الدبور – صفقة القرن بدأت ملامحها بالظهور وهو تحقيق حلم سعودي قديم بإنشاء منفذ بحري لها عبر أو اليمن، بديلا لتصدير النفط في ظل الأزمة التي لا تنتهي مع عدوتها إيران.

وخلال الحرب التي تصدّرتها منذ العام 2015، سعت السعودية إلى صرف الأنظار عن الشرق اليمني، وتحديداً المهرة، والتصرف بخطوات شديدة الحذر هناك، إلا أن الأحداث في هذه المحافظة الحدودية مع سلطنة عُمان، أعادت تسليط الضوء مجدداً وطرح تساؤلات عما تريده الرياض في اليمن، ولماذا تدور الحرب شمالاً وجنوباً فيما تُدشن إعادة الإعمار في المهرة التي لم تصلها حتى قذيفة واحدة من قذائف الحرب، وصولاً إلى سؤال كبير عما إذا بات استمرار الحرب والفوضى المتراكمة شمالاً وجنوباً، بمثابة حالة لا تخرج عن الرضى السعودي؟

 

و تعززت في الفترة الأخيرة التسريبات عن نية السعودية الشروع في إنشاء ميناء نفطي في محافظة المهرة، تمهيداً لقيام الرياض بمد أنبوب نفطي عبر اليمن، لنقل النفط عبره إلى بحر العرب.

فقد كشفت وثيقة مسربة، عن تقدّم شركة “هوتا” للأعمال البحرية، برسالة إلى السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، تشكره من خلالها لطلبه التقدّم بالعرض المالي والفني لتصميم وتنفيذ ميناء تصدير النفط،

وترافق التطور حول الأزمة المحتدمة حول المهرة، مع دخول السعودية بثقلها العسكري والسياسي إلى المحافظة اليمنية الواقعة أقصى شرقي البلاد، عبر سلسلة خطوات، من خلال مد جسور النفوذ إلى الأوساط المحلية في المحافظة وإرسال قوات السعودية للتمركز في مناطق المهرة الحيوية بما فيها المنافذ والمطار الواقع في المدينة،

على الرغم من الرفض المحلي الذي واجهته منذ اللحظة الأولى على أعلى مستوى في السلطة المحلية، إذ كان المحافظ السابق، محمد عبدالله كده، يرفض هذا الوجود، قبل أن يطيح به الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي من منصبه في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي. وفي وقتٍ لاحقٍ، توالى وصول القوات السعودية إلى المهرة، خصوصاً مطلع العام الحالي، والانتشار في نقاط حيوية.

في المقابل، واجه التحرك السعودي رفضاً محلياً، مدفوعاً بسببين رئيسيين: الأول هو التصرفات السعودية التي استفزت سكان المحافظة، على غرار تعطيل المطار ومنح موظفيه إجازة مفتوحة.

 

أما السبب الآخر للتوجّس المحلي من التحركات السعودية في المهرة، فينطلق من العلاقات التي تربط العديد من وجهاء المحافظة، مع سلطنة عُمان. وتمثّل المحافظة عمقاً استراتيجياً بالنسبة لمسقط، في وقتٍ يبدو فيه الوجود السعودي، العسكري على الأقل، تطوراً مستفزاً لسكينة المحافظة، التي لم تعرف أي وجود لمسلحي جماعة “أنصار الله” (الحوثيين)، وللجار العُماني الذي يتوجس تاريخياً من التحركات السعودية على حدوده مع اليمن، الأمر الذي تعزز بالتشديدات التي جرى اتخاذها في ما يتعلق بالواردات عبر المنافذ الحدودية مع عُمان (شحن وصرفيت)، ومنع العديد من المنتجات من الدخول، وصولاً إلى رفع الضرائب 100 في المائة على الواردات.

من جهتها، قابلت الرياض الرفض المحلي لوجودها، بخطوات على أكثر من صعيد. فمن جهة، سعت إلى التفاوض مع المحتجين وممثليهم، الذين دشنوا اعتصاماً مفتوحاً للمطالبة برحيل القوات السعودية في يوليو/تموز الماضي، ووقّعت اتفاقاً من شأنه تنفيذ المطالب. لكنها ومن بوابة أخرى، سعت إلى محاصرة الأصوات الرافضة لها، بدعم قرارات اتخذها الرئيس اليمني، أطاحت بشخصيات محلية عُرفت بتأييدها الاحتجاجات. كما رتبت زيارة لهادي إلى المحافظة، مطلع الشهر الحالي، كان السفير السعودي ضمن مستقبليه، وأعلن خلالها تدشين جملة من المشاريع التنموية بتمويل سعودي، ليدل ذلك على أن الرياض عازمة على البقاء في المهرة، مع سبق الإصرار، وفيها دشنت برامج إعادة الإعمار، مع أنها محافظة لم تطاولها نار الحرب المستعرة وسط البلاد وجنوبها وشمالها، منذ سنوات.

لا ينحصر الحديث حول المشروع السعودي في شرق اليمن، بميناء نفطي وأنبوب يمر عبر اليمن، بل يصل إلى “قناة بحرية”، وهو ما أطلقت عليه مجلة “المهندس”، الصادرة عن الهيئة السعودية للمهندسين السعودية خلال العام 2015، اسم “مشروع القرن”. فيما قالت صحيفة “عكاظ”، في إبريل/نيسان 2016، إن السعودية أكملت “الخطوات الإجرائية لدراسة مشروع القناة البحرية، التي تربط الخليج العربي مروراً بالمملكة، إلى بحر العرب، للالتفاف حول مضيق هرمز، ما يمكّن المملكة من نقل نفطها عبر هذه القناة المائية الصناعية الأكبر في تاريخ القنوات المائية الصناعية الكبرى في العالم”.

ونقلت الصحيفة عن المهندس عصمت الحكيم، الذي كشف فصول المشروع الأكبر العائد لدراسة في شركة الكهرباء السعودية، أن الفكرة تتمحور حول إنتاج الطاقة الكهربائية في مرحلته الأولى، ثم يتحوّل إلى مشروع متكامل تحت اسم “النهضة الثانية للمملكة”. وتتلخص “الفكرة الرئيسية في فتح قناة بحرية من بحر العرب، مروراً بالحدود العُمانية واليمنية، وتمتد إلى داخل المملكة في الربع الخالي ثاني أكبر صحراء في العالم، وتحتل الثلث الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية. ويقع الجزء الأعظم منه داخل الأراضي السعودية، بمساحة 600 ألف كيلومتر مربع، وتمتد ألف كيلومتر طولاً، و500 كيلومتر عرضاً”. وتطرقت المجلة السعودية، حينها، إلى تفاصيل مثيرة حول مشاريع نووية وصناعية ضخمة تقوم في ضوء المشروع.