المجلس العسكري يعول على الانتخابات.. لكن نتائجها قد تنقلب ضده

0

 

المجلس العسكري يعول على الانتخابات.. لكن نتائجها قد تنقلب ضده

يرى عدد من المحللين أن الجيش المصري يعوّل على حسن سير المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية في التصدي لمعارضيه، لكن طول مدة العملية الانتخابية وقوة نفوذ الإسلاميين، وتوقع أن تسفر هذه الانتخابات عن برلمان يحظى بشرعية شعبية قوية ستضعه أمام تحديات ثقيلة أخرى.

فقد تعارضت صور الصفوف الطويلة من الناخبين، الذين وقفوا ينتظرون في هدوء في القاهرة أو في الإسكندرية لانتخاب نوابهم مع صور المواجهات الدامية التي جرت بين المتظاهرين المطالبين برحيل الجيش وبين قوات الأمن في الأيام الأخيرة، وألقت بظلال قاتمة على المشهد السياسي.

وقال اللواء محمد الاعسر “يمكن للشعب والقوات المسلحة اعتبار الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر (يوم بدء التصويت) يوم عيد للمصريين”. وقد ابقى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي يحكم البلاد منذ سقوط الرئيس السابق حسني مبارك، على المواعيد المقررة للانتخابات، رغم المخاوف من ان تؤثر هذه المواجهات الدامية على حسن سير الاقتراع، مثيرًا الاعتقاد بأنه يريد اللعب على ورقة “الغالبية الصامتة” في مواجهة المعارضة الثائرة في ميدان التحرير.

- Advertisement -

وكانت شخصيات عدة قد أشارت إلى صعوبة إجراء انتخابات سليمة وسط المناخ المضطرب. في المقابل أصرّ الإخوان المسلمون، الذين يرون أنهم في موقع قوة، على إجرائها في موعدها محذرين من أي تأجيل.

ويقول توفيق أكليماندوس خبير الشؤون المصرية في جامعة كوليج دو فرانس الفرنسية “انه نجاح شعبي، ونجاح للجيش، الذي لعب دائمًا بورقة الانتخابات لإعادة الاستقرار للبلاد في مواجهة الشارع”.

لكن الإقبال الكثيف للمصريين على صناديق الاقتراع كان ايضًا رسالة تفيد بأن الشعب، وبعد عشرة أشهر من سقوط مبارك، لن يسمح بأي حكم سلطوي آخر، في الوقت الذي يتهم فيه البعض الجيش بالرغبة في الاحتفاظ بالسلطة.

ويقول عز الدين شكري الأستاذ في الجامعة الأميركية في القاهرة إن “الرسالة هي أن الشعب يريد تولي شؤونه، وأنه لن يسمح بعد الآن بنظام سلطوي”. وكان الجيش أثار قبل الانتخابات مخاوف من رغبة حقيقية في البقاء في السلطة مع مشروع يضمن بقاء ميزانيته بعيدة عن أي نقاش برلماني، ويعطيه الكلمة الفصل في أي قانون يتعلق به.

كما تعيّن انتظار أيام عدة من المواجهات في القاهرة وفي كثير غيرها من المدن قبل أن يحدد المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة حزيران/يونيو 2012 موعدًا لإجراء انتخابات رئاسية، يتعيّن أن يقوم بعدها الجيش بنقل السلطة إلى المدنيين.

ويقول كريم الأسير الباحث في معهد الدراسات المستقل “سيغنت” إن “برلمانًا له شرعية شعبية قوية يمكن مستقبلاً أن يطرح تحديًا إضافيًا لسلطة المجلس العسكري”. كما إن طول مدة العملية الانتخابية، التي تجري على ثلاث مراحل متتالية على مستوى الجمهورية حتى 11 كانون الثاني/يناير المقبل بالنسبة إلى مجلس الشعب، ثم حتى 11 آذار/مارس بالنسبة إلى مجلس الشورى، يمكن أن تنطوي على مخاطر.

ويرى شكري ان “هذه المدة تنطوي على مخاطر أمنية، خاصة في المناطق الريفية والنائية. قد تحدث أمور كثيرة، وتظهر أزمات أخرى في الأسابيع المقبلة”. كما إنه مع نهاية الانتخابات ستبدأ مرحلة أخرى، وهي مرحلة صياغة الدستور الجديد الحاسم بالنسبة إلى مستقبل نفوذ المؤسسة العسكرية، التي خرج من صفوفها كل رؤساء مصر منذ الإطاحة بالحكم الملكي عام 1952.

من التحديات الأخرى، التي ستطرحها هذه المرحلة، مسألة الإبقاء على الحكومة التي عيّنها الجيش أو تشكيل حكومة يختارها البرلمان الجديد.

في هذا الإطار يمكن أيضًا أن يحمل تمثيل قوى محتمل لجماعة الإخوان المسلمين الجيش على التنازل في هذا الصدد، حيث أعلنت الجماعة مسبقًا تفضيلها للنظام البرلماني. ويقول توفيق أكليماندوس ان “معركة الدستور الكبرى ليست سوى في بدايتها”.

عملية اقتراع بالغة التعقيد في أول تدريب على الديموقراطية

بطاقات انتخاب ضخمة عليها أسماء القوائم واخرى صغيرة عليها اسماء المرشحين الافراد، نظام انتخابي بالغ التعقيد، تقسيم جديد للدوائر وعشرات المرشحين في كل دائرة، ورغم كل ذلك تدفق المصريون بحماس على مكاتب الاقتراع في اول انتخابات تشريعية بعد اسقاط الرئيس حسني مبارك.

ويقول رجل في الستين من عمره لدى خروجه من مدرسة اقيم بها مركز اقتراع في ضاحية مصر الجديدة (شرق القاهرة) “لقد كان من الصعب الاختيار بين هذه القائمة الطويلة من الاسماء والقوائم والرموز الانتخابية، خصوصًا انني اكتشف الديمقراطية للمرة الأولى في حياتي”.

وداخل مكتب الاقتراع، يصوّت أحمد البالغ من العمر 49 عامًا للمرة الأولى في حياته، ويضطر الى اللجوء الى جاره الواقف خلف ساتر اخر ليعرف اين يضع العلامة، التي تفيد باختياره قائمة بعينها او مرشحًا معينًا في بطاقتي الانتخاب اللتين تم تسليمهما له.

وقال القاضي خالد رفاعة، الذي يشرف على عمليات الاقتراع في هذا المكتب “على الاقل 25% من الناخبين قالوا لنا انهم يدلون بأصواتهم للمرة الأولى، وهم يجدون صعوبة في اختيار المرشحين، الذين يفضلون اختيارهم، ولكن أحداً لا يمكنه التدخل في التصويت، وبالتالي فاننا نكتفي بإعادة شرح النظام الانتخابي وطريقة التصويت”.

وعندما يدخل الناخب، يقوم القاضي بتسليمه بطاقتين، واحدة بحجم ورقة الطابعات العادية، وتتضمن أسماء القوائم المختلفة ليختار قائمة واحدة منها، وورقة الثانية، ويصل حجمها الى اربعة اضعاف حجم البطاقة الاولى، وتتضمن اسماء الاشخاص المرشحين على المقاعد التي تجري الانتخابات عليها بنظام الدوائر الفردية.

ويتعين على كل مرشح ان يختار من هذه الاسماء مرشحين اثنين، أحدهما يحمل صفة “فئات”، والآخر “عامل” أو “فلاح”، اذ ينبغي ان يكون نصف اعضاء مجلس الشعب على الاقل من العمّال والفلاحين. واوضح القاضي رفاعة ان هناك 94 مرشحًا يتنافسون على المقعدين الفرديين في دائرته.

ويقوم مندوبو المرشحين والموظفين المسوؤلين عن اللجنة والقاضي الذي يشرف عليها بعمليات شرح هذا النظام المعقد لناخبين لا يعرفون ما ينبغي عليهم عمله، خصوصًا في بلد تبلغ نسبة الأمية فيه قرابة 40%, وليتمكن الأمّيون من التصويت يوجد في بطاقتي الاقتراع “رمز” لكل مرشح ولكل قائمة.

في هذه الدائرة، كان الاختيار بين مرشح رمزه الدبابة وآخر رمزه المانغو وثالث رمزه أبو الهول. وللقوائم رموز كذلك منها الميزان، الذي يرمز إلى حزب الحرية والعدالة المنبثق من جماعة الاخوان المسلمين. وعلى الرصيف المواجه لمكتب الاقتراع، يجلس متطوعون من هذا الحزب وأمامهم اجهزة كمبيوتر محمولة ويعرضون “المساعدة” على الناخبين.

ويشرح احد هولاء المتطوعين لناخب مسنّ: “للاقتراع، يكفي أن تضع علامة صح أمام رمز الميزان” ثم يعطيه ورقة صغيرة عليها اسم الحزب ورمزه، إضافة إلى اسمي المرشحين على القوائم الفردية ورمزيهما.

يدخل رجل وسيدة الى مكتب الاقتراع، وقد بدا عليهما نفاد الصبر، وصاحت المرأة في وجه أحد موظفي مكتب الاقتراع “لقد ذهبنا الى مكتب اقتراع آخر، وقالوا لنا اننا لا نستطيع ان ندلي باصواتنا هناك، وطلبوا منا ان نأتي الى هنا، والآن تطلب منا أن نذهب الى مكتب اقتراع ثالث؟”.

يبدو الارهاق على الرجل والمرأة، ولكنهما لا يعتزمان التراجع عن المشاركة في الاقتراع بأي حال من الاحوال. وتقول السيدة “هذه الانتخابات هي الاهم” التي تشهدها البلاد على مدى تاريخها كله.

وبعد عقود من انتخابات كانت نتائجها معروفة سلفا، والتي كانت نسب الامتناع فيها قياسية، تقاطر الناخبون على مراكز الاقتراع منذ صباح الاثنين للمشاركة في المرحلة الاولى من انتخابات مجلس الشعب التي تجرى على يومين. ورغم ان نسبة التدفق على مكاتب الاقتراع خفت الثلاثاء الا ان الحماسة ظلت قائمة.

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.