الجامعة العربية تقتلنا

0

 

الجامعة العربية تقتلنا

أطلق الثوار السوريين على جمعتهم الجديدة اسم “الجامعة العربية تقتلنا”. ولقد أحسنوا في اختيار هذا الاسم. إذ ساهمت الجامعة العربية، ولا تزال، في قتل الشعب العربي في أكثر من بلد. لا يعرف عن الجامعة المغدورة، أي موقف يفتخر فيه عربي أو مسلم. بل لا يسمع عنها إلا موبقات ومشاركات في جرائم ضد الأمة العربية، المنطوية افتراضاً تحت لواء الجامعة. من غير المفيد أن أستعرض هنا مواقف الجامعة المخزية من الأحداث الجسام التي مرت بها منطقتنا، ولكنني على الأقل أذكر السادة القراء بموقفها المشين من الاعتداء الصهيوني على غزة، وعلى لبنان، ومن الاعتداء الأمريكي على العراق والإثيوبي على الصومال. ولكي لا أستمر في التعداد، فيجب على مؤيدي الجامعة، أن يخبرونا بما قدمته هذه المؤسسة الميتة للقضية الفلسطينية نفسها، ففلسطين مسلوبة منذ ستة عقود.

ليس مجالاً للشك أن مؤسسة الجامعة تتبع مباشرة، السلطات الدولية، في أمريكا وأوربا، ولا شك أيضاً أن بعض أعضائها يأتمرون بأمر نتنياهو وباراك وغيرهم. فالجامعة العربية لم تعبر يوماً عن تطلعات الشعوب العربية وآمالها في الحرية والتغيير، ولكنها عملت على الدوام، للحفاظ على سلطة الحكام، بهدف استعباد الشعوب العربية. لن ننسى الجهود التي بذلتها الجامعة لمحاربة شعوبها من خلال اجتماعات وزراء الداخلية العرب المتكرر، والذي أريد له أن يمنع الناس من فتح أفواههم، بل وصلت بهم الوقاحة حد المطالبة بمنع الفضائيات العربية من تغطية بعض الأحداث، أو المساس بالمسؤولين العرب، وذهب بعض الأعضاء أبعد من ذلك عندما طالبوا بوقف بعض المحطات التي تهدف إلى ربط العربي بدينه وثقافته وأخلاقه.

لا يقولن أحد إن الجامعة وقفت موقفاً مشرفاً من الثورة الليبية، فالجامعة لم تفعل إلا الموافقة على ما يريده الغرب. وقد أراد الغرب نفط ليبيا، كما تعب بالطبع من جنون العقيد. ولما أمر الغرب نفذت الجامعة دونما اعتراض.

- Advertisement -

الحالة السورية حالة متفردة متميزة، ذلك أن حمص تقع في سوريا، درعا وإدلب واللاذقية وحماة أيضاً. ولأن سورية لا تملك النفط الذي يسيل لعاب الغرب، ولأن الأسد الأب والابن حافظا على الدوام على استقرار المنطقة، وأبعدا شبح الحرب عن الكيان الصهيوني، إذ تنعم جبهة الجولان، بسلام وهدوء منقطعي النظير، وذلك منذ أربعين عاماً. فلماذا إذاً سيقوم الصهاينة بمحاولة إسقاط الأسد، وبالتالي لماذا يسعى الغرب وأمريكا للتخلص من النظام، وبالنتيجة فلماذا تقوم الجامعة العربية بالضغط على الأسد؟.

يؤسفني أن كثيراً من الكتاب السوريين والعرب، رحبوا بقرارات الجامعة، ولم يستطيعوا التمييز بين مواقف بعض الدول العربية وبين مواقف الجامعة الرسمية، فتم الخلط تسرعاً بين موقف قطر مثلاً وليبيا وتونس، ذلك الموقف المشرف الساعي لوقف القتل الممنهج في سوريا ضد المدنيين، والموقف الرسمي الذي تعبر عنه الجامعة. موقف كان علينا أن نفهمه من أول زيارة قام بها نبيل العربي إلى دمشق، فقد خلص الرجل بعدها إلى أن النظام السوري يقوم بإصلاحات جدية في البلاد، ودعا تلميحاً إلى إعطاء الأسد بعض الوقت لتمرير إصلاحاته المزعومة.

هذه هي الجامعة العربية اليوم، وقد وصلت مهلها إلى أربع أو خمس،وبعد كل مهلة يقوم النظام بقتل ألف متظاهر سلمي بينهم أطفال ونساء وشيوخ، فمن يتحمل هذه الدماء. لقد انفصل المسؤولون العرب عن شعوبهم. لا يشعرون بمعنى أن يسقط شهيد واحد. إنهم لا يفهمون أن سقوط الكعبة أهون عند الله من قتل مسلم. يتنعم أولادهم بحرارة المدافئ، بينما يرتجف السوريون برداً. ويتلذذ أولادهم، بأفضل وألذ أنواع الأطعمة، بينما يتضور السوريون جوعاً. كيف سيفهم الشبعان شعور الجائع؟ بل شعور مليون الجائع في سوريا؟ كيف سيشعر هؤلاء المسؤولون بأم تنتظر ولدها حتى المساء فلا يعود، فتنتظر حتى المساء بعد شهر فلا يعود، فتنظره حتى المساء بعد شهرين فيعود جثة مقطعة الأوصال محروقة الأطراف.

هم مسؤولون بربطات عنق وبدلات باريسية أنيقة ، جاؤوا إلى مناصبهم دون انتخابات، ودون رغبة الشعب، ويكفيكم مثلاً أن تتذكروا أن حكام الجزائر انقلبوا على إرادة الشعب الجزائري في التسعينيات واستولوا على الحكم بالقوة، وهاهم اليوم لا يتركون ثورة إلا ويقفون ضدها ويحاربون لإجهاضها .

إنني أشك بشدة، أن مهل الجامعة العربية لنظام الأسد، لا تهدف إلا لتمكينه من القضاء على الثورة والثوار، ولعل المهلة الأخيرة، التي منعت اجتماع وزراء الخارجية العرب المقرر السبت 17/12، كانت تهدف إلى تمكين الأسد من تدمير حمص، وإخماد الثورة. ولعل موظفي الجامعة طلبوا إليه أن ينتهي من هذا الأمر بسرعة حتى يستطيعوا عقد اجتماع جديد. لكن هيهات هيهات، فلو اجتمع الثقلان على إسقاط هذه الثورة فلن ينجحا. فقد قال الثوار كلمتهم وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان.

بالمقابل فلا يغرنّ أحداً نتائج اجتماع اللجنة الوزارية التي عقد السبت 17/12، فإننا نريد من الجامعة أن تنزع الشرعية عن الأسد بشكل جلي وتطالب بسحب السفراء العرب من دمشق، كما أن عليها أن تمنح كرسي سورية إلى المعارضة. لتكذبني الجامعة، ولتكذب كل الذين يشكون بها وبمواقفها، ولتعلن صراحة أنها خلعت عباءتها عن الأسد، وأنها ستدعم موقفاً تركياً بإنشاء منطقة عازلة، ولتأخذ هذا القرار بناء على مصلحة الشعب السوري، وليس على رغبات إقليمية ودولية، فلتفعلها الجامعة مرة واحدة فتعبر عن الشعوب العربية المقهورة.

وبكل حال، فإن فعلت الجامعة أم لم تفعل، فإن الشعب السوري مصر على التظاهر حتى إسقاط النظام، فقد أصبح عمر الثورة تسعة أشهر ، ومن صبر تسعاً صبر حتى يرى الثمرة، كيف لا، وقد بدأ يشعر بالفعل أنه حان أوان قطافها.

الشعب السوري هو من سيجبر الجامعة على اتخاذ قرارات ومواقف مناسبة، وهو الذي سيجبر العالم كله بمجلس أمنه وكل مؤسساته، على المشاركة في إسقاط النظام، وإنا لنراه قريباً قريبا

د. عوض السليمان. دكتوراه في الإعلام – فرنسا

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.