إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

هل عُمان مستعدة لوداع قابوس؟

يبدو من المرجح أن السلطان قابوس بن سعيد يقترب من أيامه الأخيرة. فقد ذكرت وكالة إن بي آر، أن الزعيم البالغ من العمر 74 عاما، يخضع للعلاج في ألمانيا من مرض مزمن. وكان غيابه أكثر وضوحا هذا الأسبوع، حيث غاب عن حضور احتفالات اليوم الوطني العماني أمس، وهو اليوم الذي تم فيه تحرير السلطنة من الحكم البرتغالي في منتصف القرن الـ 17.

 

فقدان قابوس، سواء كان ذلك نتيجة لوفاته أو لانسحابه من الحياة العامة، يبدو مرجحا أكثر من أي وقت مضى مع مرور كل يوم من العلاج والغياب عن البلاد. حيث لمحت بعض الافتتاحيات بأن تمزق النظام في عمان قد يؤدي إلى “سيناريو كابوسي” مثل انضمام عمان إلى البحرين واليمن وسوريا والعراق كموقع آخر للصراع بالوكالة السعودي-الإيراني/بين السنة والشيعة.

 

في حين أن احتمال التدخل في عمان في مرحلة ما بعد قابوس من قبل جيرانها الأقوياء هو احتمال جدير بالنظر، إلا أن هذا الاستنتاج فيه تبسيط يفشل في تمثل تعقيد الواقع السياسي في سلطنة عمان. بدلا من ذلك، سيكون من الأفضل إلقاء نظرة أكثر واقعية على التحديات التي تواجه عمان بالفعل والنظر في الكيفية التي سيؤثر فقدان قابوس بها على تلك التحديات.

 

 القبضة المحكمة على السلطة

 

تولى قابوس العرش في عام 1970 بعد أن عزل والده في انقلاب غير دموي. حيث وقع الانقلاب في سياق صراع داخلي بين الحكومة -التي تتمتع بدعم من البريطانيين وشاه إيران- وبين الانفصاليين اليساريين المدعومين من مصر وجنوب اليمن، في محافظة ظفار. وحينما تولى السلطة، اكتسب قابوس ما يكفي من الدعم من حلفائه لسحق التمرد. وجاء ذلك في شكل أكثر من 1000 من القوات الإيرانية، ونشر قوات جوية خاصة بريطانية.

 

وعلى عكس والده، الذي كان يعرف بموقفه الذي ركز على الداخل، شارك قابوس بدور أكثر نشاطا في سياسات المنطقة. وأكد على علاقاته القوية مع الحلفاء الإقليميين بما في ذلك بريطانيا والإيرانيين، حتى بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979.

 

على الرغم من حفاظها على البقاء بعيدا عن الأنظار، تعد عمان فاعلا إقليميا هاما للغاية، خاصة أنها على علاقة جيدة مع كل من إيران وتحالف السعودية والغرب. فكانت سلطنة عمان هي الدولة الخليجية الوحيدة التي اعترفت باتفاق 1979 للسلام بين مصر وإسرائيل، كما لعبت دورا هاما مؤخرا في دعم محادثات مجموعة “P5+1″ حول البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك استضافة الجولة الأخيرة من المحادثات.

 

قام قابوس بعدد من الإصلاحات الهامة التي تم تصميمها لتعزيز شكل حقيقي للاستقلال الوطني العماني. وشملت تلك الإصلاحات، توسيع صناعة النفط، التي أصبحت العمود الفقري للتقدم الاقتصادي السريع في سلطنة عمان. ووفقا لمجلة بيزنس توداي، نما الناتج المحلي الإجمالي للبلاد من 256 مليون دولار في وقت الانقلاب، إلى ما يقرب من 80 مليار دولار العام الماضي. وكان الناتج الآخر من هذه الإصلاحات هو تعزيز قبضة قابوس الشخصية على السلطة. فحتى اليوم، يحكم السلطان من خلال مرسوم ملكي، ويشغل عدة مناصب عليا الحكومة.

 

إلا أن أنصار قابوس قاموا أيضا بتبني خطوات نحو التمدن، وإن كانت خطوات شكلية إلى حد كبير. وشمل ذلك انتخابات مجلس الشورى في عامي 2007 و 2011، والتي أدت إلى انتخاب أول امرأة وهي نعمة البوسعيدي. كما قاموا بتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية لمجلس القضاء الأعلى. وكانت نتيجة ذلك هو أن تمكنت عمان من اكتساب سمعة باعتبارها “الدولة البوليسية الأكثر سحرا في العالم“.

 

العومنة

 

يعد الهيكل الشامل لبرنامج التحديث في سلطنة عمان، هو خطة 2020 العمانية، التي بدأت في عام 1995. والتي تهدف لتنويع مصادر الاقتصاد بعيدا عن النفط والغاز، وزيادة نسبة المواطنين في الوظائف العامة والقطاع الخاص إلى 95 في المائة، ارتفاعا من 68 في المائة في عام 1996. ومع ذلك، فقد ثبت أن هذين الهدفين متناقضان إلى حد ما.

 

حيث زادت نسبة العمالة الأجنبية في القطاعين العام والخاص منذ عام 2009 عندما دخلت اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة حيز التنفيذ، لتصل إلى أكثر من ضعف الرقم في عام 2005. وكانت ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الأجور وتركيز الثروة بين النخب المنحازة للحكومة عوامل ساهمت في الاضطرابات الشعبية عامي 2011-2012.

 

قلق الخلافة

 

غياب خليفة واضح لقابوس هو مصدر قلق كبير بالنسبة للعمانيين. فقابوس غير متزوج وليس لديه ورثة. وبموجب النص الدستوري لعام 1996 يمنح المجلس الذي يضم أعضاء من الأسرة الحاكمة وكبار المسؤولين في الدولة، ثلاثة أيام من وفاة السلطان لاختيار خليفة له. وإذا ما فشلت هذه العملية في توفير انتقال واضح، سيتم تفعيل خطة الطوارئ. وهي تعني كما قال قابوس بنفسه في مقابلة عام 1997 إن:

 

“أما بالنسبة للخليفة، فالعملية تم نشرها في الدستور، فعندما أموت، سوف تجتمع عائلتي. وإذا لم يتمكنوا من الاتفاق على مرشح، فإن مجلس الدفاع سيقرر، استنادا إلى الاسم أو الأسماء التي اقترحها السلطان السابق. وقد كتبت بالفعل اسمين، في ترتيب تنازلي، ووضعها في مغلفات مختومة في منطقتين مختلفتين”.

 

سيناريوهات كابوسية

 

دفعت حالة عدم اليقين حول الخلافة، جنبا إلى جنب مع عدم فعالية الإصلاحات الحكومية بعض المعلقين للتحذير من أشياء مثل “السيناريوهات المرعبة” كالتوسع في الأعمال العدائية بين السنة والشيعة أو الحرب السعودية-الإيرانية داخل البلاد. بينما يرى آخرون أن المنطق الأساس القائم على الخلط بين هاتين الظاهرتين هو منطق معيب، بل إنه يحتمل أيضا أن يكون ضارا للغاية.

 

وذلك لأنه حتى لو كان من المعقول القول إن الصراع الطائفي هو نتاج حتمي لتواجد السنة والشيعة (وأنا أزعم إنه قول غير معقول)، فإن الصورة الديموغرافية في عمان تختلف عن جيرانها لدرجة أن مثل هذا “السيناريو الكابوسي” سيكون غير ذي صلة.

 

الأهم من ذلك هو أن نمط الحكم الذي يفرضه قابوس لم يكرر ذلك النوع من الاستخدام القاسي للقوة الذي تم استخدامه من قبل العديد من الأنظمة الأكثر هشاشة في المنطقة. وبعبارة أخرى؛ إذا اتبعنا تصنيف أنظمة المنطقة التي ناقشها هنري وسبرنجبورج في مجال العولمة وسياسات التنمية في الشرق الأوسط، يمكننا أن نرى أن عمان تمثل نهجا مختلفا تماما عن معظم الأنظمة الأخرى بالمنطقة. فهو لا يمثل النظام القائم من خلال الهياكل العسكرية/ الأمنية/ والحزب الذي تسيطر عليها تحالفات من أسر القادة والقبائل، هذا كما كان الحال في يمن صالح، وسوريا الأسد أو ليبيا القذافي.

 

ولا يمثل نظام “الفتوة العسكرية” الذي تميزت به الأنظمة السارقة مثل تونس زين العابدين بن علي ومصر مبارك أو منظمة التحرير الفلسطينية/السلطة الفلسطينية برئاسة عرفات. وعلاوة على ذلك، فإنه يختلف أيضا عن الملكيات المليئة بالفتنة كما في الرياض والمنامة. ووفقا لهنري وسبرنجبورج كان قابوس هو حاكم دولة مجلس التعاون الخليجي الوحيد الذي بدون عائلة صلبة وقاعدة قبلية، فقد سعي لبناء الهوية التي تمجد السلطان في نفس الوقت.

 

التحديات الحقيقية

 

بدلا من تشبيه عمان بجيرانها، فإن الأفضل فهم أن عمان تواجه عددا من الضغوط والتحديات في المدى المتوسط والقريب. وأهمها هو القلق حول قدرة الدولة على تلبية تطلعات أجيالها القادمة. وهو أمر مهم خاصة أن سلطنة عمان هي واحدة من الدول التي بها أصغر السكان في العالم، حيث إنّ 49 في المائة من السكان تقل أعمارهم عن 20 عاما.

 

في الواقع، ظهر بعض الاستياء في ذروة الانتفاضات في أنحاء المنطقة في عامي 2011-2012. وإن كان في البداية يبدو أن قابوس قد تعامل مع الاحتجاجات الشعبية بشكل حاذق من خلال زيادة إنفاق القطاع العام، وإعادة تنظيم بعض السياسيين، وحملات مكافحة الفساد، إلا أن الإحباط إزاء بطء الإصلاح ساهم في حدوث الإضرابات من قبل العاملين في شركة تنمية نفط عمان والاحتجاجات في أماكن أخرى. وواجهت السلطات ذلك  بالاعتقالات وحملة صارمة ضد حرية التعبير بما في ذلك القرصنة على حسابات وسائل الإعلام الاجتماعية الخاصة بالمثقفين المشاركين في الاحتجاجات.

 

في نهاية المطاف، نمت هذه الاحتجاجات لتصبح أكبر مظاهرات عامة منذ حرب ظفار وكان تأثير ذلك على صورة السلطان مضرًا للغاية. كما لاحظ مارك فالاري في ذلك الوقت، حيث اعتبر أن رمزية قابوس قد سقطت، وأن قداسة السلطان قابوس قد اهتزت بالربيع العماني، وهو ما اعتبره تغييرا جذريا في العلاقة بين المجتمع وقيادته.

 

بالطبع، لا شيء من هذا يعني أنه لن تكون هناك بعض الصراعات السياسية بين الجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى على عمان بعد وفاة قابوس.

 

التحديات التي تواجه عمان الآن هي حقيقية وعميقة، ولكن هناك أيضا الطبيعة العمانية الفريدة التي من المحتمل أن تكون مرتبطة بالطبيعة المتميزة للبلاد أيضا.

 

ميدل إيست مونيتور – التقرير

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد