“وكالات- وطن” تعرضت أسرة سورية مكونة من الأب والأم و7 أبناء  إلى إطلاق نار من جانب أثناء محاولتها عن طريق البحر بعد فرارها من بطش نظام ما أدى إلى وفاة أحد أفرادها وهي الطفلة صفا 7 سنوات ونصف السنة.

 

لم يكن مقتل الطفلة “صفا إبراهيم” حادثة الاعتداء الأولى التي يتعرض لها المهاجرون أثناء محاولتهم الهروب عبر البحر إلى ، على يد الأمن والجيش المصريين، لكنها كانت الأولى التي يسقط فيها ضحايا، حسبما أشارت إليه منظمة العفو الدولية في تقرير في أغسطس الماضي، وقد أكدت المنظمة أن الطفلة السورية قتلت على يد قوات الأمن المصرية.

 

وروى الأب إبراهيم حسن قصة استثنائية وظروفا مأساوية عاشها في ، استطاع خلالها الحصول على حق إعادة التوطين عن طريق الأمم المتحدة، بشكل نظامي عقب تلقيه مكالمة هاتفية دعته فيها المنظمة إلى مقابلة استمرت أكثر من ثلاث ساعات، وكان الغرض منها كما أخبرته المفوضية تأمين إعادة توطين له ولعائلته، حتى لا يزداد وضع الأطفال تأزما، لكن القصة لم تنته كما كان يأمل إبراهيم.

 

وفي المقابلة الثانية تم الحديث عن احتمالية أن تتم إعادة توطين العائلة في أمريكا أو في بريطانيا، وعليهم الانتظار حتى يتم الاتصال بهم من سفارة إحدى الدولتين، لكن هذا الإجراء الذي ينتظره كل لاجئ سوري لم يأت، إنما عاش “إبراهيم” وعائلته قصة، بعد محاولته الهرب من مصر عبر البحر برفقة زوجته وأولاده السبعة، حيث تعرضوا خلالها لإطلاق نار من عناصر الجيش المصري، وهو ما أدى إلى مقتل ابنته ذات السبعة أعوام والنصف عام بعد إصابتها بطلق ناري اخترق صدرها. بحسب موقع عربي 21

 

إبراهيم حسن، مواطن في الأربعينيات من عمره، حاصل على بكالوريوس في اللغة العربية، كان يعيش في مدينة حلب بسوريا، ويعمل في مجال صيانة الموبايلات، غير أن اشتداد القصف على المدينة دفعه للهروب منها، خوفا على عائلته وأطفاله السبعة، أكبرهم حسن (16 سنة)، وأصغرهم غنى (سنتان ونصف) .

 

وصل إبراهيم إلى في عام 2012 ومنها انتقل إلى الإسكندرية، ولم يكن يملك من المال ما يكفيه ليعيش مدة طويلة في مصر، فقد كان يظن أنه سيمضي قرابة ستة أشهر في مصر ريثما تعود الحياة طبيعية إلى سوريا، غير أن الحياة بدأت تتدهور أكثر، وتدهورت معها حالته المادية السيئة حتى أفلس تماما، وعاش على ما يتصدق به أقاربه في الخارج.

 

وأضاف إبراهيم  “مكثت ما يقارب ثلاث سنوات في مصر، حتى يئست من الحياة هنا. لم أجد عملا طوال هذه السنوات، التعليم كان سيئا، فوجدت أن أفضل طريقة لأتخلص من هذه الحياة الصعبة أن أسافر إلى أوروبا، لكن لم يكن معي من النقود ما يكفي، ما اضطرني إلى بيع كل ما تملك زوجتي من ذهب، حتى بعت أقراط بناتي الذهبية وأساورهن، واستدنت باقي المبلغ من أقاربي”.

 

وأوضح “اتجهنا نحو منطقة ساحلية مصرية ونقطة انطلاق لرحلات التهريب تسمى “بلطيم” ، ومكثنا فيها ليلة كاملة، وفي يوم الخميس 6/8/2015 في الساعة التاسعة والنصف مساء تقريبا، وهو يوم افتتاح قناة السويس، أحضر لنا المهرب سيارة تاكسي، وأقلتني مع عائلتي مسافة 35 كيلومترا تقريبا على الطريق الدولي إلى محافظة كفر الشيخ.

 

وأردف “بعد أن وصلنا في حدود الثانية عشرة ليلا، أنزلونا في مكان فيه ثلاث سيارات، واحدة بيك آب مغلقة، وميكرو باص صغير كان محشوا بالناس، وشاحنة كبيرة لنقل الحديد، لكني لاحظت يومها شيئا غريبا، كانت هناك سيارة للحكومة المصرية تتقدمنا، لكني استبعدت أن يكون كمينا لنا”.

 

ووصف إبراهيم رحلته قائلا “وصلنا إلى مكان لا أعرفه، ونزلنا من السيارات جميعا، كنا 120 شخصا، 100 من السوريين، و20 شخصا من جنسيات مختلفة”.

 

لكن “كان المكان بعيدا عن الشاطئ ما يقارب ساعة كاملة مشيا على الأقدام، وكان يتوجب علينا الغوص في الرمال حتى نصل إلى الشاطئ، ومن هناك نصعد إلى القارب. كنت في المقدمة، في هذه الأثناء لاذ البعض بالفرار بعدما تأكدوا من وجود كمين للشرطة المصرية، غير أنه كان يصعب على الباقين الفرار؛ لأن عائلاتهم معهم”.

 

وتابع إبراهيم وعائلته السير “ومشينا في ساقية من الرمل، حتى ثقلت حركتنا بشكل كبير، في هذه الأثناء بات الشاطئ يبعد 250 مترا عنا تقريبا، وهنا شاهدنا طلقة مضيئة في السماء كان المهربون قد أطلقوها في إشارة للأمن المصري إلى أن الكمين قد أحكم ووصل اللاجئون”.

 

ويروي إبراهيم “تقدم الجيش المصري باتجاهنا، وبات ينعتنا بأقذز الألفاظ، مع إطلاق رصاص كثيف في الهواء، وبين الأقدام، كان ذلك في تمام الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل. أصيب رجل بفخذه ورجل بكتفه، لكنني سمعت صوت ابنتي صفا ذات السبع سنوات والنصف تصرخ “قلبي بابا قلبي”، اقتربت منها أكثر ورفعت سترة النجاة التي كانت ترتديها، فرأيت دما ورصاصة قد اخترقت جانبها الأيسر وخرجت من الأيمن، وبعضا من أحشاء ابنتي كانت قد خرجت، غير أنها ما زالت على قيد الحياة وتصرخ: بابا جبلي دكتور”.

 

يضيف إبراهيم “ناديت على الجندي وصرت أقول له “بنتي”، وذهبت لأرى إن كان معي شيء من الإسعافات في الحقائب الأخرى التي معي، لكنه لم يترك لي مجالا للعودة ومنعني من الاقتراب منها، وصار يضربني بحذائه العسكري حتى أصبحت أصرخ “بنتي عم تموت”، ووقفت زوجتي منهارة وصارت تقول “بنتي عم تموت ساعدوها”، فنعتها العسكري بألفاظ نابية، وأطلق ثلاث رصاصات في الهواء لإرهابنا، فوقعت ابنتي ذات السنتين والنصف مغشيا عليها من الخوف”.

 

ويوضح إبراهيم أنه استمر في محاولته لإقناع العسكري بالسماح بعلاج ابنته، ويقول “بقيت أترجاه كثيرا لأنقذ حياة ابنتي، لكنه رفض ذلك، فصرخت فتاة سورية اسمها نسرين وأخبرته أنها ممرضة، وسمح لها بأن ترى ابنتي، فأخبرته نسرين أن الفتاة في وضع حرج وتحتاج للنقل إلى مشفى، لكنه صرخ بنسرين قائلا: أنتِ غبية، ولا تفهمين شيئا، وصار يركل ابنتي المصابة بقدمه، وهي تتأوه من الألم، ولا تلفظ إلا “بدي دكتور”، وصارت تغيب عن الوعي وتصحو قليلا”.

 

استمر هذا الحال حتى الساعة الخامسة والنصف فجرا، “حتى جاء وفد آخر من الجيش، وقال للعسكري: “إحنا ما قلناش ضرب نار قلنا تخويف بس”. وأخذوني أخيرا مع ابنتي إلى المشفى، ووصلنا في حدود الساعة السادسة والنصف صباحا، لكن ابنتي لفظت أنفاسها الأخيرة في أول دقيقة وصلت فيها المشفى”.. كما يقول إبراهيم.

 

لم تنته القصة هنا، فيقول إبراهيم “أخذوني إلى المخابرات العسكرية في تمام الساعة التاسعة صباحا للتحقيق، وبقيت ابنتي في المشفى بعد وضعها في ثلاجة الموتى. بقيت في المخابرات العسكرية حتى العصر، وقصصت لهم الذي حدث وتأثروا به، كنا حوالي 68 شخصا، بينهم زوجتي وأطفالي، زوجتي كانت في حالة انهيار شبه تام، لا يفارقها البكاء، ومع ذلك تم احتجازها معنا، وفي المساء أخذوني إلى النيابة العسكرية في طنطا للتحقيق، ورغم أن النائب العام تعاطف معنا وأعطانا إخلاء سبيل لكننا مكثنا 11 يوما في نقطة للشرطة حيث تم نقلنا إليها جميعا، طوال هذه الفترة لم أستطع الخروج إلا يوم دفن ابنتي وهو يوم 13/8/2015، حيث سمح لي فقط أنا بالذهاب للدفن وبشكل سريع مع شرطيين، وبعربة صغيرة تسمى “تكتك” إلى “بلطيم”، لم يكن أي شيء يليق بطقوس الموت”.

 

يقول إبراهيم “توقعت أن أرى الندم في عيون العسكريين والضباط، توقعت أن أراهم حزينين وجاءوا لتعزيتي، لكني فوجئت بشرطيين فقط وعربة صغيرة، بقيت أردد بصمت “آه أيها الإنسان كم أنت رخيص في هذه البلاد”. دفنت ابنتي وحتى الآن لم أستلم شهادة الوفاة”.

 

وقد أعيد إبراهيم إلى الحجز بعد دفن ابنته، حتى أفرج عنه في أغسطس 2015. ويضيف “كانت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين طوال هذه الفترة، تحضر لنا الطعام والشراب، وترسل دعما نفسيا لنا، ووكلت لنا محاميا ليتابع قضيتنا، وبعد متابعات المحامي في محكمة طنطا، تم الاعتراف بوجود جريمة، غير أن المضحك المبكي أن الجريمة لم تكن قتل الطفلة، بل كانت إهدار المال العام عن طريق ضرب الرصاص الطائش في الهواء من العسكريين بشكل مفرط ومبذر”.

 

لكن المحامي لم يستطع حتى الآن تأمين تقرير الطبيب الشرعي، “بسبب أن القاتل هو أحد أفراد الجيش المصري، ما يعني تكتما على القضية، وقد يضيع حق طفلتي في المحاكم المصرية بسبب عدم الاعتراف بوجود قضية قتل عمد، بل اعتبرت قتلا بالخطأ”.

 

ويتابع “صحيح أنه سيتم تسفيرنا إلى إحدى هذه الدول، لكني سأسافر بلا ابنتي، لا أرى أن الحياة في أقصى الجنان ستكون جميلة دونها، لاسيما أن زوجتي حتى اليوم تعيش أزمة نفسية كبيرة بسبب فقدها، حتى بعد إجرائها المقابلات في المفوضية، ويبقى موضوع إعادة التوطين هو الأمر الوحيد الذي يعزيني في البقاء هنا، رغم أن أطفالي بات عندهم خوف من رؤية أي عسكري، حتى إنهم باتوا يخافون من أي أحد يتحدث باللهجة المصرية”.