الفتوى التي قتلت البوطي!

0

 

في اليوم ذاته الذي تم فيه اغتيال العلامة الكبير محمد رمضان سعيد البوطي، مات في سوريا أزيد من 190 شخص بفعل ما يقال أنها هجمات متكررة من النظام السوري، سواء بالقصف أو القنص أو التدمير!!
 
العلامة البوطي نفسه لم يذهب وحيدا في التفجير الذي طال مسجده في العاصمة دمشق، وإنما رحل معه عشرات من أبرز تلامذته ضمن الدرس الأسبوعي الذي يقدمه في العلوم الشرعية، وبينها دفاعه عن الفتوى الشهيرة والمنتشرة وسط مريديه بحرمة الخروج عن الحاكم، حتى ولو كان جائرا أو قاتلا!
 
رحيل البوطي بهذا الشكل المفجع، ليس في صالح النظام ولا الثوار، فالطرف الأول كان يستند إليه بشكل كبير من أجل إقناع الناس بضرورة "الاستنفار دفاعا عن الوطن في مواجهة هذا الهجوم العالمي من الصهيونية والصليبية"، في حين أن الطرف الثاني ممثلا في الثوار، لن يجد شرفا من وراء قتل عالم كبير في قامة البوطي، ناهيك على أنه شيخ في الرابعة والثمانين من العمر!
 
هنالك جهات قد تكون من داخل النظام السوري أو من داخل الثورة، تبحث عن مزيد من إثارة الفتنة وإشعال رماد الخلافات، وذلك من باب القصد أو من دونه، حيث أن الخشية الحقيقية على سوريا ليس بسبب ما يحدث فيها الآن وحسب، وإنما الخشية أيضا تطال الوضع المتوقع أن يكون بهذا البلد في حال سقوط النظام، أو استعانة المعارضة بمزيد من الدعم المسلح الغربي!
 
لم يكن غريبا أن ينسحب خبر اغتيال البوطي إلى مؤخرة اهتمام الأخبار في نشرات الجزيرة والعربية المتحالفتان مع المعارضة، إلى درجة أن قناة غير عربية هي فرانس 24 خصصت وقتا أطول للحديث عن تداعيات الاغتيال ورمزيته أكثر من تلك القنوات التي تنتمي إلى دول عربية وإسلامية، حيث أن رحيل البوطي بهذا الشكل المفجع يحمل اتهاما مباشرا للثورة بأنها فقدت بوصلتها ولم تعد تفرق بين جنرال على دبابة وعالم جليل فوق محراب!
 
لا ننكر أن العلامة البوطي خيّب ظن الكثيرين حين والى النظام السوري، لكنه لم يخرج أبدا عن جلباب الشيخ المجتهد، والذي وإن أخطأ فله أجر، حتى وإن اختلطت المفاهيم وضاعت الفتاوى والرؤية الدينية الصحيحة وسط كل تلك الفوضى السائدة في المشهد السوري، لكن فتوى البوطي بالاستنفار لحماية سوريا، والوقوف ضد الثوار الذين اتهمهم بموالاة أعداء الإسلام، والتي يقال أنها تسببت في مقتله، توازي في خطورتها وعدم دقتها واجتهادها الناقص، فتوى الشيخ يوسف القرضاوي الذي دعا لقتل كل من يوالي نظام بشار الأسد، حتى وان كان مدنيا أو عالما جليلا!!
 
الحرب المدمرة في سوريا أفرزت لنا جنرالات فوق محارب المساجد، يخلطون بين الحلال والحرام لمصلحة هذا الحاكم أو ذاك، ويساهمون في ضياع الأمة أكثر مما يعملون على إنارة دربها، والخشية أن هذه الحرب، وبقدر ما أباحت التدخل الأجنبي في أوطاننا، فإنها أيضا امتدت إلى بيوت الله، حيث لا شعار يتم ترديده في مثل هذا الوقت الذي يزدحم فيه الحق بالباطل، سوى ما كان يقوله الشارع السوري في بداية الثورة النظيفة.. ما لنا غيرك يا الله!
قادة بن عمار
الشروق الجزائرية

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.