أرشيف - غير مصنف

عمليات التجميل ضرورة أم رفاهية؟

أصبحت عمليات التجميل بؤرة اهتمام الكثيرين في المجتمعات…

أصبحت عمليات التجميل بؤرة اهتمام الكثيرين في المجتمعات العربية بمختلف أنواعها، وصلت بالبعض إلى إجراء جراحات لتحقيق غايتهم في الحصول على الجمال الذي يأملونه طبقا لنظرتهم التي تختلف من مجتمع لآخر، والتي تتدخل فيها الكثير من المعايير النسبية التي يصعب تحديدها بشروط أو نسب محددة.

وفيما رأى مواطنون أن عمليات التجميل أصبحت موضة مجتمعية تتنافس عليها الفتيات خاصة بسبب هوسهن بالوصول للجمال الزائف، اعتبر مختصون أن بعض الاشخاص يعاني من مشكلة عدم الثقة بالنفس وعدم الرضا عن ذاتهم كما أرجعوا هذا الانتشار إلى الجهل بتحريم الإسلام لإجراء هذه العمليات دون وجود سبب طبي.

في هذا الصدد ترى وفا العبيدلي، طالبة جامعية، أن برامج الجمال التي تعرضها شاشات القنوات العربية دفعت الفتيات الى اتخاذ هذه الخطوة، بسبب تحفيزهن على جعل الاهتمام بالجمال والموضة في مقدمة أولوياتهن ما جعلهن يقبلن على تكرار هذه العمليات بسبب هوسهن بالتغيير المستمر.

وتقول العبيدلي ان الإصرار على التغيير جعلهن يدمن عليها حتى وصلت لدى البعض بالقيام بعملية لتطويل الساقين، واستطردت وفا: أؤيد العمليات التي تختص بنضارة البشرة ولكن لا تغير في خلق الله، بما يتناسب مع الأحكام الشرعية التي يجب أن نلتزم بها.

*مخاطر صحية

وفي ما يتعلق بأخطار العمليات التجميلية وفشل بعضها مما يجعلها سببا في إهدار صحة الانسان التي أنعم الله بها عليه، تشير وفا الى أن بعض العمليات تعتبر مخاطرة صحية غير محسوبة العواقب، لافتة إلى أن هناك الكثير من الفتيات يضطررن لإجراء عمليات أخرى لتصليح ما أفسدته الأولى، وطالبت العبيدلي البلدية بضرورة فحص المواد المستخدمة في عيادات التجميل الخاصة لضمان استخدام مواد تطابق المعايير العالمية، ومواجهة خطر احتمالية استخدامها بمواصفات أقل قد تهدد صحة المواطنين، كما أضافت العبيدلي أن الإعلام يجب أن يسهم بشكل إيجابي في توعية الشباب إلى خطورة الانسياق خلف مغريات البحث عن الجمال ويتصدى للترويج لها بعرض الحالات التي تضررت إزاء طمعها في الحصول على جمال صناعي.

*موضة مجتمعية

وتؤيد المواطنة مشاعل العبدالله، موظفة، اجراء العمليات التجميلية لعلاج التشوهات الناجمة عن الحوادث والتي تتطلب تدخلا جراحيا طارئا لإنقاذ المريض من التشوه، ولكنها ترفض هذا النوع من العمليات الذي تقبل عليها الفتيات بحثا عن الجمال، وقد تسبب هذه الرغبة الجامحة لهن لأن يغيرن خلق الله عز وجل في وجوههن وأجسادهن.

وتضيف مشاعل أن انتشار هذه العمليات في المجتمع ناجم عن أوقات الفراغ التي لا يحسن استغلالها وسطحية تفكير بعضهن ما يجعل الفتيات يبحثن دائما عن التغيير الظاهري، وتتابع: كثير من الفتيات يتأثرن بهذه العادات الدخيلة على المجتمع، خاصة مع عصر الانفتاح الذي نعيشه وكثرة السفر خارج البلاد، بجانب التأثر بالإعلام وبرامج الموضة.

وتختلف معها في الرأي المواطنة نورة محمد، موظفة، وتقول: إنه من الضروري أن تتطلع المرأة لأن تكون الأجمل، مضيفة ان كثيرا من الفتيات من الأعمار المختلفة أجرين هذه العمليات، وتشير نورة الى أن بشرة المرأة تفقد رونقها بعد تجاوزها الثلاثين من عمرها لهذا تحتاج أن تذهب لطبيب التجميل ليعيد لبشرتها نضارتها.

وترى الطالبة بكلية الإعلام مروة جبر أن الفتيات اللاتي يقدمن على هذه الخطوة يفتقدن اى الثقة في أنفسهن ويحتجن إلى الإرشاد النفسي، مضيفة: ان عمليات التجميل تحولت إلى موضة بين الفتيات والنساء على حد سواء، فحتى النساء المتميزات في عملهن واللاتي يتمتعن بمستوى علمي رفيع يسرن على هذا النهج مبددات أموالهن في شراء الجمال الزائف، وطالبت بتفعيل قوانين لضبط إجراء مثل هذه العمليات التي لا يدرك البعض أنها مغامرة غير محسوبة العواقب.

التماشي مع الموضة

ويقول الدكتور عادل جمال، استشاري الأمراض الجلدية والتجميل والليزر بمستشفى العمادي، إن أكثر من يقبل على التجميل بشكل عام النساء بجانب وجود نسبة في الشباب، ويتابع: إن الجمال مصطلح مطاط ولا يمكن ربطه بصفات محددة ولكن نسبته تتوقف على الرضا النفسي والقناعة الشخصية، وهنالك بعض النساء ترى الجمال بمقاييس معينة من وجهة نظرها التي تتأثر بنظرة المجتمع وثقافته، بجانب تأثرهن بمشاهير.

ويستطرد الدكتور جمال قائلا: ان الاهتمام بالجمال يجب أن يكون في حدود المعقول ولا يتحول إلى هوس يدفع المرأة إلى إجراء جراحات بحثا عن هذه الصفة وفقا لمفهومها الذي قد تراه في ان تتشبه بغيرها، ويشير الى أن بعض النساء تدفعهن الرغبة في إعجاب المجتمع المحيط بهن والحفاظ على حياتهن الزوجية للقيام بهذه العمليات.

ويشير الى أن الطبيب عليه مسؤولية إقناع هؤلاء الأشخاص بالتخلي عن هذه الفكرة في حالة عدم وجود ضرورة تستدعي التدخل الجراحي، لافتا الى أنه من الواجب المهني أن يرفض إجراء عملية جراحية لشخص لا يحتاجها، ويضيف ان ارتفاع مستوى المعيشة أهم أسباب الاقبال على هذه العمليات.

*رفض النتائج

ويقول الدكتور عادل ان هناك بعض النساء يكررن العمليات لدرجة الوصول للادمان، بسبب الرغبة في التغيير للأفضل من وجهة نظرهن بالإضافة لعدم تقبل البعض النتائج، ويتابع: ان الطبيب عليه أن يتفهم الدافع الحقيقي لهذه الحالات، حتى لا يضيع مجهوده وأموال المريض دون الوصول للنتائج المرضية، فبعض الحالات تحتاج لتدخل الطبيب النفسي لعلاجه من الاضطرابات التي تدفعه لاتخاذ هذا القرار، مشيرا أنها لا تبنى على مستوى الجمال الفعلي لكن على مدى الشعور النفسي بالرضا.

* بدون مبررات

بدوره يرى الدكتور وائل محمود، الاختصاصي النفسي، أن السبب الرئيسي لانتشار عمليات التجميل هو تحولها من حاجة ضرورية لمعالجة تشوه ناتج عن نقص بسبب حادث أو خلقي يصاحب الشخص منذ ولادته وقد يسبب له هذا التشوه مشاكل اجتماعية تنجم عنها أزمات نفسية إذا لم يتم علاجه إلى رغبة ليس لها مبررات حقيقية ودوافع طبية، ويرجع أسبابها إلى رغبة الأشخاص، ومعظمهم من النساء، للسعي نحو الكمال واستحواذ كل مواصفات الجمال من وجهة نظرهم، كما أن حب التقليد والتشبه بمشاهير الفن والغناء واحد من أهم المعايير التي سببت هذا الهوس، بالإضافة إلى عدم تقبل الذات وتقديره ونقص الثقة بالنفس واضطراب مفهوم الذات لدى بعض الأشخاص، وهذه العوامل قد تكون أحد المسببات الرئيسية لسعي الأشخاص للدخول في هذه الدائرة التي قد لا تنتهي عند البعض فيظلون يتنقلون بين عيادات التجميل للحصول على غايتهم في الرضا عن أنفسهم.

ويضيف : أن الرضا عن النفس غاية لا يدركها هؤلاء الأشخاص الذين يعتقدون أن عمليات التجميل ستحل لهم مشاكلهم الاجتماعية التي غالبا ما تنبع عن أزمة نفسية لا يدركها صاحبها، ويشير محمود الى أن قلة الثقة في النفس قد تجعل الشخص لا يقتنع بأي من انجازاته ولا يعترف بخبراته وثناء الآخرين عليه، وقد يملك هذا الشخص مظهرا حسنا إلا أن مشكلته النفسية تعوقه عن رؤية جميع محاسنه.

التدليل الزائد

ويقول الدكتور وائل إن هذه الاضطرابات النفسية قد تنشأ نتيجة أساليب تربوية خاطئة في الأسرة، فالتدليل الزائد للطفل والمبالغة في تقديره إلى درجة تشعره أنه الأفضل بين اقرانه مما يزيد من اعجابه بذاته ولكنه حينما يبدأ في التعامل مع المجتمع يصطدم بواقع أنه ليس الأفضل فيضطرب مفهوم تقديره لذاته ويسعى لتعويض هذا النقص باللجوء لعمليات التجميل ظنا منه أنها ستميزه بين أفراد مجتمعه وتجعله في المرتبة الأولى التي اعتاد عليها.

ويشير الاختصاصي النفسي الى أن ترحيب المجتمع المحيط بنتائج العمليات التجميلية واستحسانهم لها يزيد من نسبة التقليد والإقبال عليها، لهذا تنتشر في الفئات الشبابية بشكل أكبر بسبب سهولة تأثر هذه الفئات العمرية بالمؤثرات الخارجية بشكل أسرع.

ويقترح الدكتور وائل لزيادة نسبة الوعي في المجتمع طرح مادة “علم الجمال” لتدريسها بالمدارس لتعريف الشباب بمعنى الجمال الحقيقي وأن درجته نسبية تختلف من مجتمع لآخر ولا يقتصر على المظهر الخارجي فقط إنما تحكمه العديد من الجوانب الثقافية وفنون التواصل مع المجتمع.

مؤشر خطير

ويبين الداعية الشيخ ثابت القحطاني أن اللجوء لعمليات التجميل للأشحاص الذين يعانون من تشوهات نتيجة أمراض جلدية أو تشوهات ناجمة عن حوادث امر مباح.

ويتابع: إن ما يحدث من تهافت البعض على عيادات التجميل وجعل الاهتمام بمظهرهم الخارجي في مقدمة أولوياتهم هو مؤشر خطير للجهل بالأحكام الشرعية وحرمة التغيير في خلق الله، ويضيف: ان الدافع الرئيسي لانتشار هذه العمليات هو ضعف النفوس أمام شياطين الإنس والجن واتباع الهوى، ان الانسان يحشر مع من تشبه به لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من تشبه بقوم فهو منهم، ومن أحب قوما حشر معهم”.

غزو ثقافي

ويرى الشيخ القحطاني أن عدم معرفة الشباب حرمة ما يقدمون عليه من أحد الأسباب التي نجم عنها الاقبال على التجميل والتغير في خلق الله، ويشير الى أن الفراغ الذي يعاني من الشباب وعدم انشغالهم بما ينفع أمتهم يسهم بشكل كبير في انتشار مثل هذه الظواهر، بالإضافة إلى أن البيئة التي يعيش فيها تنعكس بشكل مباشر على سلوكياته وتمسكه بمبادئ الإسلام، ويتابع: أن بعض الشباب لا تتاح لهم بيئة صالحة تساعدهم على حفظ القرآن ومعرفة قواعد دينهم، وفي ظل الانفتاح الذي أصبحنا نعيشه والغزو الثقافي لعقول الشباب وحب التقليد لهذه الثقافات فإن الشباب ينساق لمثل هذه الممارسات.

وينصح القحطاني الذين يقدمون على عمليات التجميل بتقوى الله واستغلال أنعم الله عليهم في ماينفع الأمة، مشيرا إلى جراح الأمة في بقاع الأرض المختلفة ونزيفها الذي يحتاج لسواعد الشباب لتضمده، مضيفا أنهم يأثمون بتغيير خلق الله، ويجب أن يرفض الأطباء مشاركتهم في المعصية ويقنعوهم بأن هذه العمليات للضرورات التي تتطلب تدخلا جراحيا، ويجب الا يعرضا صحتهم التي منحها الله لهم وان يرضوا بما خلقهم الله عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى