إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

يسير في كل جنازة ضاحكا ويذهب إلى كل عرس دامع العينين!

موت الدهشة

لو رأينا الأطفال المقتولين يهجرون قبورهم ويسيرون في مظاهرة تتظاهر بالابتهاج باستيلاء قاتلهم على رئاسة بلادهم الإستيلاء الثالث لما دهشنا، ولزعمنا أن الحرب خدعة وكـرّ وفـرّ. 

لو رأينا الجنة خاوية مقفرة وجهنم يزدحم على أبوابها الراغبون في دخولها والإقامة بها لما دهشنا، فكثيرون يشمئزون من النور ويهربون منه مفضلين الظلمة.

لو رأينا الرايات البيض تستحيل أكفاناً لما دهشنا، فالمستسلم لعدوه يحكم على نفسه بالهلاك العاجل.

لو رأينا الثلج يتساقط أحمر اللون لما دهشنا، وحمدنا له حرصه على ألا يكذب.

لو رأينا الجلادين يمشون على أرض صلبة من جثث ضحاياهم لما دهشنا، فالمشاة ليسوا طيوراً.

لو رأينا السجانين سجناء والسجناء سجانين لما دهشنا، فكل شتاء يعقبه ربيع.

لو رأينا الحكام يفترسون شعوبهم لما دهشنا، ولتهامسنا قائلين إن الجوع كافر.

لو رأينا في المرايا أننا مجرد أشباح لما دهشنا، فما حلّ بنا تكفل بابتلاع لحمنا وعظمنا.

لو رأينا الخلفاء الراشدين الأربعة يطوفون في الشوارع السورية منكسي الرؤوس دامعي الأعين لما دهشنا، ولقلنا إن ما حلّ بأحفادهم يفتت صخر الجبال ويغريه بالنحيب والعويل.

لو رأينا سفن نوح ترسو على شواطئنا لما دهشنا، فالطوفان آت لا محالة.

المخلصون لأجدادهم

في سنة من السنين الغابرة، كان يعيش في حارة من الحارات الشعبية الدمشقية رجل غريب الطباع، وقد اتفق أهل حارته على أن عقله يملك جناحين لا يكف عن استخدامهما. 

وكان شبان الحارة كلما رغبوا في طرد الهم والغم من قلوبهم، سارعوا إلى التحلق حوله، وسألوه وهم يشيرون إلى فمه متسائلين عنه بفضول: ما هذا؟ 

فيقول فوراً: هذا أنف.

ويشيرون إلى أذنيه، فيقول: عينان. 

ويشيرون إلى بطنه، فيقول: ظهر.

ويشيرون إلى يده، فيقول: فم.

ويشيرون إلى رأسه، فيقول: قدم.

ويشيرون إلى قدمه، فيقول: رأس. 

ويشيرون إلى الشمس، فيقول: قمر.

وقد اشتهر ذلك الرجل بحرصه على السير في كل جنازة ضاحك الوجه، وقوله لأهل الميت: مبارك ما عملتم. بالرفاه والبنين. 

ويذهب إلى الأعراس بغير دعوة، ويجلس فيها مطرق الرأس، دامع العينين، ويقول لأهل العريس والعروس: لا حول ولا قوة إلا بالله. الله يعطي والله يأخذ، ولا اعتراض على مشيئته. 

وفي أيام الشتاء البارد يسير في الطرقات بثياب رقيقة، وفي أيام الصيف يرتدي دائماً معطفاً صوفياً سميكاً، وتمسك يداه مظلة سوداء مفتوحة فوق رأسه لحمايته من أمطار قد تهطل. وإذا التقى صباحاً بواحد من أهل حارته حياه قائلاً له: مساء الخير. 

يكره من يحبه، ويحب من يعاديه ويهزأ به. 

وقد شوهد يوماً موشكاً على البكاء المـرّ، فسئل عن السبب، فأجاب: كنت أظن أني مصاب بالسرطان، ولكن الطبيب لعنه الله قال لي إني لست مصاباً به. 

وغضب مرة غضباً أوشك أن ينتهي بانتضاء الخناجر لأن رجلاً قال عنه إنه أعقل شخص في الحارة. 

وتزوج ذلك الرجل، ولم يكن من أنصار تحديد النسل، فأنجب الكثير من الأبناء والأحفاد الذين صاروا جنرالات ووزراء وأدباء ومفكرين وصحافيين، وقد برهنوا دائماً على أنهم الورثاء الأمناء لجدهم الراحل يقولون عن الاستبداد إنه تطور واستقرار وأمان وحرية، ويقولون عن القتل اليومي إنه بناء لمستقبل وضاء، وإذا أرادوا التعبير عن بغضهم لحاكم ظالم تنافسوا على تقبيل قدميه. 

الرئيس يعيّن الرئيس

كل ما هو حي في بلدنا ابتهج بفوز الرئيس في الانتخابات، فقد طارت البغال في الفضاء وغردت مثلما تغرد الشحارير، وعوت الذئاب بحماسة في التظاهرات الليلية المنطلقة في الشوارع ومخادع النوم، ونظفت الضباع أنيابها بالفرشاة ومعجون كولينوس بعد التهام العديد من المعارضين متأهبة للظهور في المحطات الفضائية بغية التعبير عن فرحتها وتأييدها للقائد الأبدي، أما الأنهار، فقد سارت مياهها إلى الوراء محاولة تقليد بلدٍ يركض إلى الوراء بأقصى سرعة.

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد