معهد واشنطن: العنف في الضفة الغربية وصواريخ غزة يمكنها أن تشعل صراعاً أوسع نطاقاً
نادراً ما تكون عمليات السلام عمليات سلمية، ولا تشكل الجهود الحالية التي تقودها الولايات المتحدة للوصول إلى “اتفاق إطاري” بين الإسرائيليين والفلسطينيين استثناءً من ذلك. ومع تسارع وتيرة المفاوضات بين الأطراف الرئيسية، ظهرت مجدداً الجهات الفاعلة الأكثر تطرفاً للاعتراض بعنف على هذه العملية، بدءاً من «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» و«لجان المقاومة الشعبية»، وإلى الجماعات الجهادية السلفية، وفصائل ماركسية مثل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».
لقد ركّز العديد من المراقبين على الزيادة الحادة في أعداد الصواريخ التي أُطلقت على إسرائيل من غزة في الأسابيع القليلة الماضية واحتمال نشوب حرب أخرى مع غزة. لكن تلك المسألة على أهميتها جذبت انتباه الإعلام بعيداً عن اتجاهين على نفس القدر من الإزعاج وهما: الزيادة في أعمال العنف في مختلف أنحاء الضفة الغربية، والمؤشرات الجديدة على أن بعض المسؤولين من السلطة الفلسطينية وحزبها الرائد حركة «فتح»، ربما يؤمِّنون رهاناتهم ويعدون العدة للقيام بأعمال عنف أوسع نطاقاً في حال فشل عملية السلام.
عدم الاستقرار في الضفة الغربية
يثير نمو العنف في الضفة الغربية في الأشهر الأخيرة العديد من المخاوف. أولاً، بينما تراجع عدد الوفيات الإجمالي في صفوف الإسرائيليين جراء الهجمات الإرهابية بين 2012 و 2013، لم تُشن أي من الهجمات القاتلة في 2012 من الضفة الغربية. إلا أن هذا الوضع قد تغير في 2013، حيث وقع خمسة من بين ستة ضحايا إسرائيليين في ذلك العام نتيجة لهجمات منشؤها الضفة الغربية. ثانياً، تتفق المصادر الإسرائيلية والفلسطينية على أن قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية كانت ضعيفة في مواجهة الاضطرابات الأخيرة. لقد أصبح المقيمون في معسكرات اللاجئين في الضفة الغربية على وجه الخصوص أكثر عدائية، كما أن السلطة الفلسطينية آخذة في التراجع جراء ذلك. وقد تحملت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي بعض العبء – حيث ارتفع عدد الاعتقالات في الضفة الغربية على يد قوات جيش الدفاع الإسرائيلي بمعدل الثلث في الفترة بين 2012 و 2013. غير أنه مع تكثيف نشاط العنف، سوف تزداد احتمالية شن هجمات ناجحة.
لقد ساهم عدد من العوامل في تدهور الوضع الأمني فقد تعرضت السلطة الفلسطينية لضربة قوية من جراء استقالة رئيس الوزراء سلام فياض في نيسان/أبريل 2013، كما تواجه الأراضي الفلسطينية أزمات اقتصادية حادة. وفي الوقت نفسه، يبدو أن «حماس» تعمل على توسيع نطاق تواجدها في الضفة الغربية من معقلها في غزة. فقد تحدث عدد من التقارير الأخيرة عن وجود العديد من أعضاء الجماعة في الضفة الغربية، وهؤلاء أعربوا عن عزمهم الاستفادة من تراجع إمكانيات السلطة الفلسطينية. وفي كانون الثاني/يناير، على سبيل المثال، ذكرت تقارير صحفية أن إسرائيل اعتقلت ستة عشر رجلاً في القدس خلال الأسابيع القليلة السابقة، للاشتباه في إدارتهم لمقر تابع لـ «حماس» في المدينة. كما تحدث خبر صحفي في شباط/فبراير عن تنفيذ خمسة عشر اعتقالاً في الضفة الغربية تتعلق بوقوع تفجيرات وهجمات صاروخية على سيارات إسرائيلية. وفي الأسبوع الثاني من آذار/مارس الحالي، جرى القبض على عميل لـ «حماس» في القدس الشرقية للاشتباه في قطعه أنابيب الغاز في مبانٍ سكنية كجزء من حملة إرهابية مكونة من شخص واحد.
ومما لا يثير الدهشة أن هذه المستجدات قد دفعت بعض مسؤولي «فتح» إلى تأمين رهاناتهم من خلال غض الطرف عند وقوع حوادث معينة أو التحذير علانية من وقوع المزيد من أعمال العنف في المستقبل. على سبيل المثال، خلال صلاة أقيمت في كانون الثاني/يناير في جنين لإحياء ذكرى أحد عملاء «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين»، حضر عضو من من «كتائب عز الدين القسام» – “الجناح” العسكري لـ حركة «حماس» – بزيه العسكري الكامل رغم حظر السلطة الفلسطينية لمثل هذه الاستعراضات. ومع ذلك، فبدلاً من اعتقاله، كان محاطاً بأعضاء من «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» ومن «كتائب شهداء الأقصى» – الجناح العسكري الخاص لـ حركة «فتح». وفي ذلك الشهر نفسه، أيّد عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» توفيق الطيراوي استئناف المقاومة المسلحة ضد إسرائيل أثناء مقابلة أجراها مع وسائل الإعلام اللبنانية. وقد ذكرت صحيفة “تايمز أوف إيزرائيل” (“أوقات إسرائيل”)، في توضيحها لتصريحاته، بأنه أعلن “نحن، جميع الفصائل الفلسطينية، ينبغي علينا العودة إلى دائرة العمل… يجب أن يكون هناك شيء على أرض الواقع أيضاً…فالانفجار الكبير في فلسطين قادم. لقد وضعت جميع الإجراءات الإسرائيلية الشعب الفلسطيني تحت ضغوط كثيفة وليس لهذا الشعب أي خيار سوى الإنفجار في مواجهة الاحتلال”.
التصعيد من غزة
ألقى القادة الفلسطينيون اللوم على إسرائيل جراء أعمال التصعيد التي بدأت في الأسبوع الثاني من آذار/مارس الحالي، والتي تم خلالها إطلاق نحو ثمانين صاروخاً من غزة في غضون ثلاثة أيام. لكن حتى قبل تلك الموجة من الهجمات، تحدثت التقارير عن إطلاق مقاتلي غزة ثمانية وعشرين صاروخاً باتجاه جنوب إسرائيل منذ بداية العام الحالي، كانت عشرين منها في الأسابيع الثلاثة الأولى من كانون الثاني/يناير وحده – مقارنة بحوالي أربعين صاروخاً في عام 2013 كله. وقد تم توجيه خمسة من تلك الصواريخ نحو مدينة عسقلان إلا أنها اعتُرضت من قبل نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي – “القبة الحديدية”. وفي 13 كانون الثاني/يناير تم إطلاق العديد من الصواريخ الأخرى باتجاه مراسم تشييع جنازة رئيس الوزراء السابق أريئيل شارون. وفي كلتا الحالتين – الهجمات التي استهدفت مركز سكاني إسرائيلي كبير وتلك التي وُجهت نحو مراسم التشييع الرسمية للجنازة التي شاركت فيها العديد من كبار الشخصيات الأجنبية – خاطرت «حماس» بقيام إسرائيل بشن عملية انتقامية ضخمة لو أصاب أياً من تلك الصواريخ أهدافه المقصودة، بغض النظر إن كانت «حماس» هي التي أطلقتها أم سمحت لآخرين بالقيام بذلك. وقد أعلنت الحركة أيضاً أنها أجرت تجربة لإطلاق صاروخ مضاد للطائرات في منتصف كانون الثاني/يناير، على الرغم من أنه قد أخطأ هدفه ولم تقُم وسائل الإعلام الإسرائيلية بالإبلاغ عن الحادث.
لقد سمحت «حماس» بتصعيد الوضع في غزة بسبب الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها. فقد كانت الإطاحة بحكومة مرسي – داعمة رئيسية لـ حركة «حماس» – في مصر في تموز/يوليو 2013 بمثابة كارثة بالنسبة للحركة. كما أن قمع القاهرة اللاحق لـ جماعة «الإخوان المسلمين» كان موجهاً أيضاً نحو «حماس»، الأمر الذي أدى إلى قيام الجيش المصري بإغلاق معظم الأنفاق إلى غزة. وفي الأسبوع الماضي، تردد أن القاهرة تجاوزت «حماس» وتفاوضت مباشرة مع «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» حول التوصل إلى هدنة بعد شن وابل من الهجمات الصاروخية على إسرائيل.
وفي ظل عدم قدرتها على فرض ضرائب على البضائع المتدفقة عبر الأنفاق من مصر، وافتقارها إلى أي دعم كبير من إيران، تواجه «حماس» أيضاً أزمة مالية حادة. فقد تحدثت بعض التقارير عن موافقة قيادة الحركة على ميزانية تغطي 25 في المائة من النفقات المتوقعة في غزة. ومن ثم، فإن الإقدام على مواجهة عسكرية كبرى مع إسرائيل لا يصب في مصلحة «حماس» في الوقت الراهن – فقد كان الهدف الرئيسي للحركة في الآونة الأخيرة هو البقاء في السلطة، وليس فتح صراع جديد. وعقب هجمات إسرائيل الانتقامية في كانون الثاني/يناير، على سبيل المثال، تحدثت التقارير عن أن قادة «حماس» العسكريين أرادوا الرد بالمثل، لكن الزعماء السياسيين للحركة قصّروا ردهم على إعادة الانتشار المؤقت لقوات الوقاية الصاروخية بعيداً عن الحدود، وذلك في أوائل شباط/فبراير.
ورغم ذلك، تواصل «حماس» في وضع الأُسس لخوض معركة مستقبلية مع إسرائيل. فبالإضافة إلى إنتاجها الثابت للأسلحة، تستمر في جهودها لإحداث تحولات راديكالية دون توقف، وقد أبرزت ذلك ملاحظات مسؤولي «حماس» إلى جمهور مكون من آلاف المشاركين حضروا حفل التخرج لمعسكر شباب “تعليم المجاهدين” في 13 كانون الثاني/يناير. وفي ذلك الحفل قال وزير الداخلية فتحي حماد، “هذا الجيل هم غرس الله في الأرض الذين سيحصدون أعداء الله ولتتباهى بهم الأمم”، وتوقع بأن “هذا الجيل سوف يبيد إسرائيل، إن شاء الله”.
وفي الوقت نفسه، أفادت الضغوط المتزايدة على «حماس» الجماعات الأصغر والأكثر تشدداً التي لا تكبلها قيود السلطة وتتلقى المحفزات المالية من إيران لمواصلة قصف إسرائيل. وقد أفادت التقارير أن بعض الفصائل تتلقى آلاف الدولارات من إيران عن كل صاروخ يتم إطلاقه على إسرائيل. ولم تكن «حماس» هي التي أطلقت أحدث وابل من الصواريخ، بل أن «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» هي التي قامت بذلك، في حين أطلقت جماعات أخرى مثل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وفصائل جهادية سلفية قذائف الهاون الثقيلة أو صواريخ “القسام” و “غراد” قصيرة المدى. وعلاوة على ذلك، تشير الأدلة إلى أن الأسلحة الإيرانية التي تم الإستيلاء عليها على متن سفينة التهريب “كلوس سي” في وقت سابق من هذا الشهر كانت موجهة في المقام الأول إلى «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين»، وليس لـ «حماس».
الخاتمة
كان المقصود من اجتماع الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع الرئيس أوباما في البيت الأبيض في السابع عشر من آذار/مارس الحالي هو إثارة الدعم لعملية السلام بين الفلسطينيين ووجود الشعور الملح بين جميع الأطراف. وليس هناك ما يضمن التوصل إلى اتفاق في غضون الفترة الزمنية الحالية. بيد، إن الرجوع إلى الصراع المسلح – من قبل «فتح» أو «حماس»، أو غيرهما – سيكون كارثة بالنسبة للفلسطينيين، وسيولّد نفس القدر من الإحباط الناجم عن عدم التقدم الحالي. وحتى بعيداً عن الانتكاسة الدبلوماسية والخسائر المحتملة في الأرواح، فإن قيام صراع مسلح أوسع نطاقاً سوف يدمر الاقتصاد الفلسطيني في الوقت الذي ينشغل فيه المانحون التقليديون بالكارثة الأكثر إلحاحاً في سوريا، وأزمة أوكرانيا، والمفاوضات النووية الإيرانية.
ماثيو ليفيت هو زميل “فرومر- ويكسلر”، ومدير برنامج ستاين للاستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن.




