إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

هندرسون يكتب حول مقولة السعودية: ‘لن يهنأ أي شخص في المنطقة بالنوم’

إذن، ما هو رد فعل السعوديين؟ هذا هو السؤال الذي يتردد على لسان العديد من الناس الآن بعد أن توصلت القوى العالمية إلى اتفاق نووي مع إيران. إن الإجابة البسيطة هي أنهم على الأرجح مرتبكون كحالنا جميعاً بينما يدرسون ما وافقت عليه الأطراف وما تنازلت عنه. لكن عندما تجلس في الناحية المقابلة للخليج العربي من إيران – وهو فاصل يعكس الانقسام بين الإسلام السني والشيعي في المنطقة – تجد الأشياء مختلفة عما عليه الحال عند مناقشة المحادثات وأنت جالس حول آلة القهوة في الولايات المتحدة. ويرى السعوديون أن المفاوضات مع القوى العظمى تمخضت عن مباراة صفرية. فالانتصار المتصور لإيران، حتى حصولها على مهلة من اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، لا يصب في صالح المملكة.

 

ويُرجح أن العاهل السعودي الملك عبد الله يشعر بغضب بالغ جراء الاتفاق واحتفاء إدارة أوباما به. كيف لي أن أعرف ذلك؟ لأن الملك غادر الرياض يوم الاثنين متوجهاً إلى الواحة الصحراوية روضة خريم. وهو المكان الذي يذهب إليه عندما يحتاج إلى الاسترخاء. فإذا نظرنا إلى عمر الملك الذي يناهز 90 عاماً، سنعرف أنه يشعر بالتعب والإجهاد بسهولة لكنه أمضى الأسبوعين الماضيين لكي يستميل كل شخص يزوره – من بينهم الرئيس المؤقت لمصر وأمراء الكويت وقطر – حول المخاطر التي تمثلها إيران، وهو الأمر الذي، حسب رأيه، لن يكون مقبولاً إذا حققت تصور كونها قوة نووية، حيث إن ذلك التمييز سوف يمنح طهران هيمنة ليس فقط في الخليج بل في جميع أنحاء الشرق الأوسط أيضاً. وفي مطلع هذا الشهر، وبعد انهيار الجولة الأولى من محادثات جنيف مع إيران، وجه الملك شكاوى لوزير الخارجية جون كيري استمرت حسب بعض الروايات لمدة ساعتين.

 

لقد اتضح النهج السعودي الرسمي حول الاتفاق النووي يوم الاثنين عندما عقد مجلس الوزراء السعودي اجتماعه الأسبوعي. فقد تمت كتابة تقرير حول الأحداث، نشرته “وكالة الأنباء السعودية”، بالصيغة النثرية المهدئة المعتادة لذلك المنفذ الإعلامي، “استعرض مجلس الوزراء عدداً من التقارير حول تطور الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية”، وأضافت نقلاً عن [وزير الثقافة والإعلام عبدالعزيز بن محيي الدين خوجة، قوله]: “حكومة المملكة ترى بأنه إذا توفرت حسن النوايا، فمن الممكن أن يشكل هذا الاتفاق خطوة أولية في اتجاه التوصل لحل شامل للبرنامج النووي الإيراني، وخصوصاً إذا أدى إلى إزالة كافة أسلحة الدمار الشامل، من منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي”. وأعربت المملكة عن أملها “أن يستتبع الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الكبرى المزيد من الخطوات المهمة والمؤدية في النهاية إلى ضمان حق كافة دول المنطقة في الاستخدام السلمي للطاقة  النووية”.

 

إن الجملة المؤثرة هي “إذا توفرت حسن النوايا”. المشكلة لدى الملك عبد الله وغيره من أفراد آل سعود، فضلاً عن معظم السعوديين، أنهم لا يثقون بإيران من الناحية الدبلوماسية ولا يثقون بالشيعة من الناحية الدينية.

 

إن السعوديين لديهم حساسية كافية لحسن الخلق الغربي بما يتيح لهم تحاشي ذكر ملاحظات مناهضة للشيعة باللغة الإنجليزية (وإن في الملأ على الأقل). لكن نظراً لخوف المسؤولين السعوديين من وقوع الأسوأ في محادثات جنيف، فإنهم أمضوا الأيام القليلة الماضية يثيرون القلق في نيويورك وواشنطن ولندن.

 

وفي “مقابلة نهاية الأسبوع” المستفيضة مع شخصية بارزة في صحيفة “وول ستريت جورنال” بتاريخ 23 تشرين الثاني/نوفمبر، قال الأمير الوليد بن طلال بن عبدالعزيز إن دولته “تضغط بكل قوة الآن على الولايات المتحدة لئلا ترضخ للكلام الناعم من جانب الرئيس الإيراني”. وحاجج رجل الأعمال الملياردير، الذي لا يحصل عادة على رخصة من الرياض للحديث في المسائل السياسية، قائلاً “يجب أن تكون للولايات المتحدة سياسة خارجية. واضحة المعالم والهيكل. وتلك السياسة غائبة الآن للأسف. إن الأمر يتسم بالفوضى والارتباك الكاملين. فلا ثمة سياسة. أقصد إننا نشعر بذلك. لدينا إحساس بذلك، كما تعلمون”.

 

ويصور الأمراء والمسؤولون السعوديون إسرائيل في كثير من الأحيان على أنها شيطان الشرق الأوسط، حيث يلمحون بل غالباً ما يقولون ذلك صراحة إنه لولا الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لكان كل شيء في المنطقة على ما يرام. وقد تجاهل الأمير وليد بن طلال هذه الحجة تماماً وقال بدلاً منها “للمرة الأولى، تكاد مصالح المملكة العربية السعودية وإسرائيل أن تكون متوازية. إنه أمر لا يُصدق”.

 

إن التشكك هو أيضاً كلمة جيدة لتلخيص المشاعر التي سيطرت في اجتماع المائدة المستديرة في واشنطن العاصمة حضرْتُه قبل أيام قليلة، عندما طرح المسؤولون وضباط الجيش والمفكرون الأمريكيون أسئلة على شخصية سعودية بارزة أخرى. فعند توجيه سؤال حول ما ستفعله المملكة في حال تحليق طائرات إسرائيلية فوق المملكة العربية السعودية في طريقها لتفجير المنشآت النووية الإيرانية، رد السعودي، الذي كانت ملاحظاته غير رسمية، قائلاً: “لا شيء. لماذا سنفعل أي شيء؟ إنهم سوف يفعلون ما نريد أن يحدث”. وبعد توقف برهة أضاف قائلاً “لكننا سنصدر تصريحاً عاماً قوياً ندين فيه مثل ذلك الاعتداء على المجال الجوي عندما ينتهي كل شيء”.

 

وفي يوم الجمعة الماضي الثاني والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، حصلت صحيفة “التايمز” اللندنية على مقابلة نادرة مع السفير السعودي في لندن، الأمير محمد بن نواف بن عبد العزيز، الذي قال إن “جميع الخيارات متاحة” إذا فشلت القوى العظمى في كبح البرنامج النووي الإيراني. ولم يُنقل عن لسانه أي تصريح منذ ذلك الحين، لكن يمكننا أن نفترض ونحن مطمئنون أن مشاعره لم تهدأ بالاتفاق الذي تم التوصل إليه في جنيف. وفي غضون ذلك، أصدرت سفارته تأشيرة إلى محرر صحيفة “الغارديان” – اليسارية اليومية التي غالباً ما تنتقد سياسات المملكة – في الشرق الأوسط، الأمر الذي يعكس حاجة ماسة تقريباً لنقل رسالتها.

 

إذن ما الذي سيفعله السعوديون الآن؟ في يوم الأحد، نقلت الصحيفة السعودية “عرب نيوز” التي تصدر باللغة الإنجليزية عن عبد الله عسكر، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشورى السعودي (وهو جزء من النظام الملكي الحاكم لمناقشة الأمور أكثر من كونه هيئة شبه برلمانية) قوله إن “حكومة إيران أثبتت الشهر تلو الآخر أن لديها أجندة قبيحة في المنطقة، وفي هذا الصدد، لن يهنأ أي شخص في المنطقة بالنوم ويفترض أن الأمور تسير على ما يرام”. وعند سؤاله عما إذا كان الاتفاق قد فشل في منع إيران من صنع قنبلة وما إذا كان ذلك سيؤدي إلى نشوب سباق أسلحة نووية في المنطقة، رد عسكر قائلاً “أعتقد أن المملكة العربية السعودية سوف تمضي قدماً لو مضت إيران قدماً [وحصلت على سلاح نووي]. أعتقد أن مصر، وربما تركيا، وربما دولة الإمارات العربية المتحدة، سوف تمضي قدماً وتحصل على نفس التقنية”.

 

ويشعر السعوديون بالإحباط جراء عدم قدرتهم على حجب ما يرونه عودة إيران إلى الاحترام على الساحة الدبلوماسية ونهج واشنطن التصالحي تجاه طهران. كما ينتابهم القلق من بقاء نظام الأسد في سوريا، الأمر الذي يمنح إيران انتصاراً استراتيجياً بدلاً من الانتكاسة التي تحاول الرياض تنسيقها من خلال دعمها لمقاتلي المعارضة الجهاديين في البلاد. وفي الشهر الماضي، أوردت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن رئيس المخابرات السعودية، الأمير بندر بن سلطان، حذر من أن المملكة سوف تبتعد عن الولايات المتحدة لأنها لا تشعر بالانسجام مع إدارة أوباما. وقد سخر المطلعون على بواطن الأمور في واشنطن من هذه الفكرة، حيث قالوا إن الرياض ليس أمامها مكان آخر تتوجه إليه. ويمكن اختبار هذه الفكرة قريباً جداً.

 

وبين أودية روضة خريم، وهي الآن وارفة بالخضرة بفعل أمطار الشتاء، سوف ينظر الملك عبد الله في الخيارات المتاحة أمامه. سوف تكون هذه استراحة عمل. وقد اصطحب معه بعض من أقرب مستشاريه، ومن بينهم نجله، الأمير متعب بن عبد الله، وصهره المفضل الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد، والنائب الثاني لرئيس الوزراء، الأمير مقرن بن عبد العزيز. إن الملك يشتهر بالتحدث عما يدور في ذهنه. بيد أنه حتى الآن، كان أتباعه هم من تحدثوا علانية نيابة عنه. ربما أننا على وشك أن نسمع من العاهل السعودي نفسه.

 

 

 

سايمون هندرسون هو زميل بيكر ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد