إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

دولاب فخار غزة.. يقاوم الزمن والحصار كي لا يتوقف

3ba5123db4f956ea7f2975f7ebe6c90c

غزة- الأناضول – فوق دولاب متحرك، بسرعة متوسطة كانت تدور…

   غزة- الأناضول -فوق دولاب متحرك، بسرعة متوسطة كانت تدور كتلة اسطوانية من الطين، أمسكت بها يديّ محمود عطا الله اللتان اكتسبتا لونًا بنيًا باهتًا، وبخبرة عمرها يزيد عن خمس عشرون عامًا بدأت أنامله بتشكيل آنية فخارية جديدة من تلك الكتلة، التي بدت وكأن كفيه يحتضناها.وأثناء دوران القطعة الفخارية المتشكلة من الكتلة الطينية، والتي مازالت متصلة بها، يضع خيطًا رفيعًا بين قاعدة الآنية وكتلة الطين؛ حتى يفصلهما عن بعضهما ويبدأ بتشكيل أوانٍ جديدة حتى تنتهي كتلة الطين ويحضر أخرى.

وبحذر وبحركة واحدة من يديه اللتان غطيتا بالطين، رفع “محمود” صاحب اللحية الخفيفة السمراء والممتزجة ببعض الشعيرات البيضاء، تلك الأواني الفخارية التي انتهى من صناعتها للتو، ووضعها على لوح خشبي مستطيل بجواره، اصطفت عليه نحو ست أوانٍ أخرى.وداخل مصنعه المتواضع، والذي يقدر عمره بأكثر من نصف قرن، والمكون من سقف صفيحي، وذو مدخل منخفض قليلاً عن مستوى الأرض، تجمعت العشرات من القطع الفخارية التي تحمل في طياتها ذاكرة عقود طويلة من التراث الفلسطيني–رغم صناعتها المتجددة-.

وتعدّ صناعة الفخار في فلسطين حرفة تراثية ومتوارثة عند بعض العائلات، وعرفت منذ 4000عام قبل الميلاد.وكان الفلسطينيون قديمًا يستخدمون الأواني الفخارية في الزينة والطهي والشرب، حيث تتميز تلك الأواني بمنح الماء درجة من البرودة.وأكثر الأواني الفخارية رواجًا في الوقت الراهن كما يقول عطا الله، هي ما يسمى ب “القدرة” وهي آنية فخارية يطهى بها نوع معين من الأرز على الحطب سابقًا، والآن أصبح يطهى باستخدام أفران الغاز، إضافة إلى “الزبدية” وهي آنية فخارية يستخدمها الغزّيون لإعداد سلطة الخضار.

ويستخدم بائعو الزهور في قطاع غزة بعض الأواني الفخارية كأوعية للورود بعد إكسابها ألوانًا مختلفة تضفي عليها حلّة جديدة من الجمال.وكان لتلك المهنة سوقها المزدهر الذي شهد تراجعًا كبيرًا في العقدين الأخيرين، بسبب الإقبال على الأواني البلاستيكية والزجاجية وغيرها، وبفعل الاحتلال الإسرائيلي والحصار المفروض على نحو قرابة مليوني مواطن يقطنون غزة المحاصرة.ويقول صاحب أقدم فاخورة “مكان صنع الفخار” في غزة خلال حديثه مع مراسلة الأناضول:” في الثمانينيات كان يوجد في قطاع غزة حوالي 40 مصنعًا، تناقصت فيما بعد لتصل إلى 5 مصانع فقط، موضحًا أن وجود البديل من الأواني المنزلية المصنوعة من البلاستيك والزجاج وغيره، قلل من أهميتها والإقبال عليها.

ويتابع:” قبل انتفاضة الأقصى عام 2000م كان سوق الفخار مزدهرًا؛ لتمكننا من التصدير إلى الضفة الغربية وإسرائيل وللخارج، والآن تكبدنا خسائر بسبب الحصار ومنع التصدير، وفي بعض الأحيان نعمل أيامًا معدودة خلال الشهر لقلة الطلب عليها، بسبب اشتداد أزمة الكهرباء مؤخرًا”.وبيّن أنه كان يعمل لديه أكثر من 20 عاملا، وأصبح الآن يعمل مع والده وعائلته فقط.وأشار عطا الله إلى أن لديه كمية من الأواني الفخارية المنتجة منذ عام، ولم يتمكّن من بيعها إلى الآن.

وللأسبوع الرابع على التوالي لاتزال محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة متوقفة عن العمل بشكل كلي.وفرضت إسرائيل حصارًا على قطاع غزة في 2007م، عقب فوز حركة “حماس″ في الانتخابات التشريعية.وأولى مراحل صناعة الفخار هي استخراج الطين من باطن الأرض كما يشرح عطا الله بقوله:” تتوفر الطين بكثرة في غزة وخاصة في منطقة بيت حانون شمال القطاع، وفي المناطق الشرقية، وأفضلها “طين الخور” الذي يتوافر بكثرة في منطقة شرق جباليا”.

“ثم يوضع الطين المستخرج في أحواض كبيرة من ماء ، ويتم تحريكها من وقت إلى آخر يدويًا من قبل أحد العمّال الذي يقف في وسط الحوض، وبعدها يترك حتى يصفى من الشوائب” وتلك هي المرحلة الثانية كما يوضح عطا الله.أما المرحلة الثالثة فهي إخراج الطين وتركه حتى يجف، لتتبعها الخطوة الرابعة التي يتم خلالها عجنه ليصبح أكثر تماسكًا، بواسطة آلة تسمى “العجّانة” التي وفرت الكثير من الوقت والجهد الذي كان يبذله الصانع أثناء عجنه بيده قديمًا.

ويسكب قليلا من الماء داخل “العجانة” قبل وضع الطين المصفى، حتى  تسهل عملية العجن.وثم يخرج الطين من تلك “العجّانة” على شكل كتل اسطوانية، وقبل وضعه على الأرض يرش عليها حفنة من الرمل حتى لا يلتصق بها، ويأخذها صانع الفخّار ويضعها على الدولاب الدائري، وبذلك تكون جاهزة للتشكيل كيفما يشاء، وكما يرسم في خياله.ولا يفارق دلو الماء الصغير طاولة عمل عطا الله، ذات الضلعين المتقاطعين في زاوية، ويبلل صاحب الفاخورة التي اكتست جدرانها وأرضيتها بالطين، يديه بالماء بين لحظة وأخرى أثناء صناعته للأواني الفخارية كي لا يلتصق الطين بهما وتكون سهلة التشكيل.

وبعد انتهاء المهمة الفنية والتشكيلية يوضع الطين المشكل حتى يجف، ويستغرق في فصل الصيف خمسة أيام، بينما في فصل الشتاء فتصل تلك الأيام لعشرة، ثم يدخل إلى أفران خاصة للتسخين ليصبح أكثر تماسكًا، ويستغرق ذلك مدة خمسة أيام، ويكون بعدها جاهز للبيع، وبإمكان المستهلك أن يطلب تلوينه وتزينه.ومن بعض تلك الأواني ما يطلق عليها اسم “قوارير” وهي أصيص للزراعة، والفخارة” أو “القدرة” وهي لطهي الأرز والدجاج على الحطب، أما “الزير” يستخدم لحفظ الماء البارد في الصيف هي ذات حجم كبيرة، ويطلق على الصغيرة منها اسم “ابريق” أو “مشربة”.

وسنوات العمل التي تتجاوز الخمسين في هذه المهنة يخشى صاحبها من ألا تحظى بعمر أكبر إن استمر الحصار وإهمال الجهات المختصة بهذه المهنة.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد