المتيغرات الثورية ومبدأ المقاومة

0

يقول الراحل توفيق زياد:

 

أي أم أورثتكم ضفة الأردن، سيناء، وهاتيك الجبال؟ إنّ من يسلب حقاً بالقتال كيف يحمي حقه يوماً، إذا الميزان مال؟

 

منذ نصف قرن أو أكثر ساهمت الأنظمة العربية الرسمية على محاربة أي مقاومة عربية، بل واستطاعت إخماد الأستعدادية والحافزية المقاومة بداخل المواطن العربي، حتى جعلت منه إنسان مسالم، مستسلم، متقبل لكل ما يملى عليه، وذلك لتتمكن من فرض سيطرتها وسطوتها عليه، أي تطويعه، وتحويله لأداة سهل التحكم بها، وتوجيهها حسب إرادتها، ولا يستثنى من هذه الأنظمة أي نظام، حتى تلك التي ادعت المقاومة، أو تبنت نهج المقاومة، بما إنها أرادت من ذلك الاختباء خلف شعار المقاومة لتنفيذ مصالحها ومخططاتها، وصرف النظر عن مشاكلها الداخلية، وخلق حالة صراع وهمي دائم داخل جماهيرها، وتبرير ممارساتها وخضوعها باسم المقاومة ودعم المقاومة، وهو ما ينطبق على المجموع أي على الكل.

 

ومن تلك الدول”دول المواجهة العربية” أو ما يسمى، دول الطوق” التي تشترك مع الكيان الصهيوني بحدود جغرافية وهي جميعها تمتلك أراضي محتلة، حيث لم تنطلق من أي دولة من تلك الدول أي جبهة مقاومة  باستثناء لبنان التي وجدت نفسها في واقع مغاير لدول المواجهة، بوجود الثورة الفلسطينية وقواتها بعدما طُردت من الأردن، ورغم محاولات بعض القوى الانعزالية اللبنانية لتصفية قوى الثورة، إلاّ أنّ هناك بعض القوى اللبنانية التي تثبت النهج المقاوم، وحافظت على مفهوم المقاومة.

 

هنا المقاومة بمعناها لا تقتصر على مفهوم البندقية، أو المظاهر العسكرية فقط، بل بمعناها العام الشامل، وهو الذي لم يخمد جذوته لدى العديد أن لم يكن كل الشعوب العربية التي رفضت عملية التطبيع وقاومتها بكل مظاهرها وأشكالها، ورفضت عملية التسليم بافتراض علاقات ما يسمى”السلام” مع أعداء الأمة العربية، وعلى سبيل المثال وليس الحصر الشعبين المصري والأردني اللذان يمتلك بلديهما علاقات سلام مع الكيان.

 

- Advertisement -

أمام هذه الحالة الافتراضية المؤقتة في مسيرة الشعوب، كان لا بد من إحداث حراك فاعل ومؤثر في هذا الاتجاه، وبالرغم من تأخره لأكثر من نصف قرن إلاّ أنّ الشعوب العربية استطاعت إحداث حراك ما من خلال اندلاع الحركات الاجتماعية العربية، انطلاقًا من تونس ومصر، وهو الحراك الذي كان مصحوباً بإستولاد حوافز المقاومة بالعمق الشعبي، مما يؤكد فشل الأنظمة العربية في وأد قيمة المقاومة لدى هذه الأمة، بل عطلتها بشكل مؤقت.

 

مع اندلاع الحركات الاجتماعية، وبدء موجات التغيير الفعلية، يطرح السؤال هل تتوالد عن هذه المتغيرات مقاومة فعلية؟!

 

كل المؤشرات تؤكد أن المنطقة تتجه إلى شكل جديد من الأدلجة السياسية، وأن الإسلام السياسي اعتلى صهوة الحكم فعلياً عبر قواه أو عبر”الإخوان المسلمين” سواء في المغرب التي شهدت تغيير دستوري أو تونس أو مصر، وكذلك ليبيا، وسوريا واليمن يسيران على نفس الطريق، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات في فلسطين أول ساحة أحدثت متغيرات فعلية سنة2006م، عندما قفز الإخوان المسلمين لأول مرة في تاريخهم لسدة الحكم عبر حركة حماس.

 

إذن فالمتغير الوحيد أن المرحلة على أبواب نمطية جديدة من الحكم، تحت سيطرة ونفوذ الإسلام السياسي وبذلك فإن الكثير يتوقع صدام فعلي مع الكيان الصهيوني، والولايات المتحدة الأمريكية في مراحل متقدمة، وهو التوقع المبني على الشعارات المطروحة من قوى الإسلام السياسي، وعقيدتها الدينية.

 

هذا التوقع حتى راهن اللحظة لا يوجد له أي مرتكزات وأسس منطقية علمية وواقعية، بما أن كل المؤشرات تؤكد على قدرة قوى الإسلام السياسي التأقلم والتعامل مع الواقع البيئي الذي توجد به، وقراءة التاريخ تؤكد ذلك، وأيضاً قراءة الواقع من خلال التجربة التركية التي بدأت أو انطلقت من الحركات الصوفية إلى أنّ وصلت سدة الحكم، واستطاعت التأقلم مع علمانية الدولة التركية، ومع المحيط الغربي والأمريكي، والتناقضات الإقليمية بما يتوافق مصالحها.

 

إذن من الخطأ رسم السياسات المستقبلية، أو التنبؤات المستقبلية بناءً على الشعار المطروح فقط، بل على دراسة عمق التجارب السابقة والحالية، خاصة في ظل المتغيرات التي شهدتها حركة حماس بعد قفزها لسدة الحكم، وأصبح شعارها المقاوم ينسجم مع وجودها في السلطة عكس مما كانت عليه وهي في صفوف المعارضة.

 

الخلاصة أن الحركات الاجتماعية الشعبية العربية وإنّ استطاعت أنّ تغير مظهرياً في الشكل الهيكلي للأنظمة الرسمية، فإنها لن تستطيع التغيير في الشكل النبوي والعقائدي في عقيدة المقاومة لدى هذه الأنظمة القادمة.

 

سامي الأخرس

 

الخامس من ديسمبر(كانون أول) 2001م

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.