاء رؤساء الكنائس السورية الى صفه، ونحن نرى اليوم ثمار ذلك دعما لافتا للنظام في مواجهته للثورة الشعبية ،حيث برزت دعوة زعماء الكنائس المسيحية لرعاياهم الى عدم المشاركة فيها بشكل واضح لا لبس فيه، فالمطران يوحنا إبراهيم رئيس طائفة السريان الأرثوذكس وهو من أهم الشخصيات الكنسية في سوريا يقول بصراحة: “أن الكنائس لا تشجع الناس على المشاركة في المظاهرات”. ويقول انه “”متأكد من أن 80 في المائة من المسيحيين يحضرون للكنيسة للاستماع إلى رأيها بشأن الاحتجاجات وهم يلتزمون بموقفها”.

كما أصدر مجلس أساقفة الكنائس المسيحية في دمشق بياناً مشابها في وقت مبكر من عمر الثورة السورية في 29 آذار 2011جاء فيه “إن ما يحدث في بلادنا هو مؤامرة خارجية اشتركت فيها – مع الأسف- أيادٍ داخلية”. أما البطريرك زكا الأول عيواص فقد ذهب أبعد من ذلك، فهو يعتقد بأن هناك مؤامرة طائفية على سوريا هدفها ضرب التجانس بين الإثنيات والأديان، وأصدر بياناً في 3-4-2011م بيانا قال فيه “ندين وبشدة اندساس بعض الأيادي الغريبة التي تُحرك ضعاف النفوس لتأليب الرأي العام في الداخل والخارج، للوصول إلى مآرب خاصة لا تخدم مصلحة سورية ومواطنيها الشرفاء”. مضيفا: “كلنا ثقة بقائدنا الهمام السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد، الذي منحه الله حكمة الشيوخ وهمة الشباب، بأنه سيُخرج سورية من هذه الأحداث الأليمة بحلةٍ جديدة، وبشكل يضمن لجميع المواطنين الشرفاء كافة حقوقهم المشروعة (الموقع الرسمي لبطريركية أنطاكيا للسريان الأرثوذكس) .

ولم يقتصر دفاع رجال الكنيسة السورية عن نظام بشار الأسد في الداخل ،بل انتقل البعض منهم للدفاع عن النظام أمام التجمعات والمحافل الدولية في الخارج، فقد ناشد المطران يوحنا إبراهيم المشاركين في الاجتماعات التمهيدية لقمة الدول الثمانية الكبرى بدعم مسيرة الاستقرار والسلام في سورية ودعا المشاركين في الاجتماعات المنعقدة بتاريخ 22-5-2011م لعدم تصديق كل ما يُبَث من إعلام مغرض ضد سورية، وقال إبراهيم الذي مثّل الطوائف المسيحية المشرقية في القمة الدينية التي سبقت قمة الرؤساء: “أنا مواطن مسيحي قادم من سورية أشهد أمامكم وأقول أنه إذا تزعزع الاستقرار والسلام في سورية، ستكون له تأثيرات على بلدان الشرق الأوسط”. وأضاف المطران إبراهيم: “بالتأكيد المسيحيون بشكل عام هم مع الدكتور بشار الأسد ومع النظام، ويتمنون أن لا تمتد هذه الزوبعة كثيراً

كما اعتبر بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس أغناطيوس الرابع هزيم أنَّ “الأوضاع في سوريا مغايرة تماماً لما تنقله بعض وسائل الإعلام”، بل وذهب مؤيدا ادعاءات النظام بوجود الجماعات المسلحة الى القول أمام وفد يضم شخصيات أكاديمية وسياسية وبرلمانية عربية وأجنبية “ما تشهده بعض المناطق في سوريا من استخدام المسلحين لأحدث الأسلحة والقتل بأبشع الطرق وتقطيع الرؤوس والأوصال هذا شيء يبعث على الاستغراب، وهو غريب عن طبيعتنا السورية وعن تاريخنا وهو منبوذ دينياً وأخلاقياً”.

وقد نشرت صحيفة الـ “تايم” في 19- 9 – 2011م تحقيقاً عن وضع الأقلية المسيحية في سوريا يؤيد ما ذهبنا إليه، مشيرة إلى أن معظمهم يشعر بالقلق من مرحلة ما بعد نظام الرئيس بشار الأسد.وأن الغالبية العظمى من المسيحيين يؤيدون نظام الأسد العلماني ويعتبرونه حصناً ضد الإسلام السياسي واحتمالات نشوب صراعات دينية مثل تلك التي تلت سقوط نظام صدام حسين في العراق عام 2003. “. بل ووصل الدعم المسيحي لنظام بشار الأسد الى انقلاب في مواقف المعارض البارز ميشيل كيلو تجاه الثورة السورية ووصفه الثورة السورية بـ(التمرد!!!) وذلك في برنامج (في العمق) الذي تقدمه قناة الجزيرة.

مواقف زعماء الكنيسة في تأييدها للنظام في قمعه للمحتجين تم تبريرها بالخوف من سقوط النظام وتسلم السنّة لمقاليد الحكم، وقد أيد هذه المخاوف مسيحيو لبنان أيضا ، وإذا شذ بعض المسيحيين في لبنان من فريق الرابع عشر من آذار عن هذه المواقف فما ذلك إلا لظروف سياسية وعداوة تاريخية بين حزب الكتائب والقوات اللبنانية مع نظام الأسد، وهم في كل الأحوال لم يعودوا يمثلوا الأكثرية المسيحية في لبنان خاصة بعد الدعم الذي أعلن عنه البطريرك الماروني بشارة الراعي لبشار الأسد ، حيث غيّر الراعي في موقف لافت من سياسة بكركي بمقدار 180 درجة نحو دعم قوى 8 آذار الموالية لسوريا والممثلة بحزب الله والتيار الوطني الحر بزعامة العماد ميشيل عون، وقد ادعى الراعي في تصريحات شهيرة له أن «تأزم الوضع في سوريا أكثر مما هو عليه سيوصل إلى حكم أشد من الحكم الحالي كحكم الإخوان المسلمين، وسيدفع المسيحيون الثمن كما حصل في العراق”. ورأى الراعي أن «تغير الحكم في سوريا ومجيء السنة سيؤدي إلى تحالفهم مع إخوانهم السنة في لبنان، ما سيؤدي إلى تأزم الوضع أكثر بين الشيعة والسنة». في المقابل أبلغ رئيس الجمهورية اللبناني ميشال سليمان السفير الأمريكي جيفري فيلتمان بعضاً ممّا لم يُفصح عنه رسمياً ، حيث قال في حديث تم تسريبه الى وسائل الإعلام في 22-6-2011م كلاما مشابها لتصريح الراعي :” إذا تسلّم الإسلام المتشدّد الحكم في سوريا، فإن ما رأيتموه في العراق والسودان، مرشح كي يتكرّر في سوريا ولبنان. لن يبقى بعد ذلك مكان لمسيحيي سوريا ولبنان”. بدوره دافع ميشيل عون بقوة عن موقف الراعي وأثنى عليه، معتبراً أن «بديل النظام الحالي في سوريا سيكون الإخوان المسلمين الذين يؤمنون بأن الديموقراطية هي ضد الشريعة”.

مواقف البطريرك الراعي لم تأت من فراغ كما يظن البعض بل قد ألمح هو ذاته – وبعد ردود الأفعال الكثيرة المستنكرة لتصريحاته- بأن مواقفه تلك إنما جاءت بإيعاز من أعلى سلطة دينية في العالم وهي الفاتيكان، وقد اضطر الفاتيكان إثر ذلك الى نفي أي علاقة له بتلك التصريحات، كما كشفت مصادر في الفاتيكان لصحيفة (الجريدة) أن الدوائر المعنية علّقت قراراً بابوياً كان من المقرر إعلانه نهاية أيلول الماضي بتعيين البطريرك الراعي كاردينالا أسوة بما درجت عليه العادة مع البطاركة الموارنة منذ البطريرك المعوشي مرورا بالبطريرك خريش وصولا الى البطريرك صفير عقوبة له على ما يبدو على تصريحاته تلك “صحيفة كلنا شركاء السورية 18-9-2011م”.

ربما يتساءل البعض عن مدى صحة توجيهات الفاتيكان للبطريرك الراعي والكنائس السورية – في أغلب الظن – لدعم نظام بشار الأسد، وهل لذلك أية صلة بتوجهات جديدة للفاتيكان بدعم الشيعة في المنطقة؟ الإجابة عن هذا التساؤل ستتوضح عندما نعلم أن الفاتيكان قد أعلن عبر تصريحات للكاردينال بيتر توركسون رئيس المجلس المسكوني للعدالة والسلام بتاريخ 22 -1- 2011م أن “الفاتيكان سيواصل الحوار مع الإسلام، لافتًا خصوصًا إلى إيران”، وذلك في أعقاب تعليق الأزهر الحوار مع الفاتيكان احتجاجا على ما اعتبره تعرض البابا بنديكتوس السادس عشر للإسلام بشكل متكرر وانحيازه ضده. ومعلوم أن لجنة الحوار بين الفاتيكان والأزهر، والتي تأسست بهدف تقريب وجهات النظر، وتكريس فكرة التسامح والحوار بين أصحاب الديانات المختلفة، تجتمع مرتين سنويا لاستعراض كل ما يتعلق بالتعاون بين الجانبين.

الدعم المسيحي لنظام الأسد لم يتوقف على مسيحيي سوريا ولبنان بل جاء هذه المرة من بلد آخر ومن زعيم ديني طالما دافع عن الحقوق المدنية ومطالب الشعوب في العيش بحرية وهو المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الارثوذكس في القدس الذي قال : أن هناك مؤامرة خطرة تستهدف سورية ليس بنظامها السياسي فقط وإنما كدولة لها دورها الوطني والقومي والعروبي والإنساني والروحي في المنطقة وأضاف في حديث آخر :”اننا واثقون بان سوريا ستجتاز هذه المرحلة من تاريخها وستكون اقوى مما كانت سابقا ، بفضل حكمة قيادتها ووعي شعبها”، كما يشاهد الجميع اليوم تقاطر الزعماء المسيحيين من روسيا وبعض الدول الأخرى للتضامن مع النظام السوري في وجه ما قيل أنها مؤامرة كونية تستهدف سوريا ووحدتها الوطنية ومواقفها المقاومة والممانعة.

التخوفات المسيحية من سقوط نظام الحكم في سوريا لم تعد خافية على أحد خاصة بعد ما نقلناه من تصريحات بهذا الشأن لزعماء الكنائس المسيحية في المنطقة ، حيث يرون أن لهذا الخوف ما يبرره، ويجري بشكل مستمر استجرار التجربة العراقية بكل ظروفها ومعطياتها، ويتم إلصاق تهمة قتل المسيحيين بالسنّة في حين أن عمليات التصفية لم تتم إلا بعد أن فقد السنة حكم العراق وأصبحت تحكمها المليشيات الطائفية المخترقة من قبل أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية .

يجري اليوم على لسان بعض المسيحيين الخلط بين السُنّة والإرهاب ، متناسين أن المسيحيين عاشوا قرونا طويلة تحت حكم أنظمة سنية متدينة منذ العهد الراشدي مرورا بالأموي والعباسي وانتهاء بفترة ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي والبريطاني حافظ خلالها المسيحيون على وجودهم الديني وتعايشهم المشترك مع أبناء الديانة الإسلامية وباعتراف المطران السوري يوحنا إبراهيم في كلمته ذاتها في الاجتماعات التمهيدية لقمة الدول الثمانية الكبرى حين قال ( قدّمت سورية ذاتها في تاريخها ماضياً وحاضراً أنموذجاً للعيش المشترك والإخاء الديني والوحدة الوطنية)،وكلام مشابه ذكره البطريرك عيواص في مقابلة مع التلفزيون السوري حين قال:”نحن منذ بدء الإسلام كنا جنبا الى جنب مسيحيين ومسلمين نعتز بوطننا ونبذل الغالي والنفيس في سبيله (التلفزيون السوري 3/10/2011م).

فإذا لماذا يتباكون على مستقبل المسيحيين في سوريا ويتناسون في الوقت ذاته تناقص أعدادهم من 8% الى أقل من 4.5% من السكان بحسب الإحصاءات الرسمية وذلك في الفترة التي استلم فيها حافظ الأسد العلماني ومن بعده ابنه بشار للسلطة في البلاد!!.

ثم أين هم المسيحيون اليوم في سوريا وما هي المناصب التي يتقلدونها؟ أم لعلهم ظنّوا أن داود راجحة الذي جاء به النظام إلى وزارة الدفاع قبل ثلاثة شهور فقط لتوريط الأقليّة المسيحيّة في حماية أقليّة أخرى، هو ممثلهم والمدافع عن مصالحهم في هذه الحكومة؟.

إن اشد ما نخشاه اليوم في سوريا أن هذه المواقف التي يسلكها الشيعة والمسيحيون والاصطفاف الخاطئ في دعم النظام ربما تلحق بهم ضررا فادحا في المستقبل قد لا تحمد عقباه، بل ربما تساهم في تأجيج الفتنة الطائفية في البلاد، خاصة أن النظام بات على حافة الانهيار.وأعتقد بأن أمام الشيعة والمسيحيين اليوم فرصة أخيرة قبل أن تنجر البلاد الى أتون حرب أهلية لا قدر الله سيكون الجميع فيها خاسرا، بل ربما تكون هذه الأقليات هي الخاسر الأكبر فيها.

وليد الحاج

صحافي سوري

[email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد