شموع الموت في غـزة تطفئ نــور الرضيعتين “ملك وغنَى”

في كل مرة سيرتفع فيها رنين هاتفه…

في كل مرة سيرتفع فيها رنين هاتفه المحمول، سيدخل الغزّي “فتحي شيخ العيد”، في نوبة طويلة من النحيب، وستنحدر دموعا ساخنة من عينيّه.

فهاتفه الحديث لم يعد مجرد آلة، بل ذاكرة تضم صورا ومقاطعا لطفلتين رضيعتين، أطفأت “شمعة” نور حياتهما، وأيامهما، بعد أن التهمت النيران جسديّهما الغض، وأحالتهما إلى جثتين متفحمتين.

وأعلنت وزارة الصحة بغزة أمس عن أن طفلتين شقيقتين توفيتا وأصيب أربعة من الأسرة نفسها في حريق اندلع في منزلهم في رفح جنوب قطاع غزة بسبب شمعة إنارة، خلال انقطاع التيار الكهربائي.

وقالت إن الطفلتين الشقيقتين ملك (عامان)، وغنى (عام)، فتحي شيخ العيد، لقيتا حتفهما على الفور، فيما أصيبت شقيقتيهما ندى وشهد بحروق بالغة، ووصفت جراح الوالد بالمتوسطة، والأم بالطفيفة.

وعقب الناطق باسم الوزارة، الطبيب أشرف القدرة، في بيان صحفي على الحادث قائلا:” المجتمع الدولي والقمة العربية من يتحمل مسئولية وفاة الطفلتين (..) هذه جزء من الفاتورة اليومية الذي يدفعها شعبنا المحاصر يومياً، فمن لم يمت بشمعة, مات بصعقة كهربائية أثناء تشغيل المولد الكهربائي، أو يموت وهو ينتظر السفر للعلاج في مصر.. تعددت الأسباب والقاتل واحد…”.

ولم يأتِ الحريق على الطفلتين فحسب، بل التهم ملابسهما الصغيرة، وأثاث غرفتهما وألعابهما، وكل ما يتعلق بذاكرة طفـولتهما التي لم تتجاوز العامين.

ويضم الأب المكلوم إلى صدره هاتفه بحنين، كما لو أنه يضم ” ملك” و”غنّى”، دون أن يستوعب بعد صدمة رحيلهما وغيابهما إلى الأبد.

ويسأل الأب بحرقة ومرارة عن ملاكه الغائب “ملاك”، وأغنيّته “غنى”، ويقول لوكالة “الأناضول”:” ما ذنب هذه البراءة والطفولة أن تحترق وتموت؟ ولماذا تدفعا ثمن الحصار الظالم المفروض على غزة؟”.

وتعيد مأساة حريق الطفلتين إلى الأذهان معاناة سكان قطاع غزة، من انقطاع الكهرباء وما تسببه الوسائل البدائية في إنارة المنازل من حرائق، ومآسٍ تكبر أرقامها يوما بعد يوم.

ويعاني قطاع غزة منذ 7 سنوات من أزمة كهرباء كبيرة، بدأت عقب قصف إسرائيل لمحطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع منتصف عام 2006.

ويعيش سكان القطاع، وفق جدول توزيع يومي بواقع 8 ساعات وصل للكهرباء و8 ساعات قطع.

وتتسبب الوسائل التي يستخدمها الفلسطينيون في إنارة منازلهم خلال فترة انقطاع الكهرباء بالعديد من الحرائق و”المآسي” الإنسانية.

وكان من أكثر تلك الحوادث صدمة، هي وفاة أسرة فلسطينية كاملة مكونة من 6 أشخاص، هم الأب والأم، وأطفالهما الأربعة في مدينة غزة، نتيجة حريق تسببت به “شمعة” كانوا يستخدمونها في إنارة المنزل نهاية شهر يناير/كانون ثاني 2013.

ويبكي الأب “شيخ العيد”، رحيل طفلتين كانتا نور المنزل وربيعه كما يصف، ويمضي بألم:” طلبوا مني قبل الذهاب إلى نومهم بعض الحلوى والبسكويت، كما أفعل دوما، وقبلّتهم وذهبوا إلى النوم، ولم أكنّ أدري أن هذه هي قبلات الوداع″.

ونتيجة انقطاع التيار الكهربائي أشعلت والدتهما الشمعة في غرفتهما، ووضعتها في صحن زجاجي، ويبدو -كما يقول الأب-أن الشمعة سقطت من الصحن على الأغطية واشتعلت النيران داخل غرفة الأطفال.

وعلى الفور بدأت النيران في التهام ما تجده أمامها من أغطية وأثاث، ليندلع الصراخ في أرجاء المنزل، وبعد أن شاهد الجيران الدخان يخرج من نوافذ المنزل، توجهوا مسرعين لإنقاذ الأسرة، وإخماد الحريق.

ويصمت الأب لحظات ليتذكر بألم لحظة دخوله إلى غرفة أطفاله الخمسة، وعدم تمكنه من الدخول لكثرة تصاعد النيران وكثافة الدخان.

وهناك سمع “فتحي شيخ العيد” صوت الموت كما يقول، وأصيب وهو ينقذ صغاره بجروح متوسطة، كما أصيبت والدتهم بحروق، وصدمـة نفسية.

وأصابت النيران ندى (6 أعوام) وشهد (10 أعوام) بجراح بالغة، أما شقيقهم محمد (8 أعوام) فأصيب بجراح متوسطة.

ويقول أحد الجيران لوكالة “الأناضول” إنه سمع الطفل “محمد” وهو يصرخ :” ماما ماما (أمي) ..الغرفة “انحرقت”، أخواتي ماتوا “.

ولا يبكي الأب على منزل بات ركاما, وأسود اللون بعد أن التهمت النيران مساحته التي لا تتعدى الـ”70″ مترا، بل يبكي بحرقة غياب ضحكات “ملك وغنى”.

ولم تترك شمعة الموت أي ذكرى للطفلتين، إذ التهمت ملابسهما وفراشهما، وأحلامهما كما يؤكد، غير أن ذاكرة هاتفه التي تحتفظ بصور الرضيعتين ستبقى في كل مرة تنكأ جراحه وذاكرته.

ويستدرك بألم:” لن ألتقط لهم بعد اليوم صورا، ولن أسجل لهم مقاطع فيديو وهم يضحكون ويلعبون، لن يكبروا بعد اليوم، لقد خطفتهم الشمعة، وغيبّهم الحصار”.

ولا يريد الأب سوى أن يتوقف هذا الموت، وألا تحصد تداعيات الحصار المزيد من أرواح الصغار الأبرياء.

وتصف إحدى قريبات العائلة المشهد بـ”المهول والقاسي جدا”، فأجساد الطفلتين كانتا كما تؤكد محترقة تماما ومتفحمة.

وتقول لوكالة “الأناضول” إن أثاث المنزل دمر بالكامل، ولم تترك النيران شيئا إلا وأتت عليه، وتمنت لو أن شمع الحصار ينطفئ إلى الأبد.

ويخضع قطاع غزة لحصار فرضته إسرائيل منذ فوز حركة “حماس″ في الانتخابات التشريعية عام 2006 وشددته عقب سيطرة الحركة على قطاع غزة في صيف العام 2007.

ويعيش قرابة مليوني واقعا اقتصاديا وإنسانيا صعبا، في ظل تشديد الحصار الإسرائيلي  والمتزامن مع إغلاق الأنفاق الحدودية من قبل السلطات المصرية.

 

Exit mobile version