إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

لا يُصلِح العطار ما أفسد مبارك

مهمة حكومة الجنزوري تذكرني بالمثل العربي الشهير(لا يُصْلِحُ العطارُ ما أفسدَ الدهرُ) ، ولنناقش مثلاً :القضاء على البلطجة:

فليس مستبعداً أن يكون في كل بيت في مصر بلطجيٌّ من نوع ما،  بعد ثلاثين عاماً من حكم مبارك الذي لم يكن يفعل شيئاً سوى تربية البلاطجة وِفْقَ برامج منظمة وسافلة جداً، ومهندسة وفق خطط رسمية .. لم يكن البلطجي هو فقط من تستعين به وزارة الداخلية من المسجلين خطر، بل أيضاً من كانوا يقومون بتدريبهم على نظام العمل ويستخدمونهم من رجال الداخلية (بشاوات مبارك).. هؤلاء هم البلاطجة الكبار الذين مُنحوا كافة الصلاحيات والسلطات لممارسة البلطجة على الأمن في مصر بالشكل الذي جعل من كل رجل في وزارة الداخلية رئيس عصابة رسمية لاستخدام البلاطجة وتدريبهم واستعمالهم ـ بشكل رسمي ـ في قمع حرية الشعب وإرادته، وهذا ما أتاح لنظام مبارك الاستمرار.

بَيْدَ أن هذا النوع من البلاطجة يجب ألا يصرفنا عن الأنواع الأخرى، فكل نواب الشعب في برلمانات مبارك الذين وصلوا للبرلمان من تحت إبط الأجهزة الأمنية المباركية وحزبه الفاسد هم أيضاً بلاطجة ؛ لأنهم كانوا يعلمون أنهم وصلوا إلى البرلمان عن طريق التزوير والبلطجة، وكل من رضي بتعيين مبارك له في البرلمان أو الشورى وهو يعلم من هو مبارك ونظامه هو أيضاً بلطجي، وكل من عقد صفقة سياسية مع مبارك ونظامه من النواب القبليين في المناطق القبلية ـ سواء في الصعيد أو سيناء أو غيرهما ـ  هو بلطجي ـ مارس إخضاع صوت قبيلته لإرادة النظام المباركي  مقابل الوصول إلى المناصب البرلمانية أو غيرها ، ولأنه مارس البلطجة السياسية على الشعب حينما قَبِلَ رشوة النظام له، مقابل أن يستغل الأخير سطوته القبلية وغزوته؛ لتدعيم استمرار سطوة البلطجي الأكبر.

 

وكل من رضي ـ من وزراء مصر السابقين ـ أن يكون ترساً في نظام البلاطجة هو لا شك بلطجي مارس سلطة خاضعة لمشيئة البلطجي الأكبر وأسر ته وأصهاره وزبانيته مقابل (فيفتي فيفتي) لتمرير الاستيلاء على مقدرات الشعب ومخصصاته. وكل من استغل صلته بالنظام الفاسد ورجاله وعقد صفقة في الظلام من أجل الاستيلاء على شركات الدولة وأراضيها وأموالها هو بلطجي أيضاً .

وكل من استغل الفساد الزممي والإداري في عصر مبارك وحقق ثراء من نوع ما هو أيضاَ بلطجي أخذ بقوة الفساد الرسمي ما ليس له، ودهس بضميره الميت على الضعاف والفقراء من أبناء شعبه.

وكل رئيس تحرير صحيفة أو مدير مؤسسة إعلامية مارس سلطته الرسمية لقصف الأقلام وتكميم الأفواه هو بلطجي استطاع بقوة النظام البلطجي أن يمرر الخطاب البلطجي الرسمي ويسوغه على الشعب.

وكل أديب أو فنان أو مدير مؤسسة تعليمية أو رئيس جامعة أو أستاذ جامعي أو معلم في مدرسة رضي أن ينضم إلى الحزب الوطني وهو يعلم كيف كان يدير الدولة ، ولم يمارس مهنته من أجل توعية تلاميذه ومرؤسيه ومريديه بضرورة التصدي للفساد وإصلاح الزمم، ومارس العكس من ذلك عندما ساهم في تمييع الرأي وإقناع الناس بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن حسني مبارك هو أفضل رجل ولدته النساء ليجلس على عرش مصر، هو أيضاً بلطجي باع ضميره وسخر قوته العقلية ومواهبه في ترسيخ نظام البلطجي الأكبر الذي يطعمه سحتاً من أموال الشعب.

وكل موظف رسمي استغل فساد الإدارة وحاجة الناس إلى توقيعه وخاتم النسر وابتزهم، وأجبرهم على دفع الرشاوى، أو استغل ـ في الظلام ـ خاتم النسر وتوقيعه من أجل التفريط في مقدرات الشعب مقابل رشوة هو أيضاً بلطجي.

وعلى هذا فمفهوم البلطجة سيتسع، وليس بمستبعد أن يكون في كل بيت مصري فرد بلطجي، وليس هذا افتراء على الشعب المصري، وإنما هو شهادة نجاح لنظام مبارك عبر فترة حكمه الطويلة؛ إذ نجح فيما سعي إليه نظامه عبر تاريخه في تحويل هذا الشعب إلى بلاطجة متفاوتين في النوع والدرجة والمستوى؛ من أجل ترسيخ مفهوم البلطجي الأكبر الذي يمنح القوت والوجود وحق الحياة للبلاطجة الأصغر، ومن ثم كان على كل فرد يسعى إلى التواجد أن يسأل نفسه: بلطجت يا ولد ولا لسه ما بلطجتش؟

المسئولية إذن خطيرة أمام حكومة الجنزوري الذي أعلن عن نيته في ضبط الشارع المصري والقضاء على البلطجة، غير أني أراه حصر مفهوم البلطجة في نوع واحد فقط هم “المسجلون خطر” .

لا يا سيدي الجنزوري .. المفهوم متسع جدا، والمهمة لا تبدو هينة، وأقترح عليك أن تنشئ وزارة ـ من ضمن ما أنشأت من وزارات مستحدثة ـ لشئون البلطجة، تكون مهمتها الأولى تحديد مفهوم البلطجة، ووزارة أخرى للقضاء على البلطجة، ووزارة ثالثة لإعادة تأهيل البلاطجة، كما أقترح عليك إنشاء مؤسسة قومية لمقاومة البلطجة بكل أنواعها الأمنية والسياسية تكون أولى مهماتها السيطرة على الانفلات الأخلاقي الذي رسخه نظام مبارك عبر تاريخه الأسود في الشارع المصري.

ولا شك أن المهمة بحاجة إلى خطة خمسية وأخرى عشرية في حين أن مدة بقائك في رئاسة الوزارة لن تستمر أكثر بضعة أشهر، غير أن أي خطة للقضاء على البلطجة في مصر لن يُكتب لها النجاح ما لم ننجز محاكمة حقيقية لأكبر بلطجي في تاريخ مصر ، لا يزال حياً يتنفس الهواء المختلط بأنفاس ملايين البلاطجة الذين رباهم.

 

[email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد