أرشيف - غير مصنف

الفنانة السورية فدوى سليمان : ما أخطئنا فيه في ثورتنا التركيز لإسقاط النظام والمطالبة بالديمقراطية والحرية دون تصور مسبق عن النظام البديل

بعد ان كان اسمها يتصدر…

بيروت ـ حوار  ـ عادل العوفي:

 

بعد ان كان اسمها يتصدر العناوين وهي تقود المظاهرات في حمص المحاصرة في اوج جبروت نظام الاسد وهو من رصد مكافاة مغرية لمن يترصدها.. وبعد ان خرجت من سورية صوب عاصمة الانوار باريس لم نعد نسمع اي خبر عنها، اختفت اخبارها فجاة فكان من الضروري النبش في الحزن المرتسم على محيا انسانة توزع الطاقة والحماس اينما حلت وارتحلت في ربوع الشام.. انكفاء مبرر وحزن واسى وحسرة على ما الت اليه سورية وثورتها .. في هذا الحوار الخاص مع “راي اليوم” تبوح الفنانة السورية المعروفة فدوى سليمان بالكثير من الاشياء كصمتها الطويل واسبابه وجديد كتاباتها ووضع سورية الحالي واللعبة التي حذرت سابقا من مغبة الوقوع في فخها وغيرها الكثير في حضرة فنانة صريحة لا تجيد المجاملات وما في قلبها على لسانها:

ـ  شكرا على ثقتك بنا اولا، ولماذا هذا الغياب بالأساس؟ وما الذي دفعك للانزواء؟ هل هو اختياري أم إجباري؟

للكلام ضرورة وللصمت ضرورة، وللكلمة قوة في وقتها وللصمت قوة كقوة الكلمة في وقته،ماذايمكننك َ القول وقد خرجتُ من حمص اولاً ومن سورية ثانياً وأنت تعلم ومتأكد أن تفاصيل اللعبة الدولية قد تمت وأن الحرب التي خرجنا للحيلولة دون وقوعها ستبدأ؟ فما يحدث في سورية اليوم بالنسبة لي ما هو سوى تفاصيل الجريمة بحق شعب أعزل دافع و يدافع عن كل ما اكتسبته البشرية من حرية وعدالة وديمقراطية ومساواة وحقوق إنسان، بينما هذه البشرية نفسها تتفرج للأسف على موت السوريين دون أن تحرك ساكناً، ما يحدث هو حرب عالمية تُديرها الدول العظمى بأيدينا جميعاً،كَان دورنا الوقوف في وجه هذه الحرب، الوقوف في وجه السلاح وتنبيه كل الأطراف إلى عدم الانجرار إليها، كان دورنا الحيلولة دون وصول سورية إلى ما وصلت إليه اليوم، وفي نفس الوقت إسقاط نظام شريك في المؤامرة على الشعب السوري؛ باعنا منذ زمن لصالح معسكر دول عظمى. فكان الأقدر على أن يكون جزءاً من هذه اللعبة والمتابعة في تنفيذ ما تمليه عليه تلك القوى، وكان هدفنا ضمان السلم الأهلي وتحقيق الحرية، ولكن للأسف تمت تصفية أو سجن أو تعذيب أو تهجير كل من كان يقف في وجه هذا المشروع لإخلاء الساحة أمام الحرب وأمام أطراف النزاع ولتتحول الثورة من ثورة حقيقية إلى صراع مسلح على السلطة وصراع دول عظمى لتحقيق إرادتها في المنطقة، وإشراك كل من هب ودب ليتمكن المعسكر الأقوى من فرض سيطرته وقوته على الشعوب العربية من جديد، أوصلت كلمتنا لحظة وصولي وقلت ُ أن العالم كله مسؤول وكلنا مسؤولون عما يحدث في سورية. وبما أننا أبعدنا قسراً عن مركز الفعل وصرنا لاجئين، ونعاني ما يعاني منه كل لاجئ سوري لتتمكن آلة الحرب من حصد الجميع. بدأت البحث عن وسائل أخرى للاستمرار في لنتمكن من مساعدتنا في محنتنا فمهما فعلنا نشعر بالتقصير والإحباط والعجز واليأس والقهر لأن ما نفعله جميعاً لن يكفي الجميع ولن يُدفأ طفلا يموت برداً في مكان لا تعرفه في سورية أو في المخيمات، ولن يمسح دمعة الأمهات، ولن يُعيد من رحلوا ، ولن يكون حلاً، فمن خلال جمعية حقوقية إنسانية استطعنا دعم مجموعة من النساء تعمل في سورية لإغاثة النساء اللواتي فقدن أزواجهن أو أبناءهن، يقمن بتعليمهن مهناً وحرفاً ليتمكن من إعالة أنفسهن وفي نفس الوقت في محاولة لإخراجهن من ألمهن ومعاناتهن وفي تعزيز روح التعاون والعمل الجماعي والبدء بخلق المؤسسات المدنية البديلة عن مؤسسات النظام، وتعمل هذه السيدات مع الأطفال أيضاً من خلال الرسم والموسيقى والمسرح لنفس الأهداف، ونقوم هنا ببيع المنتجات اليدوية، والتي حتى الآن نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية لا نتمكن من تحقيق المطلوب .

ـ أصدرت كتابك الأول بعنوان “كلما بلغ القمر”، هل كان متنفسا لك في ظل ما يعيشه الوطن وما تمر به الثورة؟ ولماذا الشعر وليس المسرح آو السينما مثلا وآنت فنانة معروفة؟

كتابي الأول كان مسرحية ” العبور” الذي تمت ترجمته للغة الفرنسية من قبل ” رانيا سمارة “،وقامت بنشره دار ” لانسمان ” باللغة الفرنسية ولكنه لم ينشر بالعربية حتى الآن،وقد صُنف على انه نص مسرحي شعري، ثم جاء كتاب” كُلّما بلغ القمر” التي قامت دار ” الغاوون” بنشره وَترجمه إلى الفرنسية المخرج المسرحي والكاتب والشاعر اللبناني ” نبيل الأظن ” لم الشعر؟ لا أستطيع أن أجيبك لأن هذا ما يخرج من ذاتي، ورغم هذا فهو يخرج كابن للمسرح، فأنا ابنة المسرح أيضاً، فسرعان ما رأيت أمامي من خلال المقاطع الشعرية التي كتبتها في “كلما بلغ القمر ” حكاية، تحكي الثورة السورية منذ الحلم، منذ البوعزيزي الشرارة الأولى في تونس، إلى أصابع الأطفال في درعا منذ الثورة السلمية إلى بدأ التحطيم والمجازر، وذلك من خلال رحلة عبر الأزمنة ومزجها مع بعضها لتكوِّن في النهاية زمناً واحداً زمن ماضٍ صوت الجدة ، المرأة الأنثى، الإلهة التي بدأت بالخلق، وفي نفس الوقت،هي ثورتنا في الزمن الحالي، الثورة الأنثى ،ومنذ لحظة الخلق الأولى حتى اليوم ونحن نقتلُ هذه الأنثى، الأم، الأرض، الإلهة داخلنا وخارجنا ممزوج بالزمن الحالي زمن الغياب عن الجذور والانقطاع عنها زمن عدم تعرف الأشخاص على هوياتهم وذواتهم زمن الانسلاخ عن الأم بكل ماتعني الكلمة من معنى، الانسلاخ عن الأرض واللغة والوطن لخدمة الآلة الكبرى “المنظومة ” التي تجعل الناس عبيداً لها، وتنسيهم وجوههم ويتحولون إلى تماثيل أو ذكرى عن شيء ما كان ذات زمان وكان ذات مكان، بسبب الحروب والصراعات ونهب ثروات شعوب وتشريدها ومسح للذاكرة وقطع للجذور لتحويلها إلى آلة مبرمجة يَسهل التحكم بها واستغلال طاقاتها لخدمة عدد قليل من الأثرياء في العالم ولجعل هذا العالم متشابه مسطح الكل يشبه الكل، فكان هذا العرض وهدف هذا العرض أن الاختلاف هو ما يصنع الفرق وهو مايصنع التغيير وهو ما يجعلنا في ثورة دائمة ثورة الكشف والالتقاء بالآخر المختلف كي أفهم من خلال اختلافه ما أمتلك ويفهم من خلال اختلافي عنه ما يملك.

ـ في ذات الصدد، اليس الفن السوري مقصرا تجاه ثورة شعبه؟ ومن المسؤول عن هذا الغياب؟

على الرغم من أن ما جرى، ويجري اليوم في سورية، فقد فجرت الثورة مواهب لدى الكثيرين، سواء في الفن التشكيلي أو الموسيقى أو الكتابة الشعرية أو القصصية أو المسرحية وحتى في كتابة المقالة،وصفحات الانترنت تشهد يومياً ولادة العشرات من الكتاب والشعراء والفنانين. ولكن مازلنا نفتقر إلى المؤسسات الثقافية “رغم ظهور بعض المؤسسات” التي تقوم على جمع نتاجهم و تُقدم على الدعم المادي والمعنوي ، كي تصبح رديف قوي للثورة وتعمل على تغيير الرأي العام العالمي فيما يحدث في سورية، ولكي تتحول إلى تيارات فكرية وفنية وثقافية تقوم كذلك بالترجمة والنشر ليشارك السوريين في الخلق والإبداع والتبادل الثقافي والمعرفي الذي يغني الإنسانية بشكل عام، مما يجعل من كل تلك الطاقات الإبداعية التي ظهرت مجرد جهود فردية ضائعة رغم أهميتها، فما زلنا نفتقر للعقلية المؤسساتية ونفتقر القدرة على العمل الجماعي.

ـ طفت على السطح جماعات وتنظيمات وأسماء غريبة كلها تدعي التحدث باسم الشعب السوري والدفاع عن حقوقه، من ساهم في خلق كل هذه الكائنات؟ وهل هي حقا من صنع النظام ذاته؟

جزء كبير جدا من هذه التنظيمات دخيل على نسيج الشعب السوري وتتبع لأجندات دول تحركها متى شاءت وتجعلها تنام متى شاءت، فكما قلت سابقاً الحرب صناعة، فمنذ اللحظة الأولى للثورة خرج النظام السوري ليقول هناك عصابات مسلحة وسلفيين، وكان واضحاً أنه بالتالي سيقوم بخلق هذه العصابات المسلحة والسلفيين؛ لا يخفى على أحد أن الأنظمة العربية ومن بينها النظام السوري متآمرين على الشعوب العربية وليسوا سوى سماسرة ، حكومات انتداب عن أنظمة الدول التي تعمل هذه الأنظمة لصالحها، والنظام السوري جزء لا يتجزأ عن اللعبة الدولية وكان ومازال دمية تنفذ ما يطلب منها وبالشراكة مع أطراف التآمر, تم خلق هذه التنظيمات على الأرض هو وأطراف النزاع وكل من له مصلحة في تدمير الشعب السوري وإعاقته في الوصول إلى حريته وكرامته لتبعده هذه التنظيمات أكثر فأكثر عن أهدافه وتجعله فريسة الإحباط والموت وتبعثر جهوده في صراعات على عدة جبهات، صراع ضد النظام الديكتاتوري، وصراع ضد الإسلاميين وصراع ضد العصابات المسلحة التي ظهرت فعلاً على الأرض نتيجة الوضع الأمني المتردي ونتيجة الخوف والجوع والحصار، بالإضافة إلى انه في ظل غياب المشروع الوطني البديل كان من السهل على التيارات الدينية المتشددة أن تقتحم الساحة بثورة مضادة وتحصد ثمار الثورات العربية .

_ كيف تنظرين لما جرى في “جنيف”؟ وهل آنت مقتنعة بدور المعارضة وما نتج عنها للذود على حقوق وطموحات الشعب السوري؟

للأسف الشديد والشديد جداً ان المؤتمرات السياسية اليوم كان يجب أن تعقد قبل سنتين وقبل تدفق السلاح إلى سورية وظهور كل هذه التنظيمات المسلحة على الأرض، وقد كان الحل السياسي مطلب الكثير من النشطاء السلميين ، بينما كان غالبية السياسيين مع المجتمع الدولي يطالبون بالحل العسكري ، وينشرون عبر وسائل إعلامهم نفس كلام النظام السوري في ان في سورية عصابات مسلحة وسلفيينن بينما كانت أصوات السلميين تغتالها الدبابات وورودهم تسقط فوق نعوشهم، ليس من مصلحة أحد اليوم إيقاف هذه الحرب فلو كانت المؤتمرات السياسية جادة لطالبوا بالوقف الفوري لهذه الحرب و الفرض على النظام الانسحاب الكامل من حمص وفتح الطريق وضمان عودة أهالي حمص إلى حمص ولكن المؤتمرات السياسية اليوم ماهي إلا لعبة كسب وقت، وتفاوض بين أطراف النزاع في سورية والقوى العظمى لتنفيذ المخطط الدولي وإعادة هيكلة المنطقة ورسم جغرافيا جديدة وخارطة جديدة إلا إذا تدارك السياسيين الأمر وقدموا مشروعا وطنياً بديلاً ولن يكون هذا إلا في لمّ شتات القوى الديمقراطية وبلورة مشروعها المجتمعي المدني و الحضاري. وفتح أبواب الحوار في ما بينها وبين المكونات المجتمعية ذات المرجعية الدينية من أجل خلق أسس جديدة للتعايش وقبول التعددية والاختلاف، ولبناء مجتمع متحضر يضمن للجميع كافة الحقوق والحريات.

ـ بعد سنتين تقريبا من حوارنا الأول، أعود لاسالك نفس السؤال، هل آنت متفائلة بسورية الغد؟ وما تصورك لنهاية هذا المخاض؟

لا أحد يستطيع إنكار أن ما يحدث اليوم في سورية والعالم العربي سيغير الكثير، رغم الدمار وتحطيم المدن ومحاولة تحطيم الإنسان السوري الذي خرج عن صمته وعزلته وكسر جدار الخوف وأعلن عما يريد، رغم ان النضال في سورية وفي العالم العربي من اجل الديمقراطية مازال محدوداً ومازال سقف مطالبنا في الحرية منخفضاً جداً،هي لحظة حرجة جداً ليس في تاريخنا وحسب بل في تاريخ البشرية، فأي تغيير يتم في أي مكان من العالم سيؤثر على آخر نقطة من نقاط الكرة الارضية، فإما ان البشرية ستنحدر إلى ما هو بشع ومدمر، وإما سَتُنتج فكراً جديداً، ومن وجهة نظري ، زُرعت لغة الرفض، ولن يستطيع أحدٌ بعد الآن خديعة الشعوب، وستبدأ آليات جديدة لعمل العقل العربي بالظهور، وهذه الحركة في التنقلات والهجرة القسرية التي تجر الكثير من المحن والآلام إلا انها ستحمل في طياتها عمليات تبادل ثقافي ومعرفي ومزج حضاري بين ما نحمله من روحانية وبين ما يحمله الغرب من مادية قد تدفع بالبشرية إلى عصر الحكمة عصر النور عصر الخلق والإبداع وستكسر كل جدران الممنوعات في العالم، فلا الدول المادية البحتة ستتمكن بعد ذلك من منع شعوبها من فتح باب الروحانيات ولا الدول المتشددة دينياً ستتمكن من منع شعوبها في معرفة ما لدى الآخر من علم، وفي سورية ما هو مهم اليوم هو إسقاط النظام الشمولي الديكتاتوري ،الشعب الذي يذهل العالم يومياً بقدرته على الاستمرار سيبقى كما كان شريكاً في الحضارة الإنسانية وشريكا في الكشف والمعرفة والعطاء، فما أخطئنا فيه في ثورتنا هو التركيز على الثورة لإسقاط  الدكتاتور و المطالبة بالديمقراطية والحرية دون تصور مسبق عن النظام البديل، ودون طرح مشروع ديمقراطي مدني حضاري واضح المعالم، وهذا يحتاج منا إلى جمع كل قوانا الديمقراطية والتي تحمل مشاريع بناء مؤسسات مدنية بديلة عن تلك المؤسسات التابعة للأنظمة الديكتاتورية، وما نُخطئُ فيه اليوم هو عدم قدرتنا على التسامح وإغلاق الأبواب امام طاقة الحب التي تصنع المعجزات، وعدم فهمنا أن الصراع لن يجلب إلا المزيد من الصراع والمزيد من الدم والويلات لهذا كل المؤتمرات السياسية لن تجد الحل ما لم نبحث عن الحل في ذواتنا،ما لم نعط فكرة واضحة عما نريد لن يسمعنا هذا الكون ولن يستجيب ..

تعمدوا أيها السوريون بماء الفرات وكللوا جباهكم بطيون الساحل وغار حلب وحنوا أكفكم بتراب درعا

وألبسوا عباءة القامشلي والحسكة

وادهنوا أجسادكم بزيت إدلب

وتباركوا بحجارة السويداء

لنشرب الشاي جميعاً في دمشق ونسامح

 

زر الذهاب إلى الأعلى