لم يأت اعلان الكويت الصادر…
لم يأت اعلان الكويت الصادر عن قمة الملوك والرؤساء العرب في 26 مارس/ آذار 2014، باي شيء جديد، جدي او فعال، لتنفيذ خطوات متقدمة لتحقيق التكامل الاقتصادي الذي تسعى اليه الجامعة العربية منذ انشائها في اربعينات القرن الماضي، على الرغم من سلسلة المؤشرات السلبية الناتجة عن تداعيات ثورات “الربيع العربي” وما احدثته من حالة عدم استقرار امني وسياسي وتراجع اقتصادي وتدهور اجتماعي ومعيشي.
تغير الواقع العربي كثيراً عما كان عليه قبل ثلاث سنوات، واسفر هذا التحول الجاري عن مراحل انتقالية اقتصادية صعبة شملت دول التحول من تونس الى مصر وليبيا واليمن وسوريا، كما شملت التداعيات دولاً اخرى مثل لبنان والاردن وغيرها، فيما اخذ الاقتصاد السوداني يعاني من فقدانه لمعظم ثرواته من النفط بعد انفصال الجنوب عنه، حتى أصبحت البلاد العربية بحاجة ماسة الى تشكيل صندوق طوارئ لإنقاذ الدول التي تعاني، على غرار الصندوق الذي انشأه الاتحاد الاوروبي فور تصدع اقتصاديات الدول الاوروبية من جراء ازمة الديون السيادية لمنطقة اليورو، والذي بدأ برأسمال قدره 200 مليار يورو ليتجاوز الآن تريليون يورو.
ولكن بدلاً من ذلك، ماذا اعلن الرؤساء والملوك العرب اقصاديا في ختام قمة الكويت؟..
لقد جاء في اعلان الكويت الصادر عن القمة ثلاث فقرات وملخصها:
اولاً: نؤكد على دعمنا للتضامن العربي، واعتماد العمل الاقتصادي الاجتماعي المشترك بوصفه الركيزة الأساسية للتعاون العربي من خلال زيادة الترابط في الهياكل الإنتاجية في الوطن العربي، بما يضمن التحول التدريجي للاقتصادات العربية إلى اقتصادات تنافسية على مستوى العالم، وتطوير الاقتصادات العربية لا سيما الإنتاجية منها واقتصادات المعرفة.
ثانياً: نجدد التزامنا بالعمل على ضمان استدامة النمو الاقتصادي وتنويع مصادره، بما يحقق التقدم المضطرد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل، من خلال إعطاء الأولوية لاستراتيجيات التنمية الصناعية والزراعية لتحقيق أهداف التنمية الشاملة، بما في ذلك توسيع مشاركة المرأة في القوة العاملة، وتوسيع قدرة الصناعات المتوسطة والصغيرة الداعمة لقطاعات البترول والغاز ومرافق البنية الأساسية والسياحة والتعمير.
ثالثاً: نطالب المؤسسات المعنية في الحكومات العربية، بالعمل على زيادة التبادل التجاري بين الدول العربية من خلال التكامل بين الاقتصادات العربية، والالتزام بتنفيذ الاتفاقيات المبرمة بين الدول العربية، وخاصة منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى والاتحاد الجمركي، وصولا إلى السوق العربية المشتركة، وذلك من خلال إيجاد الآليات ذات المصداقية لتسوية النزاعات، والعمل على إزالة الحواجز التجارية غير الجمركية، وخفض تكاليف المعاملات لاسيما تكاليف النقل، وإنهاء البيروقراطية في التعامل التجاري، ووضع الحلول لأزمة البنية الأساسية والقيود على القدرات.
تحديات التنفيذ
لا شك في ان الموضوع لا يتعلق بالاماني، وانما بالرؤية للاصلاح والاليات القديرة والفعالة لمواكبة تحديات المرحلة المفصلية التي يمر بها العالم العربي، الى جانب تحديات التنمية المشتركة، وتحديات القيام بخطوات عملية للشراكة الفعلية مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، والتي تخرجنا من مضاعفات الفقر والبطالة والتهميش الى مسار جديد من التنمية والتكامل الاقتصادي والاجتماعي، خصوصاً واننا نعيش وسط عالم عربي جديد يتشكل، والاقتصاد هو هاجسه الاساسي.
كما ان تنفيذ القرارات على ارض الواقع يحتاج الى ما هو اكثر من الكلام، من اليات للتكامل، وامكانيات فنية ومادية للتنفيذ، ومن مستوى من القدرة والتمكن والخبرة العالية للقيادة والمبادرة، مقارنة مع الاداء الحالي لمنظومة العمل الاقتصادي العربي المشترك وآلياتها التي تقتصر وظيفتها على التنسيق في احسن الاحوال.
ثم ان الاصلاح الحقيقي يتطلب اعادة النظر في دور القمة نفسها، والتي يجب ان تكون آلية للتعامل المباشر والفعال مع المشكلات الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد العربية، ابتداء من انعكاسات الازمة الاقتصادية والمالية العالمية، ومن تداعيات المتغيرات والتحولات التاريخية الاساسية التي مرت وتمر بها عدة دول عربية.
سبق ان اتخذت سلسلة قرارات في قمم عربية متعددة، ومنها ثلاث قمم اقتصادية، كان آخرها قمة الرياض في كانون الثاني (يناير) 2013، والتي وضعت سقفاً زمنياً لاستكمال متطلبات منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى بنهاية العام 2013، واستكمال متطلبات الاتحاد الجمركي بحلول عام 2015، ولكنها لم تحدد كيفية تجاوز العقبات التي تعترض ذلك، خصوصا وان العديد من الاجتماعات قد عقدت منذ التاريخ الافتراضي لاكتمال المنطقة في عام 2005 من اجل تذليلها من دون اي طائل، كما شكلت لجان لهذه الغاية من دون ان تتوصل الى اية نتيجة.
ولا تزال منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والمسار الذي يستكمل التحرير التجاري، يفتقر الى وجود آلية للتعويضات عن الخسائر وللتأهيل للتكامل والاندماج، خصوصاً مع التفاوت بين الدول العربية في مستويات النمو وفي قدراتها المالية والاقتصادية، اضافة الى التفاوت في النظم الاقتصادية والتجارية.
ورغم مرور اكثر من 15 عاما على بدء تنفيذ منطقة التجارة الحرة في عام 1998، لم تستطع الدول العربية ان تحقق تقدماً ملموساً في تكاملها الاقليمي التجاري، والذي من شأنه ان يشجع على استقطاب رؤوس الاموال الدولية، خصوصاً وان الاسواق الاقليمية المتكاملة تجارياً اصبحت اليوم نقطة استقطاب رئيسية للتدفقات الاستثمارية الدولية.
وكذلك، على الرغم من التقدم الذي احرزته بعض الدول العربية في مجال بناء مزاياها التنافسية، فان نصيب المنطقة العربية من اجمالي التجارة الدولية بقي هامشيا لاكثر من عشرين عاما ليتراوح بين 2 و 3 في المئة في احسن الاحوال.
وتتوقع تقارير عدة ان تشهد السنوات المقبلة مزيداً من التحولات في التجارة الدولية، فيما سيستمر العالم العربي بالسير عكس الاتجاه العالمي، ليبقى من اقل الاقاليم التجارية تكاملاً، وذلك في ظل استمرار تواضع القواعد الانتاجية والتصديرية، وضعف كفاءة التجارة، مع العلم ان الحجم النسبي للتجارة العربية يعتبر ضئيلاً جداً بالمقاييس العالمية، حيث يقل اجمالي ما تصدره الدول العربية من السلع والمنتجات غير النفطية، عن صادرات دولة اوروبية واحدة مثل فرنسا، فيما التجارة البينية لا تزال في حدود 10 في المئة من اجمالي التجارة الخارجية.
صندوق تمويل المشاريع
وفي مجال الحديث عن انشاء صندوق طوارئ للانقاذ الاقتصادي، يمكن الاشارة الى اهمية المبادرة التي سبق ان اطلقها امير دولة الكويت في القمة الاقتصادية الاولى في مطلع العام 2009، بانشاء حساب خاص لدى الصندوق العربي لتمويل مشروعات القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة، وقد رحبت القمة في ذلك الوقت ببدء نشاط هذا الحساب، ووصل عدد الدول المنضمة الى المبادرة الى 16 دولة، وبلغت المساهمات المعلن عنها 1.2 مليار دولار من اصل ملياري دولار حجم رأس المال الاجمالي، ولكن المبالغ التي سددت اقل من ذلك بكثير، وتشير بعض التقارير الى انها لم تتجاوز الـ 700 مليون دولار.
كذلك يمكن الاشارة ايضا الى مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، ووافقت عليها قمة الرياض الاقتصادية في كانون الثاني (يناير) 2013، وتقضي بزيادة رؤوس أموال صناديق التنمية العربية المشتركة، وكذلك الشركات العربية المشتركة بنسبة 50 في المئة كحد ادنى لمواكبة الاحتياجات التنموية الاقتصادية والاجتماعية، ومن شأن هذا القرار ان يوسع دور هذه المؤسسات في عمليات اقراض مشروعات التنمية في الدول العربية، كما سيتيح للشركات المعنية توسيع عملياتها الانتاجية، نظراً لأنه يعني زيادة مباشرة لامكانيات تمويل مشروعات التنمية في العالم العربي بنحو 10 مليارات دولار، بما يمكن ان يكون له انعكاسات غير مباشرة على قدرات التمويل التنموية للدول العربية بثلاث اضعاف هذه القيمة.
ولكن تقييم التأثيرات الفعلية لهذا القرار يتطلب النظر في امرين اساسيين. الاول يتعلق بمدى قصور رؤوس المال الحالية لهذه المؤسسات، وهل فعلا تعاني صناديق التنمية العربية نقصاً في رؤوس اموالها؟.. وماذا عن واقع ان هذه الصناديق تعاني من تشتت امكانياتها التمويلية بسبب تعددها، بما يؤدي في الكثير من الاحيان الى ازدواجية ادوارها، ويؤثر على كفاءة عملها وعلى تقليص قدرتها على مواكبة الاولويات التنموية الحقيقية للبلاد العربية.
أما الامر الثاني، فهو يتعلق بانعكاسات القرار على الشركات العربية المشتركة المملوكة بشكل اساسي من الدول العربية. فالواضح ان الزيادة ستوفر طاقة هامة للشركات الناجحة لتوسيع استثماراتها وتعزيز ملاءتها. اما بالنسبة لغيرها من الشركات، فيبقى الامر دعاة للتساؤل.
ولذلك لا يزال تنفيذ هذه المبادرة قيد الدرس لتحديد اهدافها والاستفادة منها.