كلُّ ما قيل في ما لا يُقال

0

 

كلُّ ما قيل في ما لا يُقال

صدر كتاب جديد للأديب الفلسطيني باسم النبريص بعنوان “ما لا يقال: يوميات الحصار في غزة” عن شركة النشر البريطانية “إي- كتب”.

وقال الناشر في تصديره للكتاب: لن تعرف، وأنت تقرأ هذه اليوميّات، ماذا سيكون المنقلب التالي. لقد وضع باسم النبريص الحياة الفلسطينية كلها بين سطوره. وكاد ألا يترك أيّ شيء منها. فمن محمود الزّهار “الروائي”، إلى بابور السولار المصري، ومن جيمس جويس إلى الكهرباء المقطوعة، فإنك لن تجد مفراً من الشعور بأنك تقف حيال طراز من الأدب لا يكتفي بأن يضع الحياة بين يديك، ولكنه يقدمها لك حية ونابضة بكل التفاصيل.

من دون ترتيب، ولا إعداد مسبق، ولا مخطط غير ما تخططه الظروفُ لنفسها، انتهى النبريص بحبكة روائية من طراز خاص، اختارت لنفسها راوياً، ولكنها قصدت أن تحوّله (كما يجدر بالمثقف أن يكون) إلى ضمير جمعي.

- Advertisement -

وحتى لو لم تجد في سجل القول شعراً، فإنك لن تجد في أدب العربية يوميّاتٍ أكثر التصاقاً بالشعر من هذه اليوميّات.

ومن السهل أن ترى أنّ ثمة “ضميراً غائباً” يكاد يكون هو الحاضر الوحيد بين سطور كاتبٍ يتحدث عن نفسه، وبيته وجيرانه وأقاربه.

والرحلة التي يأخذك بها النبريص بين دفتي هذا الكتاب، سوف تمرّ بك على كلّ يوم، وتطرق كل باب في غزة، وتدخل كل بيت، وتسمع كل ما يقال وما لا يقال فيه.

ولهذا السبب، فإن هذا الكتاب واحدٌ من الكتب التي تمنحك مزيجاً خرافياً من المتعة والامتلاء والغنى، حتى لتعجز أن تترك سطراً وشأنه.

ولئن كانت كتبُ اليوميات تسطر لما مضى، فإن النبريص يسطر ما يبقى وما يقيم، وستعود لتجده غنياً ومتدفقاً حتى ولو قرأته بعد 20 سنة أو 50.

وهو يعرف ذلك!

فقد سجل لك (على سبيل السخرية) سعر كيلو الطماطم هذه الأيام، لكي يسهّل على الباحث بعد 50 عاما أن يعود إليه!

وهي يوميات، ولكنها لا تذهب مع ما يذهب من الأيام.

ويا له من كاتب. لم يقل شيئاً من هذا القبيل! ولكنه قاله.

ويا له من أديب. إذا وافقته على النقّ بشأن بحثه عن الشعر، فقد وقعت في فخه لكي لا ترى أنه كتب ما يستحق أن يكون أوديسه يومية لأبطال منسيين، تركتهم الحياة على شاطئ بحر، ولكنهم كلما نظروا في المدى لم يجدوا أحدا! ولا حتى غزاة!

أيّ نوع من سجلات الأيام هو هذا؟ قد تسأل. ولكنك، على أطراف القصيدة، قد تكسب كل ما يقوله الشعرُ مما ينبتُ على سطح كل يوم.

ولكن أي يوم؟

كل يوم. من الآن حتى بعد خمسين عاماً.

وستعود بكل طيف من أطياف هذه الأيام، وكل ما يدور فيها من أفكار وأشخاص وهموم. ولكنك شيئاً فشيئاً ستعرف كيف انتهينا من الغرب “المابعد حداثي” إلى أنه أعادنا الى القرون الوسطى. وفي غمرة هذه القرون الوسطى ستعرف لماذا أنك “أينما ولّيت وجهك في نواحي غزة، ثمة اثنان: واحد يبيع الكاز وكأنه “الله الصمد”، وواحد يشتري الكاز وكأنه “عبد الصمد”.

والشعر حاضر بكل كثافة الفكرة. حاضر كأداة ليس للكشف عن وحشية الواقع ومرارته، ولكن للقول إنه بديل يحسن أن يكون ملاذاً أخيراً للنجاة.

وكلهم هناك من غابرييل غارسيا ماركيز الى سركون بولص.

دون استثناء كتاب أو “مثقفين” بالقدر الذي يجيز القول، أعوذ بالله. أما حماس فإنها تملك من الحقيقة ما يجعلك تفقع من الضحك، على مفارقة الحال بين استهزائها الدائم باليسار، وبين شغفها باستقبال سفن اليسار المرسلة لكسر الحصار.

يحتفل النبريص بثقافته وسعة أدواته مثلما يحتفل الخبير، ولكنه سخر بها ليس بأقل مما سخر من كل شيء.

الحياة كما تأتي. هكذا تبدو سطوره، وتسجيلاته. إلا أنك لن تفتح صدفاتها إلا لتجد لؤلؤة ما، بيضاء (ربما) من حكمة المفارقة، أو زرقاء (ربما) مما يتدفق من الشعر مع مجرى الحياة.

إنها يوميات أفكار، لا يوميات وقائع وأحداث، قالت كل ما لا يقال، لتكون هي بذاتها وقائع وأحداثاً. أو لتكون قراءة مختلفة لأشد وجوهها عنفاً وواقعية.

وثمة خيط (مرئي وغير مرئي) يجمع ما بين نثار الأفكار والأشياء. إنه خيط الحياة. وهو الخيط الوحيد الذي يجعل الفلسطيني قادراً على البقاء؛ خيط لم يقطعه أشرس حصار، في أوسع سجن، تحت ظل أعنف أنواع الاحتلال.

وكلهم كانوا هناك. كل الذين يعيشون تحت الحصار، أو على ضفاف حصار.

نعم، إنه كتاب يقدّم رؤية مثقف لعالمه. ولكنه يقدم قضيته وشعبه بأفضل ما يمكن للمثقف أن يفعل.

***

والنبريص شاعر وكاتب عصامي، من روّاد المشهد الثقافي في فلسطين بعد حرب حزيران. له حضور بارز في الصحافة الثقافية العربية، كما يكتب المقال السياسي أيضاً.

ولد في قطاع غزة، مخيم خان يونس للاّجئين الفلسطينيين، عام 1960

وعمل في طفولته خادماً في مزرعة أرئيل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، في قريته الأصليّة “نجد”، بعدما تحوّل اسمُها إلى “سيدوروت”.

ومارس عبر 20 سنة، معظم الأعمال السوداء داخل دولة إسرائيل، حتى انتهى به المطاف كـ”شيف حلويات غربية” شهير في مدينتي “تل – أبيب” و “بات _ يام”.

مارس النبريص الكتابة مبكراً، وبدأ بنشر نتاجه الأدبي في الصحافة المقدسية، منذ العام 1976، وكان من مؤسسي اتحاد الكتاب الفلسطينيين تحت الاحتلال أوائل الثمانينات.

صدر ديوانه الأول، “تأملات الولد الصعلوك” عن الاتحاد بالقدس عام 1990، وأصدر حتى الآن سبعة دواوين شعرية، في كل من القدس ورام الله والجزائر، وكتاباً عن حرب غزة الأخيرة، بعنوان “يوميّات الحرب على غزة” كتبه ونشره أثناء الحرب، في موقع “إيلاف” الإلكتروني، وصدر بعد ذلك في باريس وتونس عن “دار التوباد”، ثم تُرجم للغة الفرنسية، ويُنتظر صدوره قريباً.

وشارك في عام 2005 في مهرجان “أصوات البحر المتوسط” في مدينة “لوديف”، جنوب فرنسا.

وفي صيف 2007 أُلقى ملثمون قنبلة يدوية على منزله، نجت منها عائلته بأعجوبة، وأصيب هو في عينيه، كما أُصيبت ابنته وأمه إصابات طفيفة، وذلك بسبب مقالاته المعارضة للفساد العلمانوي والديكتاتورية الثيوقراطية.

وفي عام 2010 شارك في مهرجان “ليدبري” الشعري بلندن، بقصائده فقط، حيث احتجّ على معاملة السفارة البريطانية لأهالي قطاع غزة المحاصر، ورفضَ السفر.

وفي عام 2011 تلقى دعوة ثانية للمشاركة في مهرجان لوديف، لكنه اعتذر عن السفر، بسبب الأوضاع المزرية على المعبر المصري.

وكُتبت عنه دراسات ومتابعات نقدية، بأقلام شعراء ونقاد، أمثال ناهض منير الريس وأحمد دحبور وعادل الأسطة وراسم المدهون وسواهم. وتُرجمت أشعاره وكتاباته إلى عدة لغات.

وأخيراً هو ذا يتحضّر للسفر إلى مدينة برشلونة عاصمة إقليم كتالونيا، في عمل ثقافي، يستمرّ عامين، ويتوزّع بين الكتابة والنشر والمشاركة في محاضرات وندوات، تساهم في ربط الثقافة الفلسطينية – بما هي جزء عضوي من الثقافة العربية – بالثقافة الإسبانية، وتمتين الأواصر بين الثقافتين العريقتين.

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.