الدبور – خلال العقود الماضية كانت مؤتمرات القمم العربية تخرج ببيانات شجب و تنديد و استنكار في مواجهة الجرائم الصهيونية و السياسات الأمريكية المعادية للمصالح العربية، لكن و مع نجاح المال الخليجي في السيطرة على قرار غالبية الدول العربية و تمكن السعودية بناتج ذلك من الجلوس على مقعد قيادة رأس القاطرة المحركة للنظام الرسمي العربي، منذ ذلك الحين اختفت بيانات الشجب و التنديد الموجهة نحو أعداء الأمة و قضاياها الكبرى، ففي العقد الأخير انحصرت بيانات “الشجب و الاستنكار الشديد” في قضايا فرعية لا تمس المشاريع الاستعمارية الدولية، بل و جاء أغلبها متوافقا و داعما لتوجهات السياسة الأمريكية و المصالح الإسرائيلية.

الأهم هو أن القمم العربية في العقد الأخير قد أزاحت القضية المركزية إلى الهامش و صارت جداول أعمال القمم متوجهة نحو اتخاذ إجراءات لخنق الدول العربية المناوئة للنهج الاستعماري و المغضوب عليها من البيت الأبيض، فأبرز القمم العربية المنعقدة في الفترة الأخيرة كان الغرض منها هو شرعنة أو تغطية جرائم تدمير العراق و ليبيا و سوريا و اليمن، أو لتهديد إيران و التحريض على محاربتها بسبب دعمها لحركات المقاومة الفلسطينية و اللبنانية، لدرجة أن عبارة مثل “التدخل الإيراني في الشئون العربية” صارت هي البند الأساسي و المصطلح الأبرز و الأكثر استخدامًا في مخرجات كل القمم العربية مؤخرًا، في مقابل شرعنة أو تبرير الاعتداءات التي نفذها الأمريكان و دول حلف الناتو في البلدان العربية، و كذا تجاهل أو تهميش حقائق التدخلات التركية في سوريا و العراق و التي تحدث قسرا دون موافقة حكومات البلدين.

 أليست كل هذه القضايا مؤثرة بدرجة أوضح على الأمن القومي العربي ناهيك عما نتج عنها من مجازر و جرائم تهجير طالت ملايين العرب!

لا بأس أن تكون قضية السياسات الإيرانية أحد البنود الأساسية في جداول أعمال القمم العربية المتوالية ما دام هذا سيفضي لمناقشة كيفية التعامل معها لضمان المصالح العربية و دعم قضايا الأمة، لكن المضحك هو أن تكون مسألة مواجهة إيران هي السبب الوحيد الذي تنعقد القمم العربية لأجله، في حين لم يجرؤ أحد من الزعماء الأشاوس على الدعوة لقمة تتخذ إجراءات عملية في مواجهة مشروع صفقة القرن أو اتخاذ مواقف رادعة سياسيًا لإثناء الرئيس الأمريكي عن قراراته بمنح القدس و الجولان لإسرائيل، و مساعيه لإلغاء وجود منظمة الأونروا و وأد قضية اللاجئين الفلسطينيين نهائيًا.

الجديد هو أن القمة العربية القادمة في مكة، خلال خواتيم الشهر الحرام، ستكون أكثر تواضعًا في طموحاتها، فسقف أهدافها الفعلية قد انخفض من دعاوى مواجهة إيران أو إدانتها، إذ أن الغرض الأساسي الذي من أجله تمت الدعوة للقمة هو إسناد النظام السعودي و لو معنويا في مواجهة جماعة الحوثي “أنصار الله”، و لهذا كان اختيار المكان و التوقيت دليلاً على أن العاهل السعودي و ولي عهده لم يعد لديهم من سبيل سوى استخدام أسلوب الابتزاز العاطفي من خلال توظيف أشد الرموز الدينية الإسلامية قداسة للتأثير في نفوس الشعوب العربية و الإسلامية للحصول على التعاطف و الدعم لأغراض كثيرة منها؛ إضفاء نوع من الحصانة الدينية على النظام السعودي لستر عورته و التغطية الدعائية على بشاعة حربه في اليمن، و الإيهام بخطر الحوثيين على المقدسات ما يوحي أن محاربتهم واجب ديني يقتضي تجنيد المزيد من القوات العربية و المتطوعين في صفوف المملكة للمشاركة في قتال الحوثيين، و كذلك انتحال صفة “إجماع عربي” لمواقف تصدر بقرارات من القمة تتجه للضغط على جماعة الحوثي و محاصرتها أكثر و لو على المستوى الإعلامي.

 و بالتأكيد هذا كله يتضمن هدفًا أساسيًا هو تخفيض مستوى تعاطف الشعوب العربية مع الحوثيين كون ذلك التعاطف المتعاظم بوتيرة متسارعة في العالم العربي يمثل عاملاً مهما لتحفيز الحوثيين بما يمثله من أثر معنوي يزيد من إيمانهم بعدالة قضيتهم و يساهم في دفعهم للاستبسال و مواصلة الصمود بجرأة متزايدة.

يبقى السؤال: هل ستلتفت القمة العربية نحو موضوع القضية المركزية للأمة العربية في ظل التحركات الأمريكية-العربية المتحمسة لبدء تطبيق مشروع صفقة القرن؟

ربما، لكن مثل هذه الالتفاتة إن حدثت فلن تكون لمواجهة الصفقة، بل للتمهيد لها و تمويه الانخراط العلني فيها عبر طرح مطالب دعائية و شروط هلامية تبرر مناقشة الصفقة و التعاطي معها كخطوة أولى تأتي بعدها خطوات التنازلات المعتادة بالتدريج حتى الرضوخ التام لبنودها المقررة سلفًا. فلا أحد يتوقع من الزعماء الذين وافقوا على حضور قمة للنفاق في مكة على مرأى من البيت الأسود أن يفعلوا شيئًا غير التوقيع على ما سيطرحه أمامهم حاكم النفط بأوامر آلهة البيت الأبيض.

عن التمكين.