إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

5 ملفات تفجر الخلاف بين السعودية ونظام السيسي.. تعرف عليها

ارتبطت وفاة العاهل السعودي الراحل الملك «عبد الله بن عبد العزيز» وصعود طبقة الحكم الجديدة في المملكة والإطاحة برجال الملك السابق فيما وصف بأنه «انقلاب ناعم»، بالحديث عن تغيرات في السياسة الخارجية السعودية تطال بعض الملفات الشائكة في اليمن وسوريا وربما أيضًا في مصر، ورغم أن نوايا النظام الجديد في السعودية لم توضع بعد أمام اختبار جدي يتطلب صدور تغير بارز في المواقف، إلا أن بعض الشواهد والأسباب قد تشير إلى أن حدوث تغييرات ملموسة في السياسة الخارجية السعودية صار أمرًا واردًا.

 

لا ترتبط الأمور بالشكل الحدي بالموقف من جماعة الإخوان كما هو شائع، بقدر ما يرتبط بمواقف الدولتين تجاه قضايا المنطقة والتي يبدو أنها تفترق بشكل متزايد في الأشهر الأخيرة، يحتل الصراع مع الإخوان حاليا مرتبة متأخرة في الأولويات السعودية، ما يجعل الأمور بين الطرفين قابلة للمناورة بعد أن حسمت السعودية أمرها أن عليها أن تلتفت أولًأ وبشكل أساسي نحو الخطر القادم من طهران على حدودها الشمالية والجنوبية.

 

«اليمن»: مصر تدور عكس عقارب الساعة السعودية

 

لا شيء يمكن أن يستدل به على نزيف السياسة الخارجية للمملكة في عهد الملك الراحل أوضح من اليمن. غامرت السعودية بخوض حربها ضد الإسلام السياسي وممثله «التجمع اليمني للإصلاح» في اليمن، وظنت أنها قادرة على الموازنة ودعم الرئيس «هادي» وحكومته ضد تغول جماعة الحوثي المدعومة من إيران (تشير تقارير إلى تلقي جماعة الحوثي دعمًا سعوديًا في وقت ما لمحاربة نفوذ الإخوان)، لكن النتائج جاءت مخيبة للآمال تماما، فقد خسرت السعودية كل حلفائها في اليمن، وهرب اللواء «علي محسن الأحمر» إلى الرياض بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/أيلول الماضي، واستقال الرئيس «هادي» وحكومته وسقطت اليمن بشكل شبه تام على يد جماعة الحوثي المدعومة من إيران.

 

لا يمكنك أن تعادي الإخوان وإيران في آن واحد، خصوصًا في اليمن، ربما هذا ما كشفت عنه السياسة السعودية التي قررت حسم ترددها أخيرًا بعد أن أيقنت أن حربها ضد الخطر المتوهم (الإسلام السياسي) في أعقاب ثورات الربيع العربي، قد صب بشكل مباشر في مصلحة التهديد الحقيقي (إيران)، ومن ثم أغلقت المملكة العربية سفارتها في اليمن وأعادت فتح قنوات التواصل مع غرماء طالما حاربتهم وعلى رأسها التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين)، حيث زار وفد منهم المملكة الأسبوع الماضي والتقى مسؤولين سعوديين، وفقًا لما نقله موقع «الخليح الجديد» عن مصادره(1).

 

في اليمن أيضًا، يبدو أن مصر تناور على عكس عقارب الساعة السعودية (الداعم المالي والسياسي الرئيسي للنظام المصري)، في الوقت الذي تغلق فيه السعودية ودول الخليج والولايات المتحدة والعديد من دول أوروبا سفاراتها في صنعاء في محاولة لفرض عزلة دولية على جماعة الحوثي، فإن مصر ترسل سفيرًا جديدًا إلى اليمن، يبدأ أولى مهامه باستقبال وفد من جماعة الحوثي (2)، ثم يخرج مؤكدًا على أن صنعاء هادئة وآمنة، وأنه لا مشاكل تواجه البعثات الديبلوماسية، وأنه قد آن الأوان لإقامة شراكة إستراتيجية بين مصر واليمن، في الوقت الذي يبدي الصحفي اليمني المقرب من الحوثي «عابد المهذري» في مقابلة على قناة الجزيرة(3)، تهنئته للنظام المصري على نجاح ضربته في ليبيا، دون أن ينسى التأكيد على عمق العلاقة بين الطرفين، وأن جماعة الحوثي لا يمكن أن تهدد مصالح مصر من خلال مضيق باب المندب.

 

ضد التيار: علاقات مع إيران وسوريا وحزب الله

 

في سوريا، تتبنى السعودية موقفًا حديًا بشكل ما؛ فرغم مشاركتها في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية والذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن السعودية لا تزال تتمسك بأولوية الإطاحة بنظام الأسد، وأن أي حل للقضية السورية لا بد وأن يبدأ من رحيل الأسد، وتحث السعودية الولايات المتحدة على مد المعارضة المعتدلة بالسلاح لمحاربة نظام الأسد الذي يعد المستفيد الأكبر من الحرب ضد «الدولة الإسلامية» التي أخذت أنظار العالم بعيدًا عنه.

 

على الطرف الآخر، يقف الخصم الإيراني، أبرز الداعمين لنظام الأسد والمتمسكين ببقائه. وفي الوقت الذي تستعر فيه الحرب الإقليمية بين السعودية وإيران يأتي الموقف المصري مخيبًا لآمال الحليف الخليجي، حيث أبدت القاهرة أكثر من مرة استعدادها لرعاية حوار “غير مشروط” بين الحكومة والمعارضة السورية، كما نقلت الصحف الدولية أنباء عن اتفاق مصري عراقي حول حل للأزمة السورية عبر تعايش النظام مع المعارضة السلمية!(4)، كما لم تعقب القاهرة بشأن عدة تقارير عالمية أكدت وجود اتصالات بين النظام المصري والنظام السوري بوساطة من حزب الله، بلغت مستوى الاتصال بين القصر الرئاسي في القاهرة ودمشق وفقًا للمصادر.

 

لا يعرف على وجه التحديد السبب الذي يدفع مصر إلى دعم بقاء نظام الأسد في سوريا مع ما يحمله ذلك من تكاليف سياسية على صورة النظام المصري وعلاقته بحلفائه الخليجيين، إلا أنه يبدو أن ثمة اعتقادًا راسخًا لدى النظام في مصر بأن الجيش الحر ليس سوى جناح عسكري للإخوان المسلمين، وربما يكون التقارب المصري الروسي أحد أهم الأسباب التي عززت هذا التوجه.

 

المناورة المصرية لا تتوقف على دعم النظام بسوريا، بل تتعدى ذلك إلى إقامة اتصالات مع حزب الله اللبناني (5)، أحد خصوم السعودية إلى الدرجة التي يحتفي بها الكتاب المقربون من السلطة هناك بالضربات التي توجهها إسرائيل إلى الحزب (6)،  بلغت حد الاستفادة منه كوسيط مع النظام السوري وربما إيران، على الرغم من أن تاريخ العلاقات بين مصر (نظام مبارك ومن بعده نظام مرسي) لم تكن على ما يرام، بداية من اتهام مبارك للحزب بتوريط لبنان في الحرب ضد إسرائيل عام 2006، إلى قضية خلية حزب الله الشهيرة في عام 2009، إلى موقف نظام مرسي المنحاز ضد الحزب كأحد تداعيات وقوفه إلى جانب الثورة السورية.

 

الموقف المشترك – على اختلاف الدوافع- من حركة حماس يجمع بدوره بين مصر وجناح بارز في حزب الله اللبناني(7)، ففي حين تعتبر مصر حركة حماس امتدادًا شرقيًا لجماعة الإخوان المسلمين التي صنفتها مصر كمنظمة إرهابية، في حين يعتبرها حزب الله (جناح سوريا) أحد خصوم النظام السوري ويتهمها بالتخلي عنه رغم ما قدمه لها من الدعم، حتى إن التقارير تشير إلى أن الحزب البناني يحاول استغلال نفوذه لدى إيران لمنع إعادة ترميم العلاقات بين إيران وحركة حماس.

 

لم تغفل طهران التطلعات المصرية، فأشادت عبر مصادر ديبلوماسية بالدور الذي تلعبه مصر في مكافحة الإرهاب، وأبدت دعمها لاستقرار مصر ورغبتها في أن تؤدي مصر دورًا هامًا في القضايا الإقليمية، بل ولمحت إلى استعدادها لرفع مستوى تمثيلها الديبلوماسي لدى مصر إلى درجة سفير في أي وقت (8)، بل وقالت صراحة أنها على استعداد للمشاركة في المؤتمر الاقتصادي الذي سترعاه مصر الشهر المقبل في حال قدم لها دعوة رسمية من قبل السلطة في مصر.

 

علاقات متباينة مع روسيا

 

الهوة التي تتسع تدريجيًا بين مصر والسعودية، تتسع لتشمل التوجهات الخارجية خارج إطار المنطقة؛ فالسعودية بالتأكيد غير راضية عن التقارب المصري الروسي، وتعتبر مواقف مصر تجاه اليمن وسوريا وإيران مؤخرًا أحد تجليات هذا التقارب (9)، خصوصًا في ظل وجود تحالف ضمني في المنطقة بين روسيا وإيران، في إطار محاولة روسيا للبحث عن موطئ قدم لها في المنطقة لمواجهة الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة عليها، والذي شاركت فيه السعودية بشكل ما عبر إصرارها على خفض أسعار النفط.

 

تأخذ التوترات بين السعودية وروسيا منحى أكثر علنية ووضوحًا، تتهم روسيا السعودية صراحة بالضلوع في مؤامرة ضدها بتعمد تدمير أسواق النفط، كما ترى روسيا – وفقا لجريدة المونيتور الأمريكية – أن السعودية ضالعة في مشاكل قريبة من الأراضي الروسية (10)، وأنها – السعودية –  تبحث عن حلفاء ضد إيران في دول الاتحاد السوفيتي السابق كأذربيجان المتاخمة للحدود مع إيران من جهة الشمال الغربي.

 

السعودية والإخوان والعلاقة المرتبكة

 

للمملكة والإخوان تاريخ مختلط خصوصًا في مصر، في فترة الخمسينات والستينات دعمت السعودية الإخوان المسلمين في وجه نظام «جمال عبد الناصر»(11)، تغيرت الأمور نوعًا ما عندما بدأت الجماعة تكتسب نفوذًا داخل المملكة وتطالب بالتغيير مما مثل تهديدًا لطبقة الحكم هناك، حيث سادت بين الطرفين علاقة متحفظة حاولت خلالها المملكة تحجيم نفوذ الإخوان وحصرهم بشكل ما دون أن تخوض مواجهة استئصالية ضدهم.

 

مع الربيع العربي والإطاحة بـ«مبارك»، وصعود الإخوان إلى الحكم في مصر وتونس، وتعاظم نفوذهم في اليمن وليبيا، تزايدت مخاوف الممالك والإمارات الخليجية من انتقال رياح التغيير العنيف وغير المتوقع إلى أراضيها، فتشبثت بتقديم الدعم للأنظمة السابقة، وقادت تيارات الثورات المضادة لحكم الإسلاميين، ووسعت ساحات الحرب السياسية خارج أراضيها فأطاحت بنظام الإخوان في مصر عبر تقديم الدعم للجيش، كما أجبرتهم على التنازل عن السلطة في تونس، وأخرجتهم من المشهد بخطأ إستراتيجي في اليمن، كما تكفلت الإمارات بتقديم الدعم لمناهضي الإسلاميين في ليبيا.

 

ومع انحسار موجة الربيع العربي نسبيًا وإعادة تشكيل الأنظمة القديمة، اكتشفت السعودية أنها فرت من خطر محتمل لتقع في براثن خطر حقيقي، حيث سلمت مقاليد المنطقة بالكامل لخصمها إيران، من الشمال حيث العراق ثم سوريا، إلى الجنوب في اليمن، كما فقدت المملكة جزءًا كبيرًا من رأسمالها الرمزي لدى الشعوب العربية كراعٍ للإسلام السني في مواجهة إيران والمشروع الإسلامي الشيعي(11)، وهو ما يبدو أن المملكة فطنت له في الأشهر الأخيرة من عهد الملك الراحل.

 

الخلافات العميقة بين الإخوان والسعودية لا يمكن ترميمها بسهولة، إلا أنه يبدو أن الأوضاع الحالية ستعطي للطرفين هامشًا من المناورة للتقارب بشأن بعض الملفات، من ناحية يمكن أن تستفيد المملكة شعبيًا عبر استعادة بعض من صورتها كراع للإسلام السني، وربما تعود السعودية بقوة إلى الملف الفلسطيني عبر ترميم علاقتها بحركة «حماس»، وفي اليمن يبدو أن الإخوان والسعودية مضطرون للعمل معًا لمواجهة النفوذ الحوثي، وقد يلقي الأمر بظلاله نسبيًا على مصر، ليس في صورة تغير إستراتيجي ولكن ربما تسعى المملكة لتخفيف بعض الضغوط التي يمارسها النظام على الإخوان في مصر.

 

إعادة تشكيل العلاقات بين دول مجلس التعاون

 

الاتجاه نحو إعادة السعودية تأطير علاقاتها في مجلس التعاون الخليجي غالبًا لا يصب أيضًا في صالح استقرار العلاقات بين مصر والسعودية، فدائما ما تلعب السعودية دورَ مركز الثقل في مجلس التعاون عبر ضبط الفرقاء الخليجيين ضمن الإطار العام لسياسة مجلس التعاون، كما تلعب السعودية دور ضابط الإيقاع بين الإمارتين الطموحتين، قطر والإمارات.

 

تتمتع الإمارتان الصغيرتان بفوائض مالية تدفعهما للمغامرة خارجيًا، ودائمًا ما تقع مواقفهما على طرفي النقيض (12) ، ففي حين تنحاز قطر للإسلاميين سواء في مصر أو ليبيا أو تونس أو حتى اليمن، فإن الإمارات هي الراعي السياسي والمالي لمناهضي الإسلام السياسي في المنطقة، وهي الراعي الرئيسي للانقلاب في مصر، وخلال العامين الأخيرين نجحت الإمارات بشكل كبير في التأثير على السياسة الخارجية السعودية ودفعها لمواقف مغامرة وحادّة، عبر العلاقات النافذة لولي عهد أبو ظبي «محمد بن زايد» مع الأمير «متعب بن عبد الله»، ورئيس الديوان المستبعد «خالد التويجري»، صاحبيْ النفوذ الأكبر في نظام العاهل السعودي الراحل.

 

اتخذت السعودية مواقف حادة تجاه قطر، ومنحازة لرؤية الإمارات في عهد الملك الراحل بلغت حد سحب السفراء الخليجيين من قطر في مارس الماضي، ومع قدوم الملك «سلمان» وطبقة حكمه، تبدو الأمور تسير في اتجاه مغاير؛ فهناك حالة خصومة بين ولي ولي العهد السعودي وأحد أبرز رموز العهد الجديد «محمد بن نايف» وبين ولي عهد أبو ظبي «محمد بن زايد» (13)، وقد استهل «بن نايف» جولاته الخارجية بعد توليه مهامه الجددية بزيارة قطر الأسبوع الماضي في إشارة لا تخلو من دلالة. في ذات السياق تشير الأريحية التي تتمتع بها السياسة القطرية في الأسابيع الأخيرة إلى ذلك بوضوح، بداية من دفاع وزير خارجيتها «خالد العطية» عن حركة «حماس» (14)، إلى تحفظها على الضربة العسكرية المصرية لليبيا في الجامعة العربية، وما حظيت به من دعم خليجي بعد اتهام مصر لها بدعم الإرهاب (15)، رغم إصدار مجلس التعاون تصريحًا أكثر اتزانًا فيما بعد.

 

خاتمة وخلاصة

يبدو حاليًأ أن ما يفرق بين مصر والسعودية على مستوى أولويات السياسة الخارجية أكثر مما يجمعهما، والهوة مرشحة للاتساع بشكل كبير، لا يتمحور الخلاف بشكل أساسي حول دعم الإخوان من عدمه كما هو السائد في التغطيات الإعلامية، بقدر ما يتعلق باتخاذ مصر مواقف أقل تناغمًا مع الأولويات السعودية في قضايا مصيرية مدفوعة ربما بالرغبة في التحرر من ربقة الدعم الخليجي، والمناورة لكسب ثقة واعتراف قوى إقليمية ودولية في ظل التردد الأمريكي تجاهها.

 

لا تحمل مصر نفس المخاوف التي تحملها السعودية تجاه إيران؛ ما يجعلها تتخذ مواقف مختلفة في اليمن وسوريا، وهذا ما يقلق السعوديين. من ناحية فإن التحالف المصري الخليجي مرتبط بالإمارات أكثر من ارتباطه بالسعودية، ومع اتجاه السعودية لاتخاذ سياسات مغايرة للإمارات بشكل ما، ومع رغبتها في إعطاء هامش أكبر للمناورات القطرية،  فإن ذلك سينعكس بالضرورة على العلاقة مع مصر، لن تتعلق الأمور بتغييرات حادة ومفاجئة، وستظل السعودية على دعمها للنظام في مصر، ولكن بشكل أقل حدة وأقل عداء تجاه خصومه، ومع مساحة أكبر للمناورة مع جماعة الإخوان. وربما تربط السعودية مساعداتها المالية لمصر بمدى انسجام السياسة التي يتخذها النظام المصري تجاه قضايا المنطقة مع الأولويات السعودية.

 

(ساسة بوست)

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد