إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

‘الكتاب الاسود’: نظام بن علي ‘اشترى’ مئات الصحافيين

نشرت رئاسة الجمهورية التونسية منذ ايام وبتعليمات من الرئيس المنصف المرزوقي كتابا توثيقيا هو الاول من نوعه في تاريخ الوطن العربي وقد عرف هذا الكتاب باسم (الكتاب الاسود لمنظومة الدعاية لنظام بن علي) ويحتوي هذا الكتاب على أسماء الاعلاميين والمثقفين والشعراء والفنانين والقضاة والمحامين الذين تورطوا في الدعاية لنظام بن علي طيلة عقدين من الزمن وعملوا على تبييض صورته أمام الرأي العام المحلي والدولي .
 
إن كل المعطيات والوثائق التي حواها هذا الكتاب الاسود قام بجمعها وتبويبها ونشرها فريق عمل صحافي من المكتب الاعلامي للرئاسة وذلك بناء على أرشيف الوثائق والمراسلات وأذون الدفع والتحويلات المالية التي وجدها الدكتور المنصف المرزوقي داخل أروقة القصر حال تسلمه منصب رئاسة الجمهورية وقد مثل هذا الحدث عملا فريدا وغير مسبوق وذلك ليس في تونس فحسب بل في كامل المنطقة العربية.
 
ان هذه السابقة التاريخية النوعية في كشف منظومة الفساد الاعلامي مكنت من كشف اللثام عن آليات منظومة الدعاية الاعلامية لتبييض صورة الجنرال الهارب وتشويه صورة المعارضين لنظامه وقد ضم هذا الكتاب الاسود قوائم طويلة بأسماء الصحافيين ورؤساء التحرير ومديري الصحف الذين تم تسخيرهم لخدمة النظام مقابل امتيازات مالية ومنح مجزية ومناصب عالية وإن كانت أغلب هذه الاسماء معلومة لدى الرأي العام التونسي إلا أن عملية توثيقها في كتاب مدعومة بالمراسلات والتقارير الجاسوسية بين القصر والاعلاميين كما أن ضمها لمؤيدات وبراهين تكشف المبالغ المالية الهائلة التي تم صرفها ومنحها لرموز منظومة الدعاية مما اعطى للكتاب قيمة توثيقية وزخما برهانيا يصعب دحضه أو التشكيك فيه.
 
ومن اللافت للنظر أن هذه المنظومة التي تمت إماطة اللثام عنها من طرف الرئاسة التونسية لا تضم أسماء المتورطين من إعلاميي تونس فحسب بل ضمت قرابة مائة شخصية عربية وأجنبية من الاعلاميين والمثقفين العرب الذين تمت رشوتهم من نظام بن علي لكتابة المقالات وتأليف الكتب عن القيادة الرشيدة والحكمة الفريدة لنظام زين العابدين بن علي وهناك من الاسماء الصادمة التي كانت على علاقة دعائية وثيقة بنظام الفساد والاستبداد بتونس والتي أصبحت تنظر للثورة ولإستحقاقات الكرامة والحرية بعد سقوط الديكتاتورية.
إن هذا الكتاب الوثيقة لا يضم قوائم اسمية فقط قابلة للطعن والتشكيك بل يوثق لحركة أموال ومناصب وامتيازات بالدليل البائن والبرهان الساطع الذي لا يقبل تشكيكا ولا تأويلا وقد تمتعت بذلك طبقة من الصحافيين والمثقفين والكتاب والشعراء المرتزقة الذين باعوا ذممهم للسلطان وتنازلوا عن شرفهم من أجل المال وفيهم من تحول بقدرة قادر الى مليونير وفيهم من تحول في وقت قياسي الى ملياردير على حساب قوت الشعب والمال العام وقد كانوا يعتقدون خطأ وجهلا أن عجلة التاريخ توقفت عند حكم المخلوع وأنه لن يزحزحه أحد من مكانه إلا ملك الموت وأن الطريق سالكة من أجل مزيد من الانتفاع بعطفه المالي ومزيد من النهب بعد أن اعتقدوا أن الشعب مغيب ومخدر ولن تقوم له قائمة. 
 
إن من يستعرض أسماء الاعلاميين الفاسدين الواردة في الكتاب الاسود للصحافيين المتورطين في منظومة الدعاية الاعلامية للمخلوع يقف على حقيقة أن نفس هذه الاسماء وهي التي انبرت بعد الثورة تعطي في الدروس الثورية للرأي العام التونسي عبر البرامج الاذاعية والتلفزية هي نفسها التي أطلقت حملات تشويهية على الرئيس المنصف المرزوقي لغاية استهدافه بالتهجم احيانا وبالسخرية والاستهزاء منه أحيان أخرى بعد أن كانت تلعق أحذية المخلوع وتمجد السيدة الفاضلة سيدة تونس الاولى. 
 
لقد نسي رموز الآلة الدعائية لنظام بن علي أو تناسوا بغبائهم المعهود أن أرشيفهم موثق ورقيا وإلكترونيا ولا يمكن لهم بتاتا مسح آثار الجرائم المرتكبة بحق الشعب التونسي والرأي العام المحلي ورغم ذلك يبدو أنهم كانوا يراهنون على النسيان وعلى قصر الذاكرة ولم يخطر على بالهم أن جرائمهم الاعلامية بأدلتها وقرائنها يمكن أن تجمع ليس في كتاب واحد فحسب بل عدة كتب توثيقية وتكون مجالا خصبا للتحليل والدراسة لدى المؤرخين والباحثين في الجامعات والمعاهد العالية المختصة في الصحافة والإعلام حتى تعلم الاجيال القادمة المكونات الرئيسية والآليات المنهجية لأصابع للأخطبوط الاعلامي لمنظومة الدعاية لنظام الديكتاتور التي لا نعتقد أنها تختلف كثيرا عن المنظومات الدعائية لأنظمة عربية أخرى مازالت قائمة الذات.

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد