22 عاما.. هذه بضاعة (وطن) وتجارتها

0
يصادف اليوم الذكرى الثانية والعشرين لصدور أول عدد من صحيفة (وطن) في واشنطن. 22 سنة والصحيفة تقدم تجربتها عبر طبعتها الورقية والإلكترونية. لتكون ربما من الصحف القلائل التي اعتمدت الإعلان فقط لتمويلها ولم تمولها أي جهة.
انه مشوار طويل وشاق لكن القاريء كان دائما محفزنا. ونعيد هنا نشر هذا المقال الذي نشره الناشر قبل عدة أشهر.
 نظام المهداوي
ان تقاتل طواحين الهواء، فهذا جنون لا وصف له ولا حدود. أو كما تقول جدتي رحمها الله: (قلة عقل). وتضيف على هذا: (يعني تركت الدنيا وحاط راسك برؤوس الحكام)..!

- Advertisement -

ورأيها قد لا يشبه رأي صحفي أمريكي، سألني: (هل تستمتع بهذا؟!!) أي مقارعة الحكومات؟!!. ولأن معظم الأشياء بالغرب تقاس بالمتعة أجبته: نعم متعتي ليس لها حدود.!!
كيف اذن لا أستمتع وباليوم الواحد يجري تصنيفي بعدد لا محدود من الأوصاف: إخونجي، ليبرالي، عميل، صفوي، شيعي، متطرف، ارهابي… الخ.
صدرت (وطن) بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 . وكأنها صدرت لتفضح الحصار الذي حصد أرواح الملايين من أطفال العراق وشارك به عرب حفر الباطن. صدرت بوقت كان فيه مجرد ذكر اسم العراق (لا الدفاع عنه) يعتبر جريمة (وحشية)، تحاسب عليها كل الشرائع الكويتية-الخليجية- العربية.
كان الدفاع عن غيداء التي تفحمت في ملجأ العامرية، ووقفت امها تقود الزائرين الى الملجأ، يعتبر خدشاً (لوقاحة) سمو الأمير والشيخ وولي العهد .
ووصفت (وطن) حينها بالبعثية والصدامية، والأهم من هذا ما قابلت عراقيا إلا ورأيته مصدوماً متفاجئاً: ظننتك عراقي..!!
واثناء الثورة المصرية خصصت (وطن) كل صفحاتها لنشر أخبارها، فظن كثير من القراء أن صاحب الصحيفة مصري. وحين اشتعلت الثورة السورية افردنا تغطية واسعة لمذابح السوريين، فاشبع شبيحة النظام السوري مصر بالشتيمة على صفحة (وطن) بالفيسبوك لظنهم أني مصري، قبل أن تتصدى لهم زميلتنا دينا عاصم، وتخرسهم بقولها: صاحب الصحيفة سوري حر وليس مصري.
لم اشأ ان اصحح معلومة دينا إلى ان تم تعيينها لإدارة التحرير، اضطررت لذلك كي أشرح لها بأن الصحيفة عربية وحسب. وكلما تاه القراء بتصنيفها كلما حققت أهدافها.
لكن صحيح ما هي أهداف صحيفة (وطن)؟ لا أهداف لها.!! تسير بمبدأ واحد لا تعرف أن تحيد عنه: أن تبقى حرة. هي بالمناسبة ليست محايدة.! أو بالأحرى لا تعرف أن تبقى محايدة.! ومن يطلق هذه الكلمة (الحياد) بمهنة الصحافة كاذب، أو ينظًر بما لا يعرفه أو يجربه.
اذن (وطن) ليست محايدة، انها تبحث بشكل خبيث عن كل الأخبار المحرمة من النشر في أساطيل الإعلام العربي لتنشرها. وتتسلل خلال صفحات المنتديات والمدونات، وتندس بالعالم الافتراضي للفيسبوك وتويتر لتتلصص على أحاديث الناس.
انها ببساطة شديدة، تغرد خارج سرب اعلام البلد الجميل والآمن المستتب، بفضل جلالته وسموه وفخامته. ذلك لأنني سبق وتجرعت مرارة التغريد داخل سرب الاعلام الحكومي وما يطلق عليه المستقل، وشهدت مثلاً كيف احرقت آلاف النسخ من الصحيفة التي كنت اعمل فيها لأنها نشرت صورة سمو ولي العهد فوق صورة صاحب السمو الأمير المفدى، وكيف عوقبت على ذلك.!! ليس مهماً هنا أهمية الخبر أمام قدسية وألوهية الحاكم.
تحررت من كل المفاهيم والمعتقدات والمصطلحات، قبل أن أتغرب مجبرا. حلمت بالهواء بعد ان اصبت بداء الكلام، فان حبسته قتلني وان اطلقته قتلني.! وبين القتلين فارق كبير لم تعرفه جدتي.!
صحيح أن (وطن) قارعت الحكومات والأحزاب والتجار ولكنها لم تفعل هذا شجاعة ولا ادعت يوما بطولة. فلو صدرت (وطن) تحت الرعاية الكريمة لسموه أو جلالته لما بقيت وطن ولا ظللت معها طليقا أو حيا. لابتلعني الحاكم من أول تغريدة. لكنني بعيد في بلاد العم سام.
ومع ذلك تصل يد الحاكم إلى كل من يشير عليه بسوء ولو كان في آخر المعمورة. وقبل صناعة الإنترنت كانت (وطن) الصحيفة الأسبوعية الورقية التي لا توزع خارج حدود أمريكا تطارد بالمحاكم الأمريكية من مستشار وأمير أما بعد ظهور الإنترنت ووصول (وطن) إلى العالم، أغلق الحاكم الأبواب بوجهها. حجب كلامها المسموم خشية ان يشعل البارود الذي يقيم عرشه عليه. ومنع عنها الاعلان. حاصرها واتهمها بالارهاب، وقرصن صفحاتها مرات ومرات، ثم استولى على اسمها، وقدم التقرير تلو التقرير لسلطات الأمن الأمريكية عن (ارهابها) ولم يتوقف إلى الأن بل يزداد شراسة.
وكأن (وطن) هي التي فجرت الثورات، وهي التي سلبت اللقمة من أفواه الناس، وقهرتم، وزجت بهم بالسجون، وعذبتهم، وسلبت أموالهم، وصادرت أراضيهم، وجردتهم من مواطنتهم. والعجب العجاب ان كل حاكم يسير على إثر أخيه، وهو الذي شهد مصيره. السعودية حجبت وطن منذ صدورها، ثم لحقتها تونس لأن (وطن) نشرت مقالا لرئيسها الحالي المرزوقي، ولم تعد (وطن) للتونسيين إلا بعد ان فر بن علي. وفعل نظام مبارك الشيء ذاته، حجب موقع (وطن) بعد اندلاع الثورة بإسبوع، وعادت (وطن) للمصريين بعد سقوط مبارك. بشار أيضا سار على نهج سلفيه، حجب (وطن) بعد شهر من اشتعال الثورة ولم تعد للسوريين إلى الآن.
حين وقعت هجمات سبتمبر هطلت تقارير من كل حدب وصوب على مكتب التحقيقات الفيدرالي تتهم (وطن) بالارهاب لأنها كتبت تقول: بأن هجمات سبتمبر ارهاب، وقتل الاطفال الفلسطينيين ارهاب ايضا. وما غردت حينها (وطن) بذلك إلا تذكيراً بأن هناك ايضاً ارهاب بجهة اخرى من هذا العالم، وراء البحار Oversees.
وترجمت مؤسسة اسرائيلية بارزة هي (ميمري) قصيدة نشرتها (وطن) وعنوانها نعم أنا ارهابي. ووزعتها على اعضاء الكونغرس وكبار المسؤولين الأمريكيين تحريضاً ضد (وطن).
ولا أحد يغلق صحيفة هنا حتى لو اتهمها أوباما نفسه بالارهاب بدون دليل. الأمن الأمريكي يتحرى ويقرأ ما نكتب ويراقب بدون مداهمات للبيوت والمكاتب وباعتقالات بلا تهمة أو محاكمة إلا فيما ندر. وان لم يخلو الأمر من بعض مطالبات الاستجوابات، التي يحق لك، بل افضل لك، أن ترفضها، ان كانت بلا مسوغ قانوني.
اذن.. هي تجربة ممتعة فعلا، ليست متاحة لأي أحد في كل مكان أو زمان. متعة أن تتحدى الخطوط الحمراء. ان تتكلم، وتطلق الكلام. ان تتهم مع كل خبر بتهمة مختلفة. أن يحتار البعض بما تخفيه وأي الجهات التي تدفع لك المال؟ أن يتحدى كاتب أو قاريء أو مسؤول أو مخبر أمن بأن تنتقد الجهة التي يعتقد انك تمثلها أو تسترزق منها فيخيب ظنه.! شعور رائع بالتحرر من كل قيود الخوف يقابله تقشف وتعفف عرفته (وطن) منذ صدورها. فهي التي اختارت الفقر بالمال والموارد على ان لا تكون عبدة لحاكم أو محكوم.
ولأنها كذلك فهي علامة سؤال محيرة، وخصوصاً انها تتبنى مواقف معينة، وتفرد لها التغطية الواسعة، وتبدو وكأنها مستنفرة ضد هذا النظام أو ذاك.. ولا يمكن أن يصدقك الجميع ببساطة، فكيف تدافع عن الاخوان المسلمين في الإمارات وتهاجمهم بنفس الوقت في مصر؟ّ!! وكيف تكشف حقيقة إيران ومشاريعها الفارسية التوسعية باسم التشيع، وتنتقد حكومة البحرين وتدين انتهاكاتها لحقوق مواطنيها.؟!! وكيف تنحاز مع سوريا ضد مغتصبها الأسد، وتنشر ما يسيء لقطر أو تنتقد المعارضة بالخارج؟!! وكيف تناصر الثورة السورية، وتأتي على ذكر سيئات حكام السعودية؟!!
اذن (وطن) هي مثيرة للفتنة، لانها تحرر الكلام من الصدور وغرف النوم وهمس الدواوين.! وخبيثة تتصيد خبر مظاهرة هنا واعتصام هناك، لتجعل منه عنوانا عريضا. وتلتقط اعتقال شخص (لا يسوى)، كي تعمل منه قضية. انها تستهدف المشرق والمغرب. الخليج وسوريا ومصر والعراق والمغرب. وتعتاش على الاتهامات والشتائم. فان لم تتهم لم تحرك عقولا.! وان لم تشتم لم تكشف الغطاء عن الحقيقة.! انها تريد الفتنة بمجتمعات متآلفة متجانسة متحدة كأنها قلب رجل واحد، بفضل الحاكم بأمر الله…!
نظام المهداوي

قد يعجبك

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.