تحت خيمة القيم

0

 

تحت خيمة القيم

معارضة الإقصاء لا تنتصر، وثورة النبذ لا تنبذ إلا نفسها. هذه الخلاصة ليست بعيدة عن واقع الحال في سوريا اليوم.

لكي ينتصر أي تحرك شعبي، فأول شيء يجب عمله هو أن يضم اليه كل من يمكنه مد يد العون، حتى ولو اكتفى من المعارضة بالقول فقط. فهو، في أقل الحسابات، صوت!

وهناك اليوم ثلاث أو أربع جهات في المعارضة السورية لم تجد سبيلا الى التلاقي فيما بينها. وذلك إما بسبب افتراضات مسبقة عن أحدها الآخر، أو بسبب إعتقاد كل منها أنه أولى بأن يقطف ثمرة الحراك الشعبي لصالحه.

قناعتي، وأنا أراقب المشهد عن كثب، تقول إن الثمرة قد لا تسقط في حضن أحد، إذا لم تنشأ مظلة وطنية عريضة للمعارضة. فحيال خصم عنيد، فان سعة المظلة هي الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يضمن هز الشجرة.

من حق أي جهة أن تشعر أنها مؤهلة وتتمتع بالكفاية اللازمة لإدارة السلطة. ولكن بافتراض أن أول الديمقراطية يتطلب استشارة الناس، والقبول باختياراتهم، فمن الخير لكل جهة أن تنظر بعين التواضع الى الفسيفساء السياسية والديمغرافية للبلد، لتدرك أن أحدا لا يمكنه أن يمثل الجميع، وأن حصته من الغنيمة السياسية قد تنتهي أصغر بكثير مما يفترض عن نفسه.

ما يهم، على أي حال، هو التمكن من تغيير النظام. فما لم يحدث هذا أولا، فان كل تنافس بين المعارضين لا قيمة فيه، ولا معنى له. هذا إذا لم نقل إنه يخدم بقاء الثمرة معلقة.

يدهشني، في الكثير من الأحيان، كيف أن قوى سياسية تنشد التغيير، و”تتنطع” لمهمات تاريخية، تظل عاجزة عن النظر أبعد من أنفها، حتى وإن كان شعبها ينزف ويُستنزف. ولكن يدهشني أكثر كيف أنها تعجز عن النظر الى الأولويات والأسس. حتى إنها تجعل من الشكوك والحساسيات فيما بينها حجر عثرة لكل خطوة قد تمضي بها الى الأمام.

مهما كانت الخلافات، يجب قبولها، بل والدفاع عنها كميزات تستحق أن تبقى وأن تصبح ألوانها صارخة.

ولكن، إذا أبقينا الخلافات، وإذا دافعنا عنها، فإن السؤال هو: على ماذا نتحد إذن؟ ومن أجل ماذا نتعاون؟

المعايير والمبادئ والقيم، هي الجواب. وهي ما يجدر التوافق عليه أولا.

إن خلافات يتم ارساؤها على قيم ومعايير دستورية محددة، أفضل من توافقات لا سقف ولا أرض لها.

التوافق على القيم، هو ما يمكن أن يجمع بين كل أطراف المعارضة السورية. ومن هذه القيم يمكن أن تُستولَد الأسس لبناء نظام جديد. وبدلا من التنافس على أسلاب دولة، فان التنافس سيكون على بناء أسس دولة، بحيث لا يضع أحد على هذه الأسس حجرا حتى يجد الآخر أن له فائدة فيه.

أنريد ديقراطية؟ نحدد ماذا تعني، ونمضي قدما. أنريد احتراما لحقوق الإنسان؟ نحدد كيف، ونمضي قدما. أنريد دولة قانون؟ نحدد الضمانات، ونمضي قدما. وهكذا.

الاتفاق على معايير وقيم، خير مليون مرة من التفاوض على حصص ونسب. بل انه خير من الإنصهار في وحدة.

ساعتها، ففي أي حضن سقطت الثمرة، فانها ستسقط تحت مظلة تلك القيم. وبالتالي في حضنك وحضن “الآخر” المختلف أيضا.

وعندما يتعلق الأمر بقيم دستورية وأخلاقية محددة، فان الشكوك والمخاوف بين المتنافسين تتداعى، ولا يعود لها معنى، ويصبح كل معارض للإستبداد، أخا وحليفا وسندا. حتى ولو اكتفى من المعارضة بالقول فقط. والكل مفيد، ويجدر الاتصال به والتحدث اليه فورا.

فكل قليل ينفع، وجمع القلة كثرة.

الذين يستبعدون طرفا من الحوار الوطني حول المستقبل، لا يفعلون في الواقع، سوى أنهم يعرقلون الوصول الى هذا المستقبل.

والحال، فان الميل الى “احتكار المعارضة” لا يختلف كثيرا عن “احتكار السلطة”. وفي ظل وجود آخرين كثر، يلعبون أو يريدون أن يلعبوا دورا، فان احتكارا للمعارضة من قبل طرف واحد، لا يأتي إلا ليشبه “المادة الثامنة” في الدستور التي تجعل من حزب البعث “قائدا للمجتمع والدولة”.

وهذا غير لائق بمعارضة تضع إلغاء هذه “المادة” بين أول مطالبها.

أولى بالمعارضين (قبل السلطة) أن يلغوا هذه المادة من سلوكهم تجاه الآخرين. وأولى بهم أن يقدموا دلائل ليس على الرغبة في التعاون فحسب، بل وعلى التواضع حيال الفسيفساء الديمغرافية الوطنية أيضا.

أولى بكل الذين يقفون تحت خيمة التغيير، أن يتفقوا على قيمه ومعاييره، ويتركوا الباقي للناس.

أولى بهم أن يتخلوا عن النظر الى أنفسهم على أنهم “الوارث الشرعي والوحيد” للسلطة. إذ يجب أن تسقط السلطة أولا. وأن يُترك للناس الحق في تحديد البديل.

عندما يلتفت المعارضون الى إرساء القيم سوف يكتشفون، من تلقاء أنفسهم، أنهم لا يستطيعون أن يستبعدوا منها أحدا. وأنهم بحاجة الى الجميع، على الأقل من أجل إضفاء الشرعية على ما اختاروه من قيم.

ولكن عندما تكون القصة كلها، قصة صراع وتنافس على السلطة، فكأنهم يعملون على أن ترث الفوضى ركام السلطة وركام القيم.

هذا سلوك. وذاك آخر.

علي الصراف

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.