هيثم مناع: تم تهميش معظم من شارك بالحراك المدني السلمي لتبقى الساحة لمن يحمل السلاح
اجرى الدكتور فؤاد القطريب حوارا مهما مع الدكتور هيثم مناع بمناسبة الذكرى الثالثة للثورة في سوريا حيث تم استعراض عام للاسباب التي قامت من اجلها الثورة سلميا وكيف تم تحويل مسارها واذا ما تم تحقيق ما كان الشعب السوري يصبوا اليه عند انطلاقتها قبل اكثر من ثلاثة اعوام. وفيما يلي نص المقابلة:
ـ د هيثم كيف ولماذا قامت الثورة السورية وأين صارت من وجهة نظرك كمناضل ومعارض مسؤول وكإنسان سوري؟
ـ تميزت بداية عام 2011 بخلق وضع ثوري عام من الماء إلى الماء وبدأت حالة غليان عامة وشاملة في عدة بلدان عربية باختلاف طبيعة النظام السياسي فرأينا حراكا متقدما في تونس ونشاطا متجددا في البحرين ودعوة لتجمهر واسع في مصر وكما نعرف بدأت عدة محاولات على الشبكة العنكبوتية من أجل تحرك في سورية ففشلت محاولة اخوانية بإعلان تاريخ مجزرة حماه نقطة انطلاق ووقفنا ضد ذلك لأن حركات الشعوب لا ترتبط بتاريخ المآسي بل الأمل كذلك فشلت محاولات أخرى وأطلقنا أربعة مناضلين في 8 آذار بيان من أجل التغيير وصدرت بيانات سياسية عديدة في الداخل السوري لكن الشبيبة اختارت المكان والزمان وانطلقت من درعا منددة بالفساد والاستبداد ومطالبة بالكرامة والحرية. عناصر الحراك في درعا كانت متعددة من التهميش الذي عانته المحافظة إلى القانون 49 الخاص بالمناطق الحدودية الذي حول مسؤول الأمن لمقاول فساد يومي. أراد الشبيبة حراكا سلميا مدنيا بشعارات جميلة وصارت انتفاضة درعا صورة للبشر من اليابان إلى الأمريكيتين عن الحراك السلمي المدني الذي يحمل مطالب مشروعة ويرد على الرصاص بصدور عارية ضاع صواب أجهزة الأمن من شجاعتها وتصميمها وسعينا في الداخل والخارج لعدم محاصرة درعا بالتواصل مع جبل العرب ودمشق وريفها وبانياس وحماه القامشلي الخ وهكذا انتقل الثوار لعموم الوطن. لن أروي منعطفات ومشقات الأعوام الثلاثة ولكن باختصار اليوم وبعد أن غدر السلاح والمال بالثورة السلمية تم تهميش معظم من شارك بالحراك المدني السلمي الواسع لتبقى الساحة لمن يحمل السلاح يقرر مصير البلاد والعباد ولعل هذا ما أسميناه فخ السقوط في الساحة التي يتقن أنصار الحل الأمني العسكري اللعب فيها .
ـ لماذا تعتبر أن السلاحوية الإسلاموية وغير الإسلاموية غدرت بالثورة . وماذا تقول لقسم مهم من المعارضة السياسية الذي يدعم العمل الثوري المسلح ويعتبر مقولتك ورفاقك بالنضال السلمي غير صحيحة بسبب طبيعة النظام ودور الجيش والأمن ؟
ـ لسوء حظي أو حسن حظي سمعت عروضا بالتسليح قبل الجمعة الثانية للحراك وهددت أصحابها بأننا سنفعل كل شيء لإبعادهم ومحاسبتهم بل ملاحقتهم قضائيا لقد كنت في بيشاور وآزاد كشمير والبوسنة والعراق ورواندا ودارفور وأعرف معنى التسلح ونتائج العمل المسلح. وقد عملنا منذ عام 1996 على مفهوم المقاومة المدنية قبل الموضة الأمريكية التي قدم لها أحد السوريين مرة باعتبارها الهدف للتغيير ثم سار مع التسلح ومناداة الناتو والتدخل العسكري هو ومن روج لذلك. وطبعنا عدة مؤلفات في اللجنة العربية لحقوق الإنسان حول المقاومة المدنية والانتقال إلى الديمقراطية. لا يوجد مثل في العالم الثالث للانتقال الديمقراطي عبر العنف ورأينا الأنموذج الأرجنتيني والتشيلي وكيف نجحت دول أمريكا اللاتينية في التحول السلمي. يضحكني البعض عندما يتحدثون عن شراسة سورية استثنائية للسلطة لا تجابه إلا بالعنف خاصة وقد كنت في بعثات تحقيق شاهدت فيها عدد قتلى يفوق 200 ألف في مئة يوم سورية ليست استثناء للوضع الثوري السلمي برغم أنف النظام الذي يتحدث عن خصوصية الممانعة والمتطرفين الذين صاهروا الأنموذج الليبي من طلب الناتو إلى العسكرة إلى تغيير العلم. للأسف بعض المثقفين لعبوا ورقة الشعبوية والإسلاموية على حساب الإنسان والمجتمع والدولة والمشروع الديمقراطي والدول الغربية وجدت في ذلك مآلاتها بتمزيق البلاد وأوقفت دول الخليج الحراك الثوري على الحدود السورية والضحية الثورة والإنسان. في سورية كلمة النقد الذاتي ممنوعة لذا رغم مآسي العسكرة لا نجد قلما شريفا واحدا ممن أيدها يقول كنا ومن معنا على خطأ .
ـ هذا يدفعني لسؤالك كيف تقرأ موقف جزء من النخبة السورية وليس فقط المعارضين السياسيين مع السلاحوية كأداة ثورية وتأثيرهم في قطاع معين من الشباب والحراك وعدم قدرة النخبة السلمية الرافضة فكريا وسياسيا للسلاحوية وأنت أحد أهم رموزها من عدم القدرة على التأثير على سيرورة الثورة أو محدودية تأثيركم فيها ؟
ـ برأيي قبل قطاع واسع من المثقفين بدور التابع عوضا عن لعب دور المثقف النقدي. وإذا كان للأحداث في سورية ثلاثة عوالم: العالم الافتراضي والعالم الإعلامي والعالم الواقعي فقد أغرت الشاشات والعنكبوتيات قسما غير قليل من مثقفينا بلعب دور المراضاة والمراضاة أكبر آفة ثورية فاليوم تراضي بحمل السلاح السوري وغدا تقبل الداعم غير السوري، اليوم تتحدث في الدفاع الذاتي وغدا تصفق لضرب قاعدة للدفاعات الجوية من قبل القاعدة وهكذا تدخل في عجلة العنف العشوائية دون بصر أو بصيرة سياسية. لقد قلت لأنصار التسلح في القاهرة في نوفمبر 2011 في اجتماع مع المجلس الوطني في القاهرة التسليح غدر بالثورة السلمية فقللوا الخسائر بأن تكون قيادته سياسية أولا وأن يكون وطنيا لا سنيا ثانيا وبتوحيد سبعين بالمئة من المقاتلين ثالثا وكل ذلك لتخفيف الخسائر وترك الباب مفتوحا للحل السياسي فلم يسمع أحد. كان معهم الإعلام الخليجي والغربي ومعهم المال. هوشي منه قال يوما إذا أردت اغتيال ثورة فأغرقها بالمال وهذا ما جرى وقد كان هناك مخطط لتهجير الناس حاربناه وأجلناه في الجنوب ما استطعنا فمع التهجير تزدهر تجارة البؤس وتجارة البشر من شراء الفتيات الصغيرات من مكبوتي السعودية إلى شراء الأطفال للجهاد السلطة السورية كانت مع كل زيادة في العنف تسمح لنفسها بكل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وقد صور للبعض أن الناتو سيكمل المهمة وأن الفصل السابع هو العقار السحري لنجاح الثورات اليوم نعيش حالة إحباط عامة زادت التطرف عند بعض الشباب والهرب عند البعض الآخر وفي أعماق الكثيرين اعتراف بصحة ما قلناه في رفضنا العنف والطائفية والتدخل العسكري الخارجي ولكن الضمير لا يطعم خبزا ولدى الجهاديين من المال لتجنيد الشباب أكثر مما نجمع لمساعدة الضحايا يعني هل يوجد سوري واحد مقتنع بالسيد الجربا مثلا أو ببعض المختلين عقليا الذين نصبوا من الإعلام شخصيات قيادية ؟؟ هل تعرفون أن السرقة والرشوة في ثلاث سنوات من الحراك فاقت في بعض الأوساط ما نسمع عن رموز الفساد العربية؟
ـ كمثقف برأيك وبعد أن أصبح العنصر الداخلي السوري تابعا أو مفعولا به كليا أو جزئيا هل الداخلي هو الذي استجلب الخارجي الإقليمي والدولي أم العكس الخارجي هو الذي فرض نفسه على الداخلي وسيره وفق مصالحه وخاصة الإستراتيجية طبعا أنا لا أتكلم عن مؤامرة ؟
ـ هناك جدلية للعلاقة بين الداخلي والإقليمي والدولي في أي بلد من بلدان العالم الثالث أو بلد في حالة هشاشة سياسية ليس عندنا بلد واحد اضطربت الأوضاع فيه ولم يحدث تدخل خارجي. لذا أنا أسميت من طالب بالتدخل أبواق التدخل لأن هذا التدخل سيحدث فيهم وبدونهم. بقيت القضية المركزية في استطاعة أبناء البلد تهميش التدخل عوضا عن تعزيز دوره. تصوروا سورية مثل لبنان تشكيل حكومة احتاج لأحد عشر شهرا ونطالب بهيئة حكم انتقالي في أحد عشر يوما هل يمكن ذلك بوجود أصبع لكل من يظن نفسه قوة مالية أو إقليمية أو دولية؟ كل بلد في عالمنا الراهن يستحق تعريفه من خدمة الدولة فيه للمصالح القومية له. هذا لا يعجبني كمناضل حقوق إنسان ولكنه واقع انطلق منه لتغييره. لم يكن للشعب السوري صديق واحد مخلص في السنوات الثلاث الماضية وبهذا المعنى المؤامرة موجودة ولكن أولا على الشعب السوري وطموحاته.
ـ كيف تقيم أداءك خلال السنوات الثلاثة الماضية في خدمة الثورة وخاصة أنك من أكثر الشخصيات السورية التي أثارت جدلا في أوساط الشباب فهناك من يعتبرك رمزا صادقا للقيم التي قامت من أجلها الثورة وبقيت مخلصا لها فكريا وسياسيا وهناك من يعتبرك من الشخصيات التي أعاقت الثورة وخدمت النظام بشكل مباشر وغير مباشر وخاصة من خلال مقابلاتك الإعلامية غير المفهومة دائما والقابلة لأكثر من تأويل ؟
ـ لا يمكن الحديث عن أداء طبيعي في وضع غير طبيعي. منذ بداية الثورة كنت على القائمة السوداء في “العربية” و في 2012 وضعت على قائمة “الجزيرة” السوداء وكان الصوت يصل إما بقنوات غير رئيسية أو لا يصل إلا بمقال أو دراسة. في لحظات عدة كنت أشعر بالوحدة حتى في وسط هيئة التنسيق الوطنية وشعرت بالوحدة نفسها عند صدور إعلان جنيف الذي اكتشفه البعض بعد عام أو أكثر. في حالات الهيجان ينطبق المثل الشعبي “اذا انجن ربعك عقلك ما ينفعك”. لكنني لا أحب زراعة الفجل وأعلم أن زراعة النخل طويلة النفس. هناك جملة جميلة لماركس قال يوما “التاريخ هو العلم الذي نعرفه ونعترف به” قلت يوما لمن خالفني الرأي ثورة طانيوس شاهين الفلاحية انتهت بحرب الستين الطائفية في لبنان ورغم أن الثورة الألمانية قادها عمالقة مثل روزا لوكسمبورغ وكارل ليبنخت وطبقة عمالية ومثقفة قوية فقد فشلت فلا يصيبكم الغرور وتعملوا في تجارة الوهم. ان كان فرد قادر على إعاقة ثورة فعلى روادها أن يطرحوا السؤال هل هي ثورة فعلا. الثورة هي المجال الأرحب للنقد والخلق والإبداع فإن حاربت ذلك فثمة خطأ في المصطلحات
ـ انطلاقا من فكرة ضرورة النقد الذاتي وأهميته للفرد والمجوعة كيف تقيم أداء هيئة التنسيق التي أنت ركن أساسي فيها وممثلها في الخارج وخاصة بما يتعلق بآلية تفاعلها مع الشارع الثائر من جهة وممارسات حزب الاتحاد الديموقراطي الذي يدعم وحدات حماية الشعب التي ينتقدها بعض مكونات المعارضة وخاصة الائتلاف بأنها مهادنة للنظام من جهة وممارسة الإدارة الذاتية الانتقالية التي يعتبرها بعض المعارضين أنها خطوة قد تقود للانفصال أو التقسيم ماذا تقول ؟
ـ هيئة التنسيق هي أول تجمع واسع للمعارضة السورية وقد تبنت لاءات أساسية كبوصلة لمقاومة الفساد والاستبداد. الهيئة مكونة من تنظيمات مر عليها حالات مسلحة كتجربة 78-82 وحروب في الجوار وتمتلك ما يمكن تسميته الشرعية التاريخية. هذه الشرعية هي نصف المعادلة في أي وضع ثوري يزج بمئات الألوف من البشر إلى الشأن العام. لا يمكن القول أن الهيئة نجحت في الجمع بين الشرعية الثورية والشرعية التاريخية وحتى انتخابات السبت قبل أيام نجد مقاومة للدم الشاب نتيجة خوف طبيعي من غياب الخبرة وغير ذلك من مسوغات. لكن الهيئة نجحت في الحفاظ على قوامها الأساسي رغم حملات شعواء قادرة على سحق تنظيم أعزل من المال والدعم الخارجي والسلاح كما هو حالها. وعبّرت بنجاح عن زفرات ألم المحرومين من النضال السلمي للتغيير. حزب الاتحاد الديمقراطي حالة خاصة في سورية. فهو حزب حديث في ظل قوة كردية تعتمد ركائز قبل رأسمالية في العراق وخبرة مدنية وعسكرية متقدمة في تركيا. وقد امتلك هويته الذاتية رغم انتسابه المعلن للأوجلانية وعداء البرزاني له. أظن أن التفاعل القوي بين الأحزاب العربية وهذه التجربة سيصقل الطرفين ويخلق وضعا ديمقراطيا علمانيا قويا في البلاد. الباطنية ليست موجودة في الثقافة الكردية عموما. وطالما قلت مازحا الكردي والحوراني سرهما يعيش ثلاث أيام. لذا أرفض النوايا والمواقف المسبقة من كل الأحزاب الكردية وأعتبر سوء الظن يخفي قومجية داخلية عند غير الأكراد يرفض أصحابها الإعلان عنها
ـ كمثقف ومناضل ديمقراطي كيف تقرأ هذا التشتت او التشرذم للقوى الديمقراطية العلمانية هل هي ظاهرة طبيعية لمجتمع متصحرن سياسيا عبر عقود أم أن هناك دور للعامل الذاتي واين وصلت محاولاتك مع بعض الشخصيات والمجموعات الديموقراطية لتكوين تحالف ديموقراطي سوري ؟
ـ تلغي الدكتاتورية أهم إنجاز حضاري للأزمنة الحديثة أقصد ولادة الشخص، المواطن، ونهاية حقب الإنسان القاصر, من هنا فهي تخلق حالة اضطراب في دور الأنا عند كل مثقف ومناضل. وقد رأينا هذه الأنا المتضخمة سببا أساسيا في رفض مبادرات لمجرد أنها لا تحمل اسم الشخص. هذا المرض عززته التضاريس السياسية المتعددة وكثرة الولاءات الخارجية مع ما حملت من تشويه لشخصية المناضل الكلاسيكية. فهذا يعتبر الخلاص به وذاك صلّح سبعين بالمائة من المسار وثالث لم يكن يلتقي محافظ مدينته يلتقي رؤساء دول الخ. كل عوامل تشويه الشخصية النضالية موجودة. من كان يخطر على باله الحديث عن الديمقراطية البندرية أو الحمدية. علاقتنا بكل الديمقراطيين الذين حافظوا على سيادة قرارهم وشخصيتهم السياسية جيدة وسنصل إلى تنسيق أعلى وأشكال أرقى وليس ذلك ببعيد.




